٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
إن الحديث عن مقاصد وغايات الوقف الإسلامي الشرعية وأبعاده ومراميه المصلحية؛ لا بد أن ينطلق من حيث نظرة الإسلام العامة والخاصة إلى الوقف وإلى نظام الوقف، من حيث مراعاة الخصائص أولًا، ثم معرفة مدى حاجة الناس ومصالحهم على اختلاف وتنوع أحوالهم، فيحفظ بإذن الله -تعالى- وفضله بمقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام النظام الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي والسلوكي.
وإن هذه المقاصد والأبعاد لتنبثق من بوتقة المقاصد الشرعية الكبرى للإسلام. هذه المقاصد كما نعلم تراعي حق الله -تعالى- أولًا، ثم حقوق العباد والبلاد، وما حولنا من كل ما خلقه الله -تعالى- لنا ولغيرنا.
هذه المقاصد على كثرتها تحمل نظرًا إلى البعد الإنساني والدولي، والعناية بغير المسلمين وإعانتهم، ومن مقاصد الوقف الإسلامي وأبعاده ما يلي:
٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
أولا : تحقيق عبودية الحق -تبارك وتعالى-
إذ يقول -سبحانه: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة: ٥] ويقول -سبحانه: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: ٥٦] ويقول -سبحانه: ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)) [الحجر: ٩٩].
إن مقصد تحقيق عبودية الله -تعالى- من تشريع نظام الوقف والعمل به أعظم المقاصد الشرعية، ولقد حث الشارع الحكيم على القيام بالأحباس والأوقاف، وهي عبارة عن مال يخرج منه صاحبه فيجعله في سبيل الله دائمًا، ليس له أن يرجع فيه؛ لأنه استقل عنه، فيخرج الإنسان طوعًا من أعز ما يملك تعبدًا لله -تبارك وتعالى- حتى يتحقق الهدف الأسمى من خلق العباد؛ وهو عبادة الله -تبارك وتعالى- امتثالًا لقول الله -تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: ٥٦].
ومن ثم فيكون الواقف عبدًا لله -سبحانه- حقًّا، بل وربما كان هذا الوقف أمامه شاخصًا شامخًا يدر الأرباح، ومن ثم فلا يندم ولا يتمنى أنه لو لم يفعل لكان هو المنتفع به الآن، مع ملاحظة أن من أهم شروط الجهة الموقوف عليها حتى تتحقق العبادة في نظام الوقف؛ أن تكون جهة بر وخير يتقرب العبد فيها إلى الله -تعالى- وهذا من التعبد لله -تعالى- ومن ثم فليس من حق الواقف أن يجتهد في وقف ماله على أية جهة، حتى يتأكد من خيريتها ومنفعتها للأمة الإسلامية.
٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
الثاني
أيضًا من مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام: تمكين الأمة الإسلامية في الأرض ونصرها؛ تحقيقًا لمبدأ أصيل في شريعة الإسلام، وفي هذا المعنى يقول الله -تبارك وتعالى: ((وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)) [الحج: ٤٠، ٤١] وفي آية أخرى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)) [النور: ٥٥].
وهذا المقصد الشرعي من سنن الله -تعالى- في الكون؛ فيسخر الله -سبحانه- أفرادًا وجماعات من هذه الأمة لحبس بعض أموالهم في سبيل الله وقفًا، على ما يدعم ويقوي ويرفع من شأن هذه الأمة؛ أمة الإسلام.
فمن مجالات الوقف في الإسلام: المجالات التي تدعم التمكين والنصر العلمي والعملي، نشر العلم ودوره وكتبه والاهتمام بطلبة العلم والعلماء، وإقامة مراكز الدعوة إلى الله -تعالى- في نواحي الأرض، وكذا كفالة الدعاة ودعم المشاريع الدعوية المتعددة، وإصلاح الثغور وإمداد الجيوش، وإطعام الجنود والمجاهدين، وإمدادهم بما يحتاجونه، وإغناؤهم عن غيرهم من المستعمرين.
ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إن ظهور هذه المؤسسة الوقفية، وانتشارها داخل المجتمعات الإسلامية كفيل بعد الله -سبحانه وتعالى- بأن تقوم المؤسسات الإسلامية الأخرى.
٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
ومن هذا الباب لا بد أن نفقه: لِمَ يصر العدو علينا بإسقاط كثير من الأوقاف، وتحجيم كثير من منافذ الوقف في الإسلام، والحد من قدراتها أو السيطرة عليها؟
لأنهم في الحقيقة أدركوا أهمية الوقف في الإسلام؛ في تحقيق هذا المقصد الشرعي والبعد المصلحي، فبالإسلام وبالوقف يتحقق التكامل والتكافل الاجتماعي، يتحقق مفهوم الأمة الواحدة الذي أخبر الله عنها بقوله: ((إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً)) [الأنبياء: ٩٢].
