١.٩ عناية الفقه الإسلامي بالأقليات
عناية الفقه الإسلامي بالأقليات
اهتمت الشريعة الإسلامية وكذلك المعاهدات الدولية بحماية الأقليات، كما كانت مسألة الأقليات من أهم المشكلات التي واجهت عصبة الأمم المتحدة.
إن أوضاع الأقلية المسلمة في ديار غير المسلمين يمكن أن توصف بأنها أوضاع ضرورة، بالمعنى العام للضرورة الذي يشمل الحاجة، والضرورة بالمعنى الخاص.
ولهذا احتاجت الأقليات التي تقيم في تلك البلاد إلى فقه خاص، ولكن لا يعني ذلك إحداث فقه جديد خارج إطار الفقه الإسلامي ومرجعيته؛ الكتاب والسنة، وما ينبني عليهما من الأدلة؛ كالإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع والعرف والاستصحاب، إلى آخر قائمة الأدلة التي اعتمدها الأئمة في أقوالهم وآرائهم العديدة والمتنوعة، والتي تمثل ثراء وسعة الفقه الإسلامي.
فقضايا الأقليات قديمة بالجنس حديثة بالنوع، أما إضافة الفقه إلى الأقليات فهي من نوع الإضافة التي يراد بها تمييز المضاف وتخصيصه، وهي من نوع الإضافة شبه المحضة، حيث ذكر ابن مالك في (الألفية) نوعين من الإضافة هما: الإضافة اللفظية والإضافة المعنوية، وهي الإضافة المحضة وهذه منها؛ لأن المضاف إليه يخصص الأول أو يعرفه.
فإضافة الفقه للأقليات لا تعني إنشاء فقه خارج الفقه الإسلامي وأدلته المعروفة، وإنما تعني أن هذه الفئة لها أحكام خاصة نظرًا لظروف الضرورات والحاجيات، كما نقول مثلًا: فقه السفر أو فقه المعتدات أو فقه النساء أو فقه النفقة.
١.٩ عناية الفقه الإسلامي بالأقليات
وماذا عن التأصيل لفقه الأقليات؟ أقصد أن هذا الفقه ليس كالفقه الإسلامي الذي يطبق على جميع الناس، أم هو نفسه، وإذا كان فلا بد من التأصيل له؛ حتى لا يلتبس الأمر على بعض الناس، ويظنوا أن لهم فقهًا مستحدثًا بعيدًا عن الفقه الإسلامي، ففقه الأقليات كسائر فروع الفقه يرجع إلى مصدري الشريعة: الكتاب والسنة.
إلا أنه عند التفصيل يرجع:
إلى كليات الشريعة القاضية برفع الحرج، وتنزيل أحكام الحاجات على أحكام الضرورات، واعتبار عموم البلوى في العبادات والمعاملات، وتنزيل حكم تغير المكان على حكم تغير الزمان، ودرء المفاسد، وارتكاب أخف الضررين وأضعف الشرين.
كل هذا مما يسميه البعض فقه الموازنات أو فقه الأولويات أو المصالح المعتبرة؛ إذ الشريعة كما نعلم مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، كما يقول ابن القيم في (إعلام الموقعين)، وهي كليات شهدت الشريعة باعتبار جنسها فيما لا يحصر ولا يحصى من النصوص.
يرجع فقه الأقليات إلى نصوص جزئية تنطبق على قضايا وموضوعات ماثلة في ديار الأقليات.
يرجع فقه الأقليات إلى أصل خاص ببعض العلماء، يعتبر حالة المسلمين في أرض غير المسلمين سببًا لسقوط بعض الأحكام الشرعية، مما عرف بمسألة الدار، التي نعبر عنها بحكم المكان، وهذا الكلام منقول عن عمرو بن العاص من الصحابة، وعن أئمة كالنخعي والثوري وأبي حنيفة ومحمد، ورواية عن أحمد وعبد الملك من المالكية.
وهو كله أيضًا مؤصل من أحاديث كالنهي عن إقامة الحدود في أرض العدو، وأصله حديث أبي داود: ((لا تقطع الأيدي في السفر)) وحديث: ((لا ربا بين مسلم وحربي)).
وينقسم التأصيل لفقه الأقليات إلى مقاصد وقواعد:
١.٩ عناية الفقه الإسلامي بالأقليات
القسم الأول: المقاصد
مقصد عام؛ وهو المحافظة على الحياة الدينية للأقلية المسلمة على مستوى الفرد أو الجماعة، فلا بد من تحقيق هذا المقصد، الذي من خلاله يتوافر لتلك الأقلية حياة دينية سهلة وبسيطة، على مستوى الفرد أو الجماعة دون اضطهاد.
التطلع إلى نشر دعوة الإسلام في صفوف الأكثرية، مع ما يستتبع ذلك من تمكين تدريجي للإسلام في الأرض.
