٢.٨ طبيعة الأموال المجمدة


طبيعة الأموال المجمدة
يقصد بالأموال المجمدة تلك الأموال التي يكون للإنسان حق فيها بناء على وعد بها، أو إسهام فيها وقانون ينظمها بشروط مخصوصة، ولا يستطيع صاحب الحق فيها أخذها أو التصرف فيها إلا باستيفاء هذه الشروط.
ومن الأمثلة لتلك الأموال: مكافأة نهاية الخدمة، والراتب التقاعدي، والمؤجل من صداق الزوجة، وغير ذلك، ولنقف مع كل منها وقفة من خلالها نكشف عن مفهومها.
نهاية الخدمة أو مكافأة نهاية الخدمة: تطلق مكافأة نهاية الخدمة على مبلغ سنته أو شرعته قوانين العمل، وجعلته أثرًا لازمًا لانتهاء عقد العمل، ويمكن تعريفها بأنها حق مالي جعله القانون للعامل على رب العمل، بشروط محددة، تقتضي أن يدفع الثاني للأول عند انتهاء خدمته -أو لمن يعولهم- مبلغًا نقديًّا دفعة واحدة، يلاحظ في تحديد مقداره مدة الخدمة، وسبب انتهائها، والراتب الأخير للعامل، وجميع التعريفات تقترب من ذلك أو تطابقه.


٢.٨ طبيعة الأموال المجمدة


ومن هذا يتبين أنها أمر قانوني ينظم العلاقة بين العامل ورب العمل، وهي غير الراتب الشهري الذي يتقاضاه العامل مقابل عمله اليومي أو الشهري، والغاية منها حماية العامل -وهو الطرف الضعيف- من الضياع والهلاك عند فصله أو انتهاء عمله أو مرضه أو عجزه، أو تعرض أسرته لذلك عند موته، وزجر رب العمل عن استغلال العامل والتسلط عليه بسيف الحاجة إلى العمل.
وقد قام القانون بتنظيم هذه القضية إلزامًا للطرفين، فلا يجوز لأحدهما المخالفة إلا لما هو أفضل للعامل، وتنص هذه القوانين على أن وقت استحقاق هذه المكافأة، هو الوقت الذي تنتهي فيه خدمة العامل أو الموظف، وينقطع فيه حقه في الأجر.
ولا يجوز أن يطالب بالمكافأة قبل انتهاء خدمته، ولا أن يتصرف بها أي تصرف كالإحالة عليها أو التنازل عنها أو عن بعضها، فالحق في المكافأة لا ينشأ إلا عند انتهاء عقد العمل، أما قبل ذلك فهي وعد ولا يجوز لأي إنسان أن يتصرف في الموعود به قبل تحققه، ولا يتحقق ذلك إلا بانتهاء العمل؛ سواء انتهى وهو حي، أو مات فتنتقل إلى من كان يعولهم بنظام خاص لا حسب الميراث. أما إذا انتهى العمل وقبضها ثم مات بعد ذلك؛ كانت تركته تورث هذا المال حسب القواعد الشرعية.


٢.٨ طبيعة الأموال المجمدة


مكافأة التقاعد
عبارة عن مبلغ يعطى للعامل الذي يخضع لقوانين التأمينات الاجتماعية، ولا تتوفر فيه شروط استحقاق الراتب التقاعدي، فيصرف له عند انتهاء خدمته ذلك المبلغ بشروط وضوابط خاصة. ويمكن أن تعرف على النحو التالي:
مبلغ نقدي تؤديه الدولة أو المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، للموظفين والعمال المشمولين بقانون التأمين الاجتماعي، واقتطعت من رواتبهم أو أجورهم اشتراكات محددة بصورة دورية، ولم تتحقق فيهم جميع الشروط الواجبة لاستحقاق الراتب التقاعدي، وبخاصة شرط المدة التي دفع المستفيد عنها اشتراكات قبل انتهاء خدمته؛ فإنها لم تبلغ القدر الذي يُعطي له الحق في الراتب التقاعدي -أعني مكافأة التقاعد- هذه المكافأة تحسب على أساس نسبة معينة من الأجر السنوي الأخير، من كل سنة من سنوات الخدمة.
هذه المكافأة تختلف عن سابقتها؛ من حيث إن الطرف الأخير هو الدولة أو مؤسسة حكومية، وإن العامل يدفع اشتراكات في هذه المكافأة من راتبه، وتدفع الدولة أو المؤسسة ضعفه أو أقل أو أكثر، كما أنها ليست معونة للعامل، ولكنها تعويض وبعضها ضروري عن الراتب التقاعدي لو كان مستحقًّا، وقد قام رجال القانون والقضاء بشرحها وبيان كل ما يتعلق بها من تفصيل.


