١.٧ الوقف في الإسلام
الوقف في الإسلام
كانت دعوة القرآن الكريم والسنة النبوية دائمًا وأبدًا إلى البذل والعطاء، والمسارعة إلى الإنفاق في السراء والضراء، كما كان حديث الكتاب العزيز، وما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن المال، وأنه في الأصل مال الله، وأن النفس البشرية جبلت على حب المال حبًّا جمًّا، وأن المسلم لن ينال الخير في عاجلته وآجلته إلا بالإنفاق مما يحب، وأن المجتمع الإسلامي مجتمع الإيثار، والتعاون على البر، لا يعرف شحًّا مطاعًا ولا هوًى متبعًا، ولا يعرف فردية تمزق أبناء الأمة الواحدة.
كذلك كان توجيه المسلم وحضه على أن يقدم لنفسه ما يجده عند ربه، وفي هذا المعنى يقول الله -تبارك وتعالى: ((يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)) [الشعراء: ٨٨، ٨٩] فضلًا عن الآيات والأحاديث التي تنبه المسلم إلى أن يكون إنفاقه وعطاؤه ممتدًّا إلى ما بعد وفاته، وذلك بالوصايا والصدقات الجارية.
كان كل هذا -وغيره من العوامل- التي جعلت المسلمين منذ فجر الدعوة يتسابقون في الإنفاق في سبيل الله، وليست المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين إلا تطبيقًا عمليًّا لهذا الإنفاق بصورتيه: المعنوية والمادية، والذي لم تعرف البشرية نظيرًا له في تاريخها الطويل، وكان من مظاهر التنافس في الإنفاق بين المسلمين وقف الأموال، وجعلها صدقة جارية.
١.٧ الوقف في الإسلام
وفي هذا المعنى يقول جابر: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذا مقدرة إلا وقف". وقد اختلف في أول وقف في الإسلام، فقد روي أن أبا طلحة الأنصاري -وكان أكثر أنصاري بالمدينة مالًا- كان أحب الأموال إليه حائطه المسمى بَيْرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدخلها ويشرب من مائها.
فلما نزلت هذه الآية: ((لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)) [آل عمران: ٩٢] قام أبو طلحة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إن الله -تعالى- يقول في كتابه: ((لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)) [آل عمران: ٩٢] وإن أحب أموالي إليَّ هذا الحائط، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله -تبارك وتعالى- فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((بخ بخ ذاك مال رابح)) ".
وقد روي أن تُجعل هذه الحديقة في الأقربين؛ فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه -أي جعلها وقفًا على أقاