٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
لقد اختلفت أنظار القانونيين والفقهاء المعاصرين في التكييف القانوني والفقهي لهذه الصور للأموال المجمدة، ولهم الحق في ذلك؛ لأنها كما استعرضناها وبينا صورها ما هي إلا معاملات حديثة قابلة للاختلاف، وقابلة أيضًا لأن تكون محل نظر؛ نظرًا لاختلاف الأهداف والمقاصد التي شرعت لها، باختلاف الضوابط واللوائح التي تنظم هذه المكافآت أو تلك الأموال، والأسباب التي تؤدي لاستحقاقها، والاشتراكات التي تمت فيها، إلى غير ذلك من الظروف والملابسات التي جعلت من تلك المسائل محلًّا للاختلاف.
فمن ذلك مثلًا: مكافأة نهاية الخدمة؛ فقد ذهب فريق من القانونيين إلى أن هذه المكافأة تعتبر بمثابة تكملة للأجر الذي يتقاضاه العامل، ومن ثم فهي تعتبر جزءًا منه مؤجلًا إلى نهاية الخدمة، وذهب فريق آخر إلى اعتبارها تعويضًا عن الضرر المادي والأدبي الذي يلحق العامل، بسبب انتهاء عمله وانقطاع مورد رزقه، واستحسن فريق ثالث اعتبارها نوعًا من التأمين ضد مخاطر انتهاء العقد، وذهب فريق رابع إلى اعتبارها حقًّا من نوع خاص، ألزم القانون بها صاحب العمل رعاية للصالح العام.
ومنهم من يرى أنها تعتبر حقًّا من نوع خاص، والحق أن هذا أقرب الآراء إلى القبول؛ أي الرأي القائل باعتبارها حقًّا من نوع خاص، ألزم القانون به صاحب العمل رعاية للصالح العام؛ لأن هذه المكافأة ليست أجرًا ولا تأمينًا ولا تعويضًا؛ لأن الأجر معلوم لنا وكذا التأمين وكذا التعويض، ومن ثم فهذه المكافأة أقرب إلى التبرع والإعانة منها إلى غيرها.
٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
وينطبق ذلك أيضًا على مكافأة التقاعد وعلى الراتب التقاعدي؛ فمع أن العامل قد اشترك بجزء من أجره في هذه المكافأة أو الراتب، إلا أن ما دفعته المؤسسة أو الدولة أضعاف ذلك مما يجعله أقرب إلى التبرع للصالح العام؛ كراتب البطالة ومساعدات الإسكان والزواج ومشاريع الشباب؛ لأن من أهم مبادئ السياسة الشرعية رعاية الضعفاء، والذين تكون حمايتهم على ولي الأمر، ولا شك أن العامل من هؤلاء الضعفاء.
كما يمكن أيضًا اعتبار مكافأة التقاعد والراتب التقاعدي نوعًا من التأمين التكافلي، على مستوى الدولة أو المؤسسة، وكذلك ينطبق هذا التكييف على مكافأة الادخار؛ حيث يتنازل العامل عن جزء من راتبه بصورة اختيارية، ويضيف عليه رب العمل مثله أو ضعفه، ويستثمره أيضًا، وفي نهاية الخدمة يأخذ العامل كل ما تجمع.
 |
وأما عن تأمين الخدمات فهو بمثابة الرهن، إذا أدى صاحبه ما عليه من استهلاك للخدمات استحقه؛ أي استحق هذا الرهن، وإلا إذا لم يؤد ما عليه من استهلاك فالرهن ضامن لذلك الحق، وبالتالي فهو لم يخرج عن ملك صاحبه، وهو أيضًا لم يتبرع بشيء منه، وفي الحديث: ((لا يغلق الرهن لصاحبه غنمه وعليه غرمه)). |
 |
وأما عن الودائع الاستثمارية طويلة الأجل؛ فهي أيضًا -كما نعلم- ملك لمودعها، لا تخرج عن ملك المودع بالإيداع له أصلها وله عوائدها، وتأسيسًا على ذلك لا ينازعه في ذلك أحد؛ لأن هذا المال جزء من ملكه، لم يخرج عنه بالإيداع طويلًا كان أو قصيرًا -أي طويلًا زمن الإيداع أو قصيرًا- فزمن الإيداع لا يخرج هذا المال من جزء من ممتلكات مالكه، فضلًا عن أنه مال نامٍ يحقق أرباحًا متوالية. |
٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
 |
وأما عن صداق المرأة المؤجل؛ فهو حق لها في ذمة الزوج، ولكنه غير مستحق إلا حين أجله أو أقرب الأجلين، فهو ملك لها غير تام؛ لأنها لا تستطيع المطالبة به، ولا التصرف فيه إلا بحلول الأجل، وهو الطلاق مثلًا أو الموت. |
 |
وأما عن التأمين التكافلي وأقساطه؛ فهو ملك ناقص أيضًا لما فيه من الشيوع لجميع المشتركين، وتوقع نفاذه وإنفاقه لأي خطر أو إصابة تحدث لأي عضو. |
ومما سبق يتبين لنا أن الأموال المجمدة -في الصور السابقة- تتردد بين التبرع والملك الناقص والملك التام؛ فمثلًا مكافآت نهاية الخدمة والادخار والتقاعد والراتب التقاعدي كما تخيلنا أقرب إلى التبرع، والصداق المؤجل والتأمين التكافلي أقرب إلى الملك الناقص، أما تأمين الخدمات والودائع الاستثمارية فهي ملك تام.