الثالث
أيضًا من خصائص ومقاصد الوقف في الإسلام: أنه ينطوي على هداية العالمين ودعوتهم إلى الإسلام؛ فالله -سبحانه- قال في كتابه: ((تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا)) [الفرقان: ١] وقال في آية أخرى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: ١٢٥] وقال -سبحانه: ((قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)) [يوسف: ١٠٨]، إلى غير ذلك من الآيات.
إذن من المقاصد لنظام الوقف في الإسلام، التي قد تخفى على بعض المسلمين والواقفين: مقصد هداية العالمين، والحرص على ذلك، ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، في سائر أنحاء المعمورة، وذلك لا يكون إلا بإقامة المشاريع الدعوية المتتابعة؛ من مخيمات ومراكز وأنشطة ومكاتب دعوية، وإرسال دعاة إلى بلدان نائية، وإقامة جولات دعوية ميدانية، وطبع الكثير من الكتب الإسلامية باللغات الحية؛ كي يطلع عليها كل من تسول له نفسه أن يتقول على الإسلام.
٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
الرابع
أيضًا من مقاصد الوقف ومن أبعاده: نشر العلم بين الناس وحفظه والعناية بالمنتسبين إليه، وفي هذا المعنى يقول الله -تبارك وتعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) [المجادلة: ١١] ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)).
ولقد ازدهر العلم ونمت مكتسباته في العالم الإسلامي منذ الزمن القديم، وقدَّم العالم الإسلامي للشرق والغرب العلماء في شتى المجالات؛ العلمية والعملية الدينية والدنيوية، وانتشرت كنوز العلم في أرفف مكتبات العالم العربي والإسلامي والغربي.
ولقد ساهم الوقف بشكل خاص في بناء أركان الثقافة الإسلامية المتنوعة، على امتداد العصور والديار الإسلامية، وظهر دور كبير للمسلمين الواقفين في بناء دور المكتبات الخاصة والعامة والملحقة بالمدارس، وكذلك المستشفيات والمساجد والمقابر، إلى غير ذلك من وجوه الخير المتعددة، إضافة إلى تشييد المدارس، وتعيين المدرسين فيها، والإنفاق على طلبة العلم والعلماء.
كما كان لبناء المساجد في الإسلام دور في التعليم لا ينبغي أن يغفل؛ فلقد كان في المساجد دور في التعليم بإيجاد حلقات علمية ثابتة، في كثير من مساجد المسلمين، وأدرك هذا المقصد النبيل كثير من فئات المجتمع الإسلامي، فشارك في حبس الأموال -ووقف الأموال على نشر العلم وحفظه والعناية بأهله- قطاع عريض من الخلفاء والسلاطين والحكام والولاة والأمراء والأثرياء والعلماء والوزراء.
ومما يدل على هذا الانتشار: المدارس والمعاهد والمكتبات، وسكنات طلبة العلم والعلماء في أنحاء العالم الإسلامي، بل حتى القرى النائية في بعض البلدان لم تخلُ من ذلك، فكان هذا بحق مقصدًا شرعيًّا عظيمًا من مقاصد نظام الوقف في الإسلام.
٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
الخامس
أيضًا من مقاصد الوقف في الإسلام ومن أبعاده: إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج من سائر الخلق، وفي هذا المعنى يقول الله -سبحانه: ((وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [البقرة: ١٩٥] ويقول أيضًا: ((إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)) [الكهف: ٣٠] وآية أخرى يقول فيها الحق -تبارك وتعالى: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا)) [الإنسان: ٨، ٩]، وهناك آيات كثيرة متعددة حول هذا المعنى.
ومن الصحابيات التي تتحدث حول هذا المعنى: الصحابية الجليلة أم المؤمنين خديجة الطاهرة العفيفة الأمينة، تقول في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما كان يتعبد في غار حراء ورجع إليها خائفًا على نفسه: "كلا والله لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".
٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
السادس
إن نظام الوقف الإسلامي يقوم من أساسه على مقصد الإحسان، بمفهومه الإسلامي العام؛ فيشمل الإحسان إلى المسلم وإلى غير المسلم، يشمل الإحسان إلى الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والقريب والبعيد.
