٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


أركان النكاح

الزواج عقد من أشرف العقود؛ لأنه يتمّ بين طرفين لإنشاء أسرة، وتكوين مجتمع، وتحصينًا وسكنًا للنفس، وطلبًا للنسل، وبقاء للنوع الإنساني، وتعاوناً في الحياة. ولما كانت له هذه الأهمية، فإن عقده لا يتم إلا بعد تحقق أركان وشروط سنتكلم عنها، ونوضح ما يتعلق بكل منها.
مذاهب الفقهاء في أركان عقد النكاح:
اختلف الفقهاء في تحديد أركان عقد الزواج على النحو التالي:
فعَدَّ [الحنفية]: الأركان هي: الإيجاب، والقبول فقط.
وعَدَّ [المالكية] أركان النكاح أربعة هي: الولي، والصداق، والمحلّ، والصيغة.
وعدَّ [الشافعية] أركان النكاح خمسة، وهي: الصيغة، والزوجة، والشاهدان، والزوج، والولي.
وعدَّ [الحنابلة] أركان النكاح ثلاثة، وهي: الزوج والزوجة ركن، والإيجاب ركن، والقبول ركن.

فعلى هذا يكون جمهور الفقهاء قد اتفقوا على: أن الصيغة التي هي: الإيجاب والقبول ركن في عقد الزواج، لم يخالف في هذا أحد. أما الباقي فهي أركان عند البعض، وشروط عند البعض الآخر.


٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


الإيجاب والقبول
"الإيجاب" هو: ما صدر أولًا من أحد المتعاقدين، سواء أكان من جانب الرجل، أم من جانب المرأة، أو وليّها. و"القبول": ما صدر ثانيًا من أيّ جانب منهما. فلو قال رجل لامرأة: "زوجتُكِ نفسي"، فقالت: "قبِلتُ" أو "رضيتُ"، كان قول الرجل: إيجابًا، وقول المرأة: قبولًا. ولو بدأت المرأة بالكلام فقالت له: "زوَّجتُكَ نفسي"، فقال لها: "قبلْتُ"، كان كلامها: إيجابًا، وكلامه: قبولًا -على الراجح-.
ولكي يكون الإيجاب والقبول دالّيْن على الارتباط بين العاقدين، فإنه لا بدّ من توافر شروط فيهما، وفي العاقدين، وفي المحلّ الذي يقع عليه العقد، وتظهر فيه آثاره.
ويلاحظ: أن المرأة في عقد الزواج لها اعتباران. فهي باعتبارها طرفًا في العقد إذا تولّت العقد بنفسها عند مَن يجيز ذلك: تدخل في العاقديْن، وبالنظر إلى: أن آثار العقد تظهر فيها بصورة أوضح وأقوى من الرجل تعتبر: محلا للعقد. فإذا توفرت هذه الشروط كان العقد منعقدًا، وإذا تخلّفت كلّها، أو بعضها كان غير منعقد.


٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


ما يشترط في الإيجاب والقبول

قلنا: إن الإيجاب والقبول هما: ركنا عقد النكاح كسائر العقود الشرعية، ويطلق عليهما: الصيغة. ولما كانا ركني عقد النكاح، وتتوقف وجود ماهية النكاح وحقيقته عليهما، فإنه يجب فيهما مراعاة ما يأتي:
أن يكون كل من الإيجاب والقبول بلفظ الماضي إن كان بالألفاظ؛ كأن يقول الرجل للمرأة: "زوجتك نفسي" وتقول المرأة: "قبلت". أو يكون الإيجاب بصيغة الأمر، والقبول يكون بصيغة الماضي، كأن يقول الرجل للمرأة: "زوِّجيني نفسك"، فتقول له: "قبِلْت". أو يكون الإيجاب بصيغة المضارع، والقبول بصيغة الماضي، كأن يقول الرجل للمرأة: "أتزوّجُكِ"، وتقول له المرأة: "قبلْت".

٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


تأبيد الزواج

ما المقصود بتأبيد الزواج؟
المقصود من ذلك: أنه يشترط في صيغة الزواج -التي هي: الإيجاب والقبول- أن تكون دالةً على التأبيد، وألّا يقترن بها ما يدل على التأقيت صراحةً؛ لأن مقتضى عقد الزواج حِلُّ العشرة ودوامها، وإقامة الأسرة، وتربية الأولاد، والقيام على شئونهم؛ وذلك لا يكون على الوجه الكامل إلا إذا كانت عقدة الزواج دائمة وباقية حتى يشاء الله انتهاءها بالموت أو غيره. فإذا قال رجل لامرأة: "أستمتع بك مدّة سِتة أشهر"، أو "أتزوجك لمدة سنة" مثلًا أو "مدة إقامتي في هذه البلدة"، فقالت: "قبلت"، لم ينعقد النكاح، لذكْر المدة الدالة على التأقيت، وهي مخالفة لما يجب أن يكون عليه الزواج من التأبيد.

وقد حكم الفقهاء ببطلان نوعين من العقود لتنافيهما مع التأبيد المطلوب للنكاح. وقد كان هذان العقدان معروفين في الجاهلية قبل استضاءة الأرض بنور الإسلام. وهذان العقدان هما: المتعة، والنكاح المؤقت.


٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


المتعة

فأما زواج المتعة الذي يكون بلفظ التمتع والاستمتاع ونحوهما مثلًا، وهو أن يقول الرجل للمرأة: "أتمتّع بك لمدة شهر بمائة جنيه" مثلًا، فتقول: "قبلت" أو "وافقت". وحكم هذا النوع من الزواج: أنه باطل باتفاق جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين. ولم يخالف في ذلك سوى طائفة من الشيعة الإمامية الاثني عشرية؛ حيث ذهبت إلى إباحته، واستدلوا على جوازه بأدلة ثلاثة:

الأول

ما روي في إباحته في الصدر الأول للإسلام، وحكي ذلك عن ابن عباس، وعطاء، وطاوس. واستدلوا بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "متعتان كانتا على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أفأنهى عليهما وأعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج".


٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


الثاني

أنه عقد على منفعة، فيكون مؤقتًا كالإجارة.

الثالث

قوله تعالى: ((فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)) [النساء: ٤]، حيث أوجبت الآية إعطاء ما للمرأة نظير الاستمتاع بها وسمَّتْ ذلك: أجرًا. والاستمتاع بالمرأة غير الزواج بها، والأجر غير المهر؛ فيكون في هذا دليل على إباحة زواج المتعة. إلا أن الجمهور قد خالف الشيعة وحكى ببطلانه، واستدلوا بالأدلة الآتية:
روى الربيع بن سبرة أنه قال: أشهد على أبي: أنه حدّث "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن نكاح المتعة"، وفي لفظ آخَر: "أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حرَّم متعة النساء"، والحديث رواه أبو داود.
روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن لحوم الحُمر الأهلية"، والحديث رواه مالك في "الموطأ"، والنسائي وغيره...

٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


كما جاء في "صحيح" مسلم: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حرَّمها يوم الفتح".
والتوفيق في الروايات: أنَّ نسْخها وتحريمها تكرر أكثر من مرة. وهذا التكرار يدل على: بطلانها ونسخها.
أجمع المسلمون على كونه غير زواج؛ بل هو استمتاع فقط.
قول الحق -سبحانه وتعالى- في وصف المؤمنين: ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ)) [المؤمنون: ٥، ٦]. والمعقود عليها عقد متعة ليست زوجًا باتفاق المسلمين حتى الشيعة، فإنهم لا يرتِّبون لها حقوق الزوجة من نفقة وميراث. إذن ما الرأي الراجح مع التعليل؟ الراجح هو: رأي الجمهور.

الزواج المؤقت

هو: الذي ينشأ بلفظ من الألفاظ التي ينعقد بها عقد النكاح كلفظ الزواج أو غيره من الألفاظ الصالحة لإنشاء عقد الزواج، ويتم بحضرة الشهود، غير أن الصيغة تكون دالة على التأقيت والتحديد بمدة معيّنة كشهر أو سنة مثلًا. كأن يقول لها: "تزوجتك لمدة شهر". إذن الفرق بين الزواج المؤقت وبين نكاح المتعة من حيث اللفظ فقط. فنكاح المتعة ينعقد بلفظ "أتمتع بك لمدة شهر"، والنكاح المؤقت ينعقد بلفظ: "أتزوجك لمدة شهر" مثلًا.



