٢.٩ خصائص فقه الأقليات
خصائص فقه الأقليات
لا شك أن لهذا الفقه المنشود خصائص لا بد أن يراعيها؛ حتى يؤتي أكله وتتحقق الأهداف، وتتمثل تلك الخصائص فيما يلي:
فهو فقه ينظر إلى التراث الإسلامي الفقهي بعين، وينظر بالأخرى إلى ظروف العصر وتياراته ومشكلاته، فلا يهيل التراب على تركة هائلة أنتجتها عقول عبقرية خلال أربعة عشر قرنًا، ولا يستغرق في التراث بحيث نتجاهل التيارات والتطورات المعاصرة.
يربط هذا الفقه بين عالمية الإسلام وبين واقع المجتمعات، ويوازن بين النظر إلى نصوص الشرع الجزئية ومقاصده الكلية، فلا يغفل ناحية لحساب أخرى، ولا يعطل النصوص الجزئية من الكتاب والسنة، بدعوى المحافظة على روح الإسلام وأهداف الشريعة، فهو كما قلنا: يربط بين عالمية الإسلام وبين واقع المجتمعات.
كما كان -صلى الله عليه وسلم- يراعي طبائع القوم كما قال: ((إن الأنصار يعجبهم اللهو))، وكما أذن للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده، يرد الفروع إلى أصولها، ويعالج الجزئيات في ضوء الكليات موازنًا بين المصالح بعضها ببعض، وبين المفاسد بعضها ببعض، وبين المصالح والمقاصد عند التعارض في ضوء فقه الموازنات وفقه الأولويات.
٢.٩ خصائص فقه الأقليات
الضوابط الشرعية للعمل في بلاد المهجر
فإذا تعاقد المسلم مثلًا مع الكافر أو مع غير المسلم، على أن يعمل أعمالًا مباحة كالخياطة والحدادة والحراسة والصيانة، فلا شك أن هذا جائز بإجماع المسلمين؛ حيث روى الإمام أحمد في (مسنده) أن عليَّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- أَجَّرَ نفسه من يهودي يسقي له كل دلو بتمرة.
أما إذا أَجَّرَ المسلم نفسه لكافر يقوم بخدمته، لكنها خدمة فيها مهانة؛ كأن يكون له كناسًا أو زبالًا ونحو ذلك؛ قالوا: فلا يجوز؛ حيث يرى الإمام مالك وأحمد عدم الجواز في تلك الحالة.
أما فقهاء الحنفية والجديد عند الشافعية ورواية لأحمد الجواز؛ أي جواز العمل بتلك المهن، ما دام المسلم تدعوه الحاجة المادية لذلك وفقًا للقاعدة الشرعية: تنزيل الحاجة منزلة الضرورة عند الاقتضاء، ولا يوجد فرقٌ له اعتبار بين جواز تأجير المسلم نفسه للكافر يعمل له عملًا ما، وبين حرمة أن يعمل خادمًا عنده؛ إذ الخدمة نوع من العمل، ولولا الحاجة -التي هي بمنزلة الضرورة- ما رضي مسلم أن يعمل تحت إمرة غيره.
ولا يجوز للمسلم إن أجر نفسه للغير أن يباشر الحرام القطعي بنفسه؛ كأن يقدم الخمر مثلًا أو لحم الخنزير للزبائن، أو يتولى البيع والشراء، أو التصنيع، أو التعليب؛ للحرمة القطعية لهذا في القرآن والسنة، مما لا يكاد يجهله مسلم، أما إذا تولى العمل في هذا المطعم المملوك لغير المسلم، وكان في هذا المطعم مثلًا أعمال أخرى مباحة؛ كالمشروبات واللحم الحلال، فلا شك أن العمل جائز، حتى ولو كان المحل التجاري يقدم لزبائنه الحلال والحرام.
٢.٩ خصائص فقه الأقليات
هذا كله من حيث الحل والحرمة والإثم وعدمه في الشرع، أما عن الأفضل وعن الأحوط فهو الابتعاد عن مواطن الشبهات، كما في حديث النعمان بن بشير: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)).
التحاكم في محاكم غير إسلامية
لا شك أن التحاكم إلى من يحكم بغير ما أنزل الله هو تحاكم إلى الطاغوت، الذي أمرنا أن نكفر به، كما قال -تعالى: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)) [النساء: ٦٠]، حيث نفى الله -تعالى- الإيمان عمن لم يُحكِّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيما شجر بينهم، حيث قال -تعالى: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) [النساء: ٦٥].
ولا شك أن التحاكم إلى تلك المحاكم التي تحكم بغير ما أنزل الله، عن رضا وطواعية واستحسان، أمر غير مستحب، أما من ألجئ إلى تلك المحاكم بالإكراه والإجبار؛ كأن يستدعى للمسئول أمامها للترافع في دعوى مقامة عليه، فهو هنا في حكم المكره الذي لا إثم عليه إن شاء الله، كما قال -تعالى: ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)) [النحل: ١٠٦].
٢.٩ خصائص فقه الأقليات
ولكن هل يلحق بهذا من كان له حق أو مظلمة، ولا يمكن استيفاء حقه أو دفع تلك المظلمة عنه إلا بالتحاكم إلى تلك المحاكم القانونية؟ وهل يسوغ له شرعًا الترافع إلى تلك المحاكم؟
لا شك أن هذه ضرورة، ومن القواعد الشرعية: الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها، ومن ثم فنقول: لا شك أن الأمر في تلك الحالة على الإباحة، تأسيسًا على تلك القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، ولكن على من ابتلي بمثل هذا أن يجتهد قدر المستطاع بألا يتحاكم إلى غير ما أنزل الله، وأن يلجأ إلى الوسائل الأخرى كالإصلاح مثلًا، أو يحكم بينه وبين خصمه من يثق في دينه وعلمه من علماء الشريعة.