وبعد هذا التقريب يمكن أن نصل إلى بيان الحكم الشرعي في زكاة تلك الأموال، أو عدم وجوب الزكاة فيها؟
٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
شروط المال الذي تجب فيه الزكاة
كونه مملوكًا لشخص معين، كون ملكيته مطلقًا؛ أي رقبة ويدًا، كونه ناميًا، كونه زائدًا على الحاجات الأصلية، حولان الحول فيما عدا الزروع، بلوغه نصابًا، والنصاب كما نعلم في كل نوع بحسبه؛ فزكاة المال لها نصاب، والزروع والثمار لهما نصاب، والحيوانات لها نصاب، وكل موجود في بابه في كل كتب الفقه.
أيضًا من الشروط أن يَسلم هذا المال من وجود المانع، والمانع يكمن في أن يكون على المالك دَيْن ينقص به النصاب، وهناك اختلاف بين الفقهاء في بعض الصور تأسيسًا على هذه الشروط.
والمراد بالملك المطلق التام؛ الذي قد ذكرناه كشرط من شروط المال، فيقصد به ما كان في يد مالكه ينتفع به ويتصرف فيه، والملك الناقص يكون في أنواع من المال معينة؛ منها مثلًا: مال لا يرجى سداده، وهو كل مال مالكه غير قادر على الانتفاع به؛ لكون يده ليست عليه.
فمذهب أبي حنيفة وصاحبيه، ومقابل الأظهر عند الشافعية، ورواية عند الحنابلة؛ أنه لا زكاة عليه فيه كالبعير الضال، والعبد الآبق -الهارب- والمال المفقود، والمال الساقط في البحر، والمال الذي أخذه السلطان مصادرة، والدَّيْن المجحود الذي يجحده من اقترضه مثلًا وينكره، طبعًا إذا لم يكن للمالك بينة، لكن لا اعتبار بالجحود ولا بالإنكار طالما لدى مالك المال بينة تشهد على ذلك.
٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
وكذلك المال المغصوب الذي لا يقدر صاحبه على أخذه، والمسروق الذي لا يُدرى من سرقه، والمال المدفون في الصحراء إذا خفي على المالك مكانه.
وذهب مالك إلى أنه يزكى لعام واحد إذا وجده صاحبه، ولو بقي غائبًا عنه سنين، وذهب الشافعية في الأظهر إلى وجوبها -أي إلى وجوب الزكاة- على جميع السنوات إذا عاد المال، وإذا لم يعد فلا زكاة، والدين مملوك للدائن، ولكنه لكونه ليس تحت يد صاحبه فقد اختلف فيه الفقهاء؛ حيث قيل: لا زكاة فيه؛ لأنه غير نام، وذهب جمهور العلماء إلى تقسيم المال إلى مرجو الأداء؛ وهنا تجب فيه الزكاة على صاحبه عند قبضه، وغير مرجو الأداء؛ فلا تجب فيه الزكاة.
أما النماء فوجه اشتراطه على ما قاله الكمال بن الهمام؛ أن المقصود من شرعية الزكاة بالإضافة إلى الابتلاء، مواساة الفقراء على وجه لا يصير به المزكي فقيرًا، بأن يعطي من فضل ماله قليلًا من كثير، والإيجاب في المال الذي لا نماء له يؤدي إلى خلاف ذلك مع تكرار السنين، ولهذا نجد النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((اتجروا في مال اليتيم حتى لا تأكله الصدقة)).