٢.٨ طبيعة الأموال المجمدة


مكافأة الادخار
هي نظام اختياري يقوم به بعض أرباب الأعمال، مع من يرغب من عمالهم في اقتطاع جزء من راتبه، وإضافة جزء آخر عليه من رب العمل، واستثمار ذلك لدفعه مع عوائده للعامل عند انتهاء الخدمة، أو لمن يعولهم إذا توفي.
وعلى هذا يمكن أن تعرف مكافأة الادخار؛ بأنها مجموع المبالغ النقدية التي تكونت؛ جزء من راتب العامل، وجزء من رب العمل وعائد الاستثمار، تصرف جميعها عند انتهاء خدمة العامل لأي سبب، أو لمن يعولهم إذا توفي أثناء العمل.


الراتب التقاعدي
وهو عبارة عن مبلغ من المال يستحقه العامل الذي انتهت خدمته بصفة دورية شهرية، تدفعه الدولة أو المؤسسة المختصة بالتأمينات الاجتماعية، إذا تحققت فيه شروط معينة تتعلق بمدة الخدمة، والسن عند انتهاء الخدمة، وأسباب انتهائها، ويستحق العامل هذا المبلغ طول حياته، فإذا مات انتقل إلى ورثته أو بعضهم بضوابط معينة. ويعتبر هذا المبلغ حصيلة ما يستقطع شهريًّا من راتب العامل، وما يضيفه عليه رب العمل أيًّا كان حكومة أو مؤسسة، وما نتج عن استثماره إلا أنه لا يدفع مرة واحدة، بل يقسط على شكل رواتب شهرية، وبهذا يتضح الفرق بينه وبين مكافأة التقاعد، التي لم تتوفر فيها شروط استحقاق الراتب؛ فكانت مكافأة دفعة واحدة، وهنا توفرت شروط الراتب فاستحقه العامل، وهناك لم تتوفر فكانت المكافأة.

٢.٨ طبيعة الأموال المجمدة


الصداق المؤجل
من المعلوم أن الصداق المؤجل أو الصداق المسمى يستحق نصفه بالطلاق قبل الدخول، ويستحق كله ويثبت في ذمة الزوج بالدخول، إلا أنه قد يكون معجلًا فتبرأ ذمة الزوج بدفعه عاجلًا، أو يكون مؤجلًا، وهذا المؤجل إما أن يكون له أمد محدد فيؤدى عنده، أو ليس له أمد محدد فيثبت بأقرب الأجلين الطلاق أو الوفاة.

أقساط التأمين التكافلي واحتياطياته
ويقصد بتلك الأقساط المبالغ التي تتجمع لدى النقابات المهنية من حصيلة الأقساط، التي يدفعها الأعضاء المشاركون فيها ممن يرغبون في التكافل، ثم عوائد هذه الحصيلة من الاستثمارات الشرعية، وهي أمور اختيارية، يتفق عليها فئات من الناس تربطهم روابط خاصة من العمل، كالأطباء والمدرسين والمهندسين والحرفيين وغير ذلك. حيث يقوم مجلس إدارة النقابة -الخاص بكل مهنة- باقتراح مشروع للتكافل، تتجمع حصيلة صندوقه من اشتراكات الراغبين فيه ومن استثماراتها، فإذا حدث لأحد هؤلاء الأعضاء مصيبة لا قدر الله أو تعرض لخطر، قام الصندوق بدفع مبلغ له يتم تحديده بتقدير الإصابة، أو نسبة الخطر أو قيمة الاشتراك أو غير ذلك. والأصل فيه التبرع والتعاون على البر والتقوى، وليس المعاوضة ولا المقامرة، وجمهور الفقهاء المعاصرين على جواز هذا النوع من التأمين، لكن هل تجب في حصيلته الزكاة أم لا؟

