٢.٧ خصائص نظام الوقف في الإسلام
خصائص نظام الوقف في الإسلام
لقد امتاز نظام الوقف الإسلامي بالكثير من المميزات، نالها بانتمائه إلى شريعة الله -تبارك وتعالى- لأن هذا الذي يتميز به نظام الوقف جاء بسبب انتماء هذا الوقف إلى شريعة الإسلام، التي اصطفاها الله واختارها لعباده المؤمنين، فما نجده من خصائص في نظام الوقف في الإسلام؛ إنما يمثل فرعًا وامتدادًا لأصول وجذور خصائص هذا الدين الإسلامي العظيم.
فمن هذه الخصائص ما يلي:
أولًا: أن نظام الوقف في الإسلام رباني شرعي غير وضعي
أي أنه نظام من عند الله أمرت به شريعة الإسلام، وليس من وضع البشر، فشريعة الوقف وأحكامه أمر بها رب العالمين -سبحانه وتعالى- وتولى شرعها للناس إكمالًا لأصول الدين وفروعه التي رضيها لنا -سبحانه، وإتمامًا لنعمة الله -تعالى- علينا. يقول الحق -تبارك وتعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)) [المائدة: ٣] بينما لم يكن قبل الإسلام وقف لله -تعالى- وفي سبيله -سبحانه- كما هو في ظل الإسلام. وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي -رحمه الله: "لم يحبس أهل الجاهلية -فيما علمت- دارًا ولا أرضًا ولا تبرًا، وإنما حبس أهل الإسلام".
٢.٧ خصائص نظام الوقف في الإسلام
وصفة الربانية تضفي على هذا النظام أصوليته وفضله، لا شك أن نظامًا ربانيًّا لا بد أن يكون له أصول ربانية، ومن ثم فلا بد أن يوصف بمزيد من الفضل، كما أن شرعيته -أي أنه تبع لشريعة الإسلام التي هي من عند الله- تنفي عنه تعرضه لأفكار وآراء البشر.
ومن ثم فيمكننا أن نقول بأنه نظام أصيل بذاته، جاءت نصوص نبوية في تأصيله وتشريعه، ومن تلك النصوص ما روي عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). ولعلنا نقول: إن الصدقة الجارية -التي ورد ذكرها في هذا الحديث- تتسع لنظام الوقف في الإسلام، وللكثير من الإنفاق في وجوه البر.
ومن النصوص أيضًا ما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أصاب عمر بخيبر أرضًا فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله ويستوضح منه؛ ماذا يفعل في هذه الممتلكات، أو في هذه الأرض التي أصابها بخيبر؟ فقال -عليه الصلاة والسلام: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها)) فتصدق عمر".
وكان في الحجة ألا يباع الأصل ولا يوهب ولا يورث، وإنما هي صدقة للفقراء والمساكين وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل، ولا جناح على من وليها -أي من تولى أمرها بالرعاية أو تعهدها بالمباشرة- أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقًا غير متمول فيه.
٢.٧ خصائص نظام الوقف في الإسلام
ثانيًا: شمول هذا النظام واتساعه
إن من يطالع ما كتبه الأئمة من فقهائنا -رحمهم الله- حول الوقف وأحكام الوقف والغاية منه -يرى الأبواب المتعددة والمسائل ذوات العدد المتكاثرة، وكذا الأمور الدقيقة والتفصيلية التي تناولوها، مما يدل على شمول نظام الوقف واتساعه جدًّا؛ فهو بحسب نظرة الفقهاء وبحسب تناولهم له يتسع ليشمل الوقف الأهلي، الذي يوقفه المرء على نفسه وذريته.
كما يتسع أيضًا ليشمل الوقف الخيري، الذي يوقف على جهات البر والإحسان والمعروف، كما أيضًا يتسع؛ ليشمل أوقافًا تجمع بين الوقف الأهلي والخيري.
أيضًا يتسع نظام الوقف ليشمل جميع أنواع ومجالات الخير الدينية والدنيوية؛ من مساجد ومكتبات ومدارس ومعاهد وجامعات، ومقابر ومؤسسات خيرية، وغير ذلك من وجوه الخير.
لا يقتصر أداء نظام الوقف في الإسلام على المسلم وحده، وهذا من أصدق الأدلة على شمول نظام الوقف في الإسلام، فهو لا يقتصر فيه على المسلم، وإنما يتعداه حيث توجد أوقاف عامة تشمل المسلم وغير المسلم، كما وجدت أوقاف خصصت في القديم والحديث للإنفاق على غير المسلمين، وإصلاح معاشهم وإعانتهم كنوع أيضًا من تأليف القلوب.
وإن من يتدبر ما حُكي عن الفقهاء ليدرك ذلك بما لا يدع مجالًا للشك في كتاباتهم؛ إذ تعرض الفقهاء -رحمهم الله- لمسائل كثيرة في هذا المعنى، وخصصوا لها حيزًا في كتبهم المتخصصة، مما يدل بجلاء على عناية الإسلام بغير المسلمين من جهة الوقف، وأيضًا في هذا المعنى وجد من الأوقاف ما يتسع أيضًا ليشمل الحيوانات كالبهائم وكذا الطيور.