وعلى إخواننا الذين يعيشون في تلك البلاد أن ينشئوا لجانًا شرعية، ممن تتوافر فيهم شروط المفتي أو شروط القاضي أو شروط الاجتهاد، للتحاكم وإصلاح ذات البين فيما يقع بينهم؛ حتى لا يلجئوا إلى تلك المحاكم.
وماذا عن عمل المحامي في دولة أجنبية؟ هل يجوز للمسلم المقيم في تلك البلاد أن يعمل محاميًا أم لا يجوز؟
نقول: من يكون وكيلًا عن غيره، وهو ما يسمى عرفًا المحامي في قضية ما في دولة تحكم بالقوانين الوضعية، فكل قضية يدافع فيها عن الباطل عالمًا بذلك مستندًا في دفعه إلى القوانين الوضعية، فهو آثم إن استحل ذلك، أو كان مستهترًا لا يبالي بشريعته.
ومن ثم فما يأخذه من الأجر على هذا العمل فهو سحت، وكل قضية يدافع فيها عن الباطل عالمًا بذلك معتقدًا التحريم، لكن حمله على ذلك طمعه في كسب القضية؛ لينال الأجر عليها فهو آثم، وما يأخذه من الأجر على ذلك سحت أيضًا لا يحل له.
٢.٩ خصائص فقه الأقليات
أما إن دافع عن موكله في قضية معتقدًا أنه محق شرعًا، واجتهد في ذلك بما يعرفه من أدلة التشريع الإسلامي، فهو مثاب على عمله معذور في خطئه مستحق للأجر على دفاعه، أما من دافع عن حق في الواقع لأخيه وهو يعتقده حقًّا، فهو مثاب مستحق للأجر المتفق عليه مع من وكله. وبهذا يمكن لنا أن نقول: ليس العمل بالمحاماة في تلك البلاد حرام مطلقًا أو حلال مطلقًا، وإنما الحكم يتوقف على عمل المحامي هذا، واعتقاده في الدفاع عن الباطل أو عدم اعتقاده ذلك، فالحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا.
هل يجوز للمسلم أن يقاتل مع الكفار في تلك البلد، حتى ولو كان هذا القتال ضد المسلمين؟
لا يجوز المشاركة في هذا القتال خاصة إذا كان ضد المسلمين؛ إذ مساعدة الكفار أو مساعدة غير المسلمين ضد المسلمين أمر يأثم الشخص على فعله، قال -تعالى: ((وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)) [المائدة: ٥١]، ومن ثم فعلى الشخص أن يتخلص من الاشتراك في هذا القتال بعذر يبديه، ويبحث عن طريقة للخروج من هذه الورطة؛ حتى لا يأثم في نظر الشريعة الإسلامية.
ونريد أن نؤكد على من يريد ذلك، أو من تسول له نفسه أن يقيم في تلك البلاد، حتى ولو كان للعمل في تلك الوظيفة؛ نقول له: اتق الله وابحث عن وظيفة أخرى، واترك الخدمة في تلك الجيوش التي قد تصطدم عاجلًا أو آجلًا بجيوش المسلمين؛ لما يترتب على ذلك من إعانة غير المسلمين، ومن تقويتهم، ومن تكثير عددهم.
٢.٩ خصائص فقه الأقليات
اللهم إلا إذا كان العمل فيه منفعة للمسلمين؛ كنقل أخبار وأسرار هؤلاء إلى المسلمين؛ ليستفيد المسلمون منها، أو أن يكون العمل دعويًّا إسلاميًّا بحتًا؛ كالخطابة والإمامة بالمسلمين الموجودين في الجيش، مع نصحهم بترك أي عمل فيه تقوية لغير المسلمين.
ومن المشاركات التي قد يشارك بها المسلم المقيم في بلاد غير المسلمين، مشاركة التبرع بالدم مثلًا عندما يطلب منه ذلك، فهل يقدم على هذه المشاركة ويتبرع بدمه أم لا؟
وهنا نتخيل أنه قد تكون الحاجة ماسة إلى هذا التبرع؛ كأن يكون هناك توافقًا بين فصيلته وبين فصيلة طفل أوشك على الموت؛ لعدم وجود فصيلة دم متوافقة مع فصيلته، هل يجوز في تلك الحالة أن يتبرع المسلم بدمه لهذا الطفل أم لا؟
نقول: ليس هناك ما يمنع من ذلك؛ لأن الله -تعالى- يقول في كتابه العظيم: ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)) [الممتحنة: ٨].
فالله -سبحانه- أخبرنا أنه لا ينهانا عن الكفار الذين لم يقاتلونا، ولم يخرجونا من ديارنا أن نبرهم ونحسن إليهم، والمضطر في حاجة شديدة إلى الإسعاف، وقد جاءت أم أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنها- إلى بنتها وهي كافرة في المدينة، في وقت الهدنة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وأهل مكة تسألها الصلة، فاستفتت أسماءُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك فأفتاها أن تصلها، وقال: ((صلي أمك وهي كافرة)).