ولا يشترط تحقق النماء بالفعل، بل تكفي القدرة على الاستنماء بكون المال في يده أو في يد نائبه.
والذهب والفضة لا يشترط فيهما النماء بالفعل؛ لأنهما للنماء خلقة، فتجب الزكاة فيها إذا نوى التجارة أو لم ينو أصلًا أو نوى النفقة، قالوا أيضًا: وفقد النماء سبب آخر في عدم وجوب الزكاة في أموال الضمار بأنواعها المتقدمة؛ لأنه لا نماء إلا بالقدرة على التصرف، وهذه الأموال لا قدرة على التصرف فيها.
٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
حكم الزكاة في صور الأموال المجمدة
والحق يقال أن معظم الأمور الفقهية، وبخاصة القضايا المعاصرة محل خلاف؛ ففيها الرأي والرأي الآخر، وهنا يبقى الدور، وهو الاختيار والترجيح على أساس ما يظهر من المصلحة، فحيثما كانت المصلحة فثَمَّ شرع الله، وبيان ذلك:
أولًا: فيما يتعلق بمكافأة نهاية الخدمة بالنسبة للعامل؛ هل يتوفر لدى العامل شرط الملك التام؟ نقول: كما تصورنا لا يتوفر في مكافأة نهاية الخدمة شرط الملك التام، خاصة قبل تسلمه لهذه المكافأة، ومن ثَمَّ فإذا تسلمها تملكها، وبدأ الحول من وقت تسلمه، فإن حال الحول عليها، وهي نصاب زائد عن الحاجات الأصلية وليس عليه ديون، وجبت الزكاة فيها لا محالة بنسبة %٢.٥ كما هو معلوم، أما إن أنفقها أو كانت أقل من النصاب أو كان مدينًا فلا زكاة عليه.
هذا فيما يتعلق بالنسبة للعامل، وبالنسبة لرب العامل أو الشركة التي تتحمل هذه المكافأة؛ فهذه المكافأة جزء من ميزانيتها تدخل وعاء زكاتها إلى أن يتسلمها العامل، ومن ثم فما دامت تلك الأموال في ذمتها فهي مسئولة عن زكاتها ضمن سائر أموالها، فإذا أعطتها العامل وتسلمها فقد خرجت تلك الأموال من عهدتها، وأصبح المسئول عنها في الأول والأخير هو العامل.
٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
ولعل القول هذا هو الراجح؛ لأن الملك التام -الذي هو شرط في المال- لا يتحقق عند العامل كما بينا، إلا بانتهاء خدمته وتسلمه لتلك المكافأة، وعند ذاك يبدأ الحول، وتبدأ شروط زكاة المال، أما عند رب العمل والشركة فالملك التام متحقق لا محالة، والنصاب مستوف أيضًا، والحول قائم، فيجب في تلك الحالة الزكاة في الميزانية لتلك الشركة التي هي وعاء الزكاة، والتي يدخل فيها مكافأة العامل قبل أن يتسلم.
وقد اتفق الفقهاء على أن الملك لا يكون تامًّا إذا كان غير مستقر؛ كأن يكون محتملًا للذهاب بعد ثبوته، أو يكون مترددًا بين الثبوت وعدمه، وأضاف جمهور الفقهاء معنى آخر يعتبر في تمام الملك، وهو -أي هذا المعنى- كون المالك متمكنًا بنفسه أو بنيابة، من التصرف بالمال بوجوه التصرف، التي يستطيع بها تنميته أو استثماره.
وقد عبر بعضهم عن هذا الشرط بملك اليد المجتمع مع ملك الرقبة، فإذا كان المالك قادرًا من الناحية الواقعية على ممارسته التصرفات، التي يأذن بها الشارع للمالك على مثل المال المملوك، ولا يحول دون ذلك حائل يمنعه منها، لكان الملك تامًّا ووجبت فيه الزكاة إذا توافرت الشروط الأخرى، وإلا بأن كان المالك عاجزًا من الناحية الواقعية عن التصرف بماله كان ملكه ناقصًا، ولم تجب فيه الزكاة، وإن توفر أصل المال وغيره من الشروط.