ومن وجوه الإحسان: إغاثة الملهوف، الذي هو مقصد أصيل من مقاصد الوقف في نظام الإسلام، وإعانة المحتاج وتفريج الكروب وإطعام الجائع، ورعاية اليتيم وإمداد المتضرر بالكوارث؛ من خلال توفير الطعام والشراب والفراش واللباس وغير ذلك، هذه جوانب من وجوه الإحسان ينطوي عليها نظام الوقف في الإسلام.
إن منظر تدفق الإعانات للمحتاجين، ورؤية مشهد إغاثة الملهوفين، والمشاركة في ذلك لا يشك أحد في أنه مقصد شرعي لكثير من الأوقاف والأحباس الشرعية، وهو يدل على الإحسان والرحمة التي يمتاز بها الإسلام، فكم من هؤلاء من جُبر قلبه بنظام هذا الوقف، وبمقاصد هذا الوقف التي تتسع لتحقيق جميع وجوه الإحسان؛ من إغاثة للملهوف ومن إعانة للمحتاج، ومن تدفق للإعانات لذوي الحاجات، كل هذا يتسع له نظام الوقف، وغير ذلك من المقاصد التي يقوم عليها الوقف في الإسلام، والتي لا يتسع المقام للحديث عنها.
٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
البعد الإنساني للوقف
يراعى في مقصد الوقف وعند التعامل به مصلحة الوقف ومصلحة الناس، وهذا الأصل يرجع إلى القاعدة الشرعية؛ وهي أن الإسلام جاء بتحصيل المصالح وتكميل المصالح وتعطيل المفاسد، وهذا ليس غريبًا في الإسلام؛ فالله -تبارك وتعالى- أمر بالإصلاح ونهى عن الفساد، وبعث رسله -عليهم الصلاة والسلام- بمثل هذه القاعدة.
ومن ذلك ما قاله الله -تعالى- عن موسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ((اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)) [الأعراف: ١٤٢]، وفي آية أخرى عن شعيب: ((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)) [هود: ٨٨]، وفي آية أخرى: ((فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [الأعراف: ٣٥]، وهكذا الكثير من الآيات؛ لذلك نقول: ينظر في مقصد الواقف ونوع الوقف، ويراعى مصارفه في تحقيق مصلحة الوقف والموقوف عليهم.
أيضًا ينبغي أن تراعى في الوقف بُعد إقامة فروض الأعيان والكفايات، إن الفروض الشرعية بقسميها -العيني والكفائي- مطلوب في الإسلام إقامتهما مع تقديم الأول قبل الآخر، وفي مقاصد الوقف وأبعاده تراعى في كل وقفٍ مدى إقامته للفروض أيًّا كانت تلك الفروض؛ فرض عين أو فرض كفاية.
٣.٧ مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام
البعد الإنساني للوقف
ومن ثم فلا يحق لأهل الإسلام أن ينكبوا على نوع وقف معين بينما يتركون غيره، مما قد يكون فرضيته أهم في هذا الوقت أو في ذلك البلد، وأغلب الأوقاف اليوم تقوم بفروض الكفايات، ولكن لا بد من التوازن بينها وبين غيرها، وهناك حالات قد تتحول فيها فروض الكفاية إلى فروض الأعيان؛ منها: عندما لا يقوم بفروض الكفاية من يكفي للقيام بها، كذلك وجدت أعمال خيرية ومشاريع إنسانية تلبي فرض الكفاية وفرض العين معًا.
أيضًا من أبعاد نظام الوقف: الرحمة في تشريعه ومقاصده ومصارفه، وفي هذا المعنى يقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) ومن الرحمة في نظام الوقف في الإسلام أنه يشمل في مصارفه المسلمين غالبًا، لكنه في نفس الوقت لا يمتنع من الصرف على غيرهم، في حالة ما إذا كان الوقف عامًّا.
ومن الرحمة أيضًا في الوقف أنه شمل الحيوان والإنفاق عليه والعناية به، ومن الرحمة أيضًا أن يوصي الواقف إن كان أراد وقفًا خيريًّا عامًّا: أن لا يشترط شرط الإسلام فيمن تناله مصارف الوقف؛ ليعم الانتفاع به للمسلمين ولغيرهم.
كذلك من الأبعاد التي تراعى في نظام الوقف في الإسلام: أنه لا بد أن يكون الوقف وشرطه ومقصده من الطاعات التي يحبها الله -تعالى- ورسوله.
كذلك من أبعاد الوقف: الابتكار والإبداع في الأوقاف، ومتابعتها ومصارفها بما يواكب حاجة العصر، وبما يواكب أي تقدم وتطور حاق بالأمة الإسلامية، شريطة أن يكون هذا الابتكار وفق الشريعة الإسلامية، هذا الأصل لا شك أنه مراعى في الشريعة الإسلامية في كل زمان وفي كل مكان.