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


حكم الزواج المؤقت:
جمهور الفقهاء يرون: بطلان هذا الزواج ؛ لأن هذا الشرط -وهو: اشتراط التأقيت- يمنع من بقاء النكاح، فأشبه نكاح المتعة؛ بل هو يعتبر زواج متعة، أو على الأقل في معناه؛ إذ إن الغرض من النكاح المؤقَّت هو: عين الغرض من نكاح المتعة. واقتران الصيغة بما يدل على التأقيت وتقييدها بالوقت جعلها غير صالحة لإنشاء الزواج. والعبرة في إنشاء العقود للمعاني والمقاصد لا للألفاظ والمباني.

وقال نفر من الحنفية: إن النكاح المؤقت صحيح ولازم، وينعقد مؤبَّدًا، ويلغى شرط التأقيت؛ لأن الصيغة المذكورة في ذاتها صالحة لإنشاء عقد النكاح، ولكن اقتران شرط التأقيت بها شرط فاسد. والنكاح المنعقد صحيحًا لا تفسده الشروط الفاسدة بخلاف المتعة؛ فإن الألفاظ المستعملة فيها لا تدل على إنشاء عقد الزواج بل على الاستمتاع فقط، فافترقا من حيث وجود الصيغة المنشأة لعقد الزواج في النكاح المؤقت وعدم وجودها في المتعة. وأرى: أن مذهب الجمهور هو: الأرجح، لقوّة ما تعللوا به، ومراعاته لقواعد الشريعة.



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج


ونتساءل أخي الكريم: هل يجوز أن يتولّى عقد النكاح طرف واحد موجبًا وقابلًا؟
الأصل في العقود كما هو معروف: أن يتولى إنشاءها ويقوم بتنفيذها عاقدان، بحيث يكون الإيجاب من أحدهما ويكون القبول من الآخَر. ولا يجوز أن يتولَّى عاقد واحد إنشاء العقد من الجانبين في العقود المالية، إلا في أحوال استثنائية اضطرارية مثل: أن يبيع الأب لابنه، أو يشتري من الذي تحت ولايته لصغر سِنِّه أو جنون. ولكن عقد الزواج يخالف العقود المالية، فقد اختصّ من بين سائر العقود بأنه قد يتولاه عاقد واحد يقوم مقام عاقديْن، وتقوم عبارته مقام عبارتين؛ ولكن ذلك مقيّد بأن تكون له ولاية إنشاء العقد من كلا الجانبيْن، وألا يكون فضوليًّا بالنسبة لأحدهما. ويصدق ذلك فيما يأتي:
أولًا- أن يكون وكيلًا من الجانبين بأن يوكله رجل في تزويجه، وتوكله امرأة في تزويجها، فيتولى ذلك الوكيل تزويج بعضهما لبعض.
ثانيًا: أن يكون أصيلًا من جانب، ووكيلًا من الجانب الآخر، كأن توكله امرأة في تزويجها من نفسه فيتزوجها.
ثالثًا: أن يكون وليًّا من الجانبين، كأن يزوِّج بنت بنته الصغيرة من ابن ابنه الصغير.
رابعًا: أن يكون وليًّا من جانب ووكيلًا من الجانب الآخر، كأن يوكله رجل في أن يزوِّجه من ابنته الصغيرة.
خامسًا: أن يكون أصيلًا من جانب ووليًّا من الجانب الآخر، كأن يتزوج بنت عمّه الصغيرة التي تحت ولايته.

ففي هذه الصور الخمس، نرى أن العاقد ذو صفة شرعية وليس فضوليًّا من أي جانب، بل كانت له الولاية إما بالأصالة، أو بالشرع، أو بالتوكيل.


٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج



٢.١ أركان النكاح، وتأبيد الزواج