التأصيل لفقه العلاقة مع الغير في الواقع الحضاري والعالمي، وهو أمر قد لا يختص بالأقلية لتداخل الأوضاع العالمية لإيجاد حالة من الثقة المتبادلة والقبول.
التأصيل لفقه الجماعة في حياة الأقلية؛ بمعنى الانتقال من الحالة الفردية إلى الحالة الجماعية.
١.٩ عناية الفقه الإسلامي بالأقليات
القسم الثاني: قواعد كبرى تعتمد في فقه الأقليات
ومن أبرز هذه القواعد التي تعتبر تأصيلًا لفقه الأقليات؛ قاعدة التيسير ورفع الحرج، وتغير الفتوى بتغير الزمان، وتنزيل الحاجة منزلة الضرورة، والعرف، والنظر في المآلات، وغير ذلك من القواعد التي تعتبر تأصيلًا لفقه الأقليات.
وإذا أخذنا من تلك القواعد مثلًا قاعدة كقاعدة التيسير ورفع الحرج، وفيها يقول الشاطبي: "إن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالشاق والإعنات فيه". ليس قصد الشارع أن يلحق المشقة ولا العنت بالناس، هذا هو كلام الشاطبي، ويستدل على هذا بقوله: "والدليل على ذلك أمور:
 |
أحدها: النصوص الدالة على ذلك كقول الله -تعالى: ((وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) [الأعراف: ١٥٧] وقوله: ((رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا)) [البقرة: ٢٧٦].
وكما جاء في الحديث: ((بعثت بالحنيفية السمحة)) وما خير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، ولو كان قاصدًا للمشقة لما كان مريدًا لليسر ولا التخفيف، ولكان مريدًا للحرج والعسر وذلك باطل.
|
١.٩ عناية الفقه الإسلامي بالأقليات
 |
والثاني: ما ثبت أيضًا من مشروعية الرخص، وهو أمر مقطوع به، ومما علم من دين الأمة ضرورة، كرخص القصر والفطر والجمع وتناول المحرمات في الاضطرار، فإن هذا نمط لا شك يدل قطعًا على مطلق رفع الحرج". فالنصوص سالفة الذكر عامة في المشقة بنوعيها الشديد والمتوسط، وإذا فرضنا أن رفع الحرج مفقود فيه صيغة عموم؛ فإننا نستفيد من نوازل متعددة خاصة مختلفة الجهات متفقة في أصل رفع الحرج، كما وجدنا التيمم قد شُرع عند مشقة طلب الماء، والصلاة قاعدًا عند مشقة طلب القيام.
|
وقد عبر العلماء بعبارات مختلفة عن هذا كعموم البلوى مثلًا، وهو الحالة أو الحادثة التي تشمل كثيرًا من الناس، ويتعذر الاحتراز منها، أو ما تمس الحاجة إليه في عموم الأحوال، كنجاسة النعل والخف تطهر بالدلك لعموم البلوى.
١.٩ عناية الفقه الإسلامي بالأقليات
أهداف الفقه المنشود للأقليات
تحدد أهداف فقه الأقليات في مجموعة من الأمور؛ منها:
أن يعين الفقه هذه الأقليات المسلمة -أفرادًا وأسرًا وجماعات- على أن تحيا بإسلامها حياة ميسرة، بلا حرج في الدين، ولا إرهاق في الدنيا.
أن يساعدهم على المحافظة على جوهر الشخصية الإسلامية المتميزة بعقائدها وشعائرها.
أن يمكن المجموعة المسلمة من القدرة على أداء واجب تبليغ رسالة الإسلام العالمية، لمن يعيشون بين ظهرانيهم بلسانهم الذي يفهمونه؛ ليبينوا لهم ويدعوهم على بصيرة، ويحاوروهم بالتي هي أحسن، كما قال -تعالى: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)) [يوسف: ١٠٨].
أن يعاون الفقه تلك الأقلية على المرونة والانفتاح المنضبط؛ حتى لا تنكمش وتتقوقع على ذاتها وتنعزل عن مجتمعها، بل تتفاعل معه تفاعلًا إيجابيًّا حتى تعطيه أفضل ما عندها، وتأخذ منه أفضل ما عنده على بينة وبصيرة.
لا بد أن يسهم هذا الفقه في تثقيف هذه الأقليات بحيث تحافظ على حقوقها، وعلى حريتها الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي كفلها لها الدستور حتى تمارس هذه الحقوق المشروعة دون ضغط أو إكراه.
أن يعين هذا الفقه المجموعة الإسلامية على أداء واجباتهم المختلفة.
أن يجيب هذا الفقه المنشود على أسئلتهم المطروحة، ويعالج المشكلات المتجددة.