٢.٧ خصائص نظام الوقف في الإسلام
ثالثًا: من خصائص نظام الوقف
ثباته واستمراره وعدم انقطاعه؛ فيمتاز نظام الوقف الإسلامي بالثبات والاستقرار والدوام والاستمرارية وعدم الانقطاع؛ لم؟ لا غرابة في ذلك ولا شك في ذلك؛ لأنه جزء من دين عظيم وهو دين الإسلام، الثبات علامته والوقف الأصل فيه الثبات والاستقرار والديمومة.
وقد صح عنه -عليه الصلاة والسلام- أنه قال في الحديث المعلوم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
ولا شك أن الوقف من أدوم الصدقات؛ لأن الأصل فيه البقاء، وهو تحبيس الأصل وبقاؤه مع تسبيل الثمرة والانتفاع بالغلة، وما زال الفقهاء يوصون نظار الأوقاف بالمحافظة على ما غلوا من أوقاف المسلمين؛ حتى يدوم النفع للموقوف عليهم، ويثبت ويستمر ولا ينقطع.
٢.٧ خصائص نظام الوقف في الإسلام
رابعًا: من خصائص نظام الوقف: استقلال نظام الوقف في الإسلام، وهذه من آكد وأهم الخصائص.
إن من يتدبر نظام الوقف الإسلامي يجد أن لهذا النظام ميزة يتميز بها عن غيره من الأنظمة، التي تنظم جهات البر والخير، هذه الميزة تتحقق في الاستقلال عمن أوقفه، في الاستقلال عن ذرية من أوقف، في الاستقلال عن الراعي والرعية.
وتأسيسًا على ذلك فإذا حبس الرجل مالًا أو عقارًا، أو شيئًا آخر في عداد الممتلكات العامة التي لا تخضع لجور الجائرين، ولا سلطان السلاطين، ولا يمكن للواقف أن يُرجع لنفسه ما حبسه لله -سبحانه وتعالى.
ولعل هذا كان السبب الرئيس لبقاء كثير من أوقاف المسلمين والمسلمات، بعموم أراضي العالم الإسلامي على مر الدهور والأعوام، هذا السبب يكمن في استقلال نظام الوقف، وعدم خضوعه لأية أنظمة وضعية.
والشيء بالشيء يذكر، فإذا رأينا مثلًا وسمعنا عن فقد كثير من عقار وأوقاف المؤمنين والمؤمنات في أمتنا الإسلامية، فإنما مرد ذلك وسببه سيطرة بعض الأعداء المستعمرين على بلاد الإسلام، ومن ثم إلغاء الوقف هنا أو هناك، مع وجود الذئاب الداخلية التي تتعدى على هذه الأوقاف؛ شهوة وطمعًا في المال والسيطرة عليه.
ولعل هذا يمكن أن يدلل عليه بما ورد من سياسة محمد علي باشا في مصر تجاه أوقاف مصر؛ حيث حُكي أنه أخذ ما كان للمساجد من الرزق، وأبدلها بشيء ضئيل من النقد، لا يساوي جزءًا من الألف من إيرادات الأوقاف الموقوفة للمساجد.
لذلك نقول: استقلال هذه الأوقاف وعدم تبعيتها لجهة غير الجهة المنوط بها الرعاية والعناية؛ سبب من أسباب التمكين والعزة للمسلمين في ديارهم، والأمة القوية التي تكتفي بنفسها وذاتها عن غيرها.
٢.٧ خصائص نظام الوقف في الإسلام
خامسًا: من خصائص نظام الوقف أنه يواكب العصر ويلبي متطلبات وحاجات الأمة؛
ففي بعض الأعصار مثلًا يحتاج المسلمون إلى إقامة الأربطة والمستشفيات والمدارس والملاجئ، وغير ذلك من وجوه البر والخير؛ كالكتاتيب والمعاهد والمستشفيات المتخصصة التي تعالج الفقراء وهكذا، فيسمح نظام الوقف الإسلامي بالتنوع والتنويع حسب الضرورة والحاجة.
وفي زماننا هذا مثلًا نجد أننا بحاجة إلى إقامة جامعات وقفية، بحاجة إلى وقف عقارات على مشروع الدعوة إلى الله -تعالى- وقف آخر يتسع لإجراء البحوث العلمية والعملية النظرية والتطبيقية، وقف يتسع لإنشاء صالات ودواوين وقفية لإقامة المحاضرات والندوات، وقف يتسع لفكاك الأسرى.
ولا شك أن نظام الوقف الإسلامي يتسع لأكثر من ذلك، فنظام الوقف في الإسلام يراعي مدى حاجة الأمة حسب كل عصر، حسب الزمان، حسب المكان، يراعي الأحوال المحيطة بالأمة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، ولن يجمد هذا النظام عند أصناف معينة من الأوقاف، بل كما نوهنا يتسع ليلبي رغبات ومتطلبات الأمة مهما تعددت، فلن يجمد هذا النظام؛ لأن هذا الجمود يخالف مقاصد الإسلام، يخالف أبعاد الإسلام، كما لا يوافق كثيرًا من الحكم التي شرع من أجلها الوقف والحبس.
ولذلك نجد في هذا المعنى ما يقوله ابن تيمية -رحمه الله: "ينبغي لمن أراد أن يوقف أن ينظر إلى ما هو أقرب إلى رضا الله ومحبته وأنفع لعباده، وأن يتحرى ما نتائجه أكثر وعوائده أعم وأنفع".