وذهب إلى هذا الحنفية والمالكية والشافعية في مقابل الأظهر والحنابلة في رواية، واستدلوا على ذلك بأن المال إذا لم يكن مقدورًا على الانتفاع به في حق المالك، لا يكون المالك به غنيًّا، ولا زكاة على غير الغني؛ لأن المالك إنما يكون غنيًّا بما يملك من أموال يستطيع أن يتصرف فيها، أما إذا لم يكن مالكًا لتلك الأموال، وكان ممنوعًا من التصرف فيها، فلا شك أنه لا يكون غنيًّا بها.
٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
وبأن الزكاة إنما أوجبها الشارع في أنواع الأموال الذي يتحقق فيها معنى النماء، ومن المعلوم أن المال الذي لا يتمكن صاحبه من التصرف فيه، قد انسدت عليه طرق تنميته، فهو في حقه غير نامٍ، فلا تجب فيه الزكاة.
ومكافأة نهاية الخدمة بالنسبة للعامل قبل تسلمها ملك غير تام، وبالنسبة لرب العمل أو الشركة ملك تام كما رأينا، فوجبت الزكاة على رب العمل أو الشركة، ولم تجب على العامل حتى يتسلمها، وتقضي عنده حولًا من الشروط الأخرى.
أما فيما يتعلق بمكافأة التقاعد؛ هذا المبلغ لا زكاة عليه من الجهتين: جهة العامل؛ لأنه لم يملكه ولا يستطيع التصرف فيه إلا عند تسلمه بانتهاء خدمته، والجهة الأخرى جهة عامة حكومية تتصل ببيت مال المسلمين، وأموال بيت المال لا زكاة فيها؛ حيث نص فقهاء الحنابلة على أن مال الفيء وخمس الغنيمة، وكل ما هو تحت يد الإمام -مما يرجع إلى الصرف في مصالح المسلمين- لا زكاة فيه.
وينبغي التنبيه إلى أن نصيب العامل المستقطع من راتبه، إن بلغت جملته نصابًا وحال عليه الحول، أنه بمنزلة المال أو الدين المرجو، فعليه زكاته وإن لم يقبضه؛ اعتمادًا على أنه مضمون ومملوك عند الشافعية، أما الحنفية فلا يرون الزكاة عليه إلا بعد قبضه، وهو الأرجح.
أما فيما يتعلق بمكافأة الادخار؛ فالذي نراه في ذلك أن مدخرات العامل عند الشركة أو جهة الاستثمار، مال من راتبه وتبرع من غيره، بناء على عقد وأرباح لهذا المال تضاف إليه.
٣.٨ التكييف الفقهي لصور الأموال المجمدة
ونظرًا لأنه مال مضمون فتجب زكاته عند قبضه عن السنوات السابقة منذ بلوغه النصاب، أو يقوم العامل بزكاة ادخاره، ويقوم رب العمل أو الشركة بزكاة نصيبها في الادخار، باحتساب ذلك في الميزانية ووعاء الزكاة، إلى أن تنتهي خدمة العامل ويقبض مكافأته.
أما عن الراتب التقاعدي؛ وهو لا يستحق إلا ببلوغ سن التقاعد، أو انتهاء خدمة العامل أو الموظف، وتنظم الدولة أو مؤسسة التأمينات الاجتماعية صرفه شهريًّا، ومن المعلوم عندنا أن الدولة أو المؤسسة تبع لبيت المال، وقد علمنا أنه لا زكاة عليها في هذا المجال وغيره، والراتب التقاعدي أشبه بالعطايا والأرزاق، وكان الفقهاء يعتبرون هذه العطايا والأرزاق من بيت المال العام، ولا زكاة عليها.
أما عن الاستثمارات طويلة الأجل؛ فهذه تجب الزكاة فيها على صاحبها؛ لأن ملكيته لها ملكية تامة، متى توافرت شروط النصاب والحول، وعدم التصرف فيها إنما جاء نتيجة عقد بين المالك والجهة المستثمرة باختياره ورغبته، وهي تعتبر قائمة على التوكيل والإنابة في التصرف والاستثمار؛ لذا فإن الاستثمارات قد استجمعت شروط المال الواجب زكاته، فزكاته واجبة على صاحبها، أما الشركة المستثمرة فإن كان لها مال آخر فعليها زكاة، وإلا فلا.
أما عن تأمينات الحصول على الخدمات؛ وهي أموال مدخرة يستطيع مالكها أن يستردها إذا دفع مقابل الخدمات بانتظام، وهي -كما سبق أن وضحنا- شبيهة بالرهن، والرهن على صاحبه غنمه وعليه غرمه، وعليه فزكاتها واجبة.