٢.٨ طبيعة الأموال المجمدة


الاستثمارات طويلة الأجل
ويقصد بها الودائع الاستثمارية لدى البنوك وشركات الاستثمار، التي لا يحق لصاحبها سحبها إلا بعد فترات، قد تصل إلى بضع سنوات أو إلى نهاية مدة الوعاء الاستثماري، مع استحقاقها أرباحًا توزع سنويًّا أو شهريًّا أو ربع سنوية، أو تتراكم للدفع جملة واحدة عند انتهاء المدة أو تصفية الشركة.
وواضح من ذلك أنها أموال مملوكة ونامية في نفس الوقت؛ لأنها تستثمر حيث تودع لدى بنوك وشركات استثمارية، إلا أن صاحب هذه الأموال لا يستطيع سحبها.


التأمينات النقدية للحصول على الخدمات
والمقصود بالتأمينات النقدية هي مبالغ يدفعها المستفيد بالخدمة، أو طالبها لضمان جديته، حتى نتحقق من جدية طالب هذه الخدمة لا بد من إيداع مبلغ نقدي، وحسن استخدام هذا النوع من التعاملات، فإن أحسن طالب الخدمة ما كلف به وأدى ما عليه أعيدت له هذه المبالغ، وإن أساء أو أتلف شيئًا من المرافق اقتصت المؤسسة حقها منها، ثم أعادت إليه ما تبقى، أو طالبته بما زاد عن التأمين.

٢.٨ طبيعة الأموال المجمدة


ومن الأمثلة على ذلك: خدمة الكهرباء أو الماء أو الهاتف أو نحو ذلك، فبعض الناس قد يستهلكها ولا يدفع القيمة الشهرية لاستهلاكه إما لسفره؛ كأن يكون موجودًا لظروف عمله في بلد ما، وينتهي العمل وقد استخدم الكهرباء في هذا البلد أو الماء أو الهاتف، ثم بانتهاء العمل يسافر ويترك هذا البلد، ولا يدفع ما عليه من استخدام الكهرباء أو الماء أو الهاتف، أو قد يموت وعليه هذا الاستهلاك، فمن أين تحصل المؤسسة هذا الحق؟
وهذا الحق هو ضروري لها حتى تستمر في تقديم الخدمات، أو في تطوير هذا المرفق لكي تطمئن الشركة، أو يطمئن المرفق من تحصيل قيمة تلك الخدمة التي تقدم للعميل؛ فإنها تحتجز مبلغًا من العميل يدفع إليها؛ تضمن به الحصول على حقها، كما تضمن بهذا التعامل للمرفق أو للشركة حق الاستمرار في تقديم الخدمات، أو حق تطوير المرفق دائمًا وأبدًا بحيث يلبي متطلبات الجميع؛ نظرًا لتطورات العصر الحديث، ولو لم يكن لديها ذلك التأمين النقدي لضاعت عليها مبالغ كثيرة، تؤدي إلى توقفها أو إلى سوء خدمتها لعملائها.
من هنا وحرصًا من المرفق على تقديم الخدمة للعميل في أحسن صورة؛ قامت مؤسسات الخدمات بفرض هذه المبالغ؛ لتأمين حقها، فإذا استوفت حقها، ردت هذه المبالغ كاملة، أو ما يبقى منها بعد استيفاء الحق، أو المطالبة بما يكمل حقها.
ومن ذلك أيضًا: تأمين استئجار البيت، بحيث لو لم يدفع المستأجر ما عليه كان لدى المالك ما يعوضه، أو يحفظ له حقه وهكذا، فهل على هذا التأمين زكاة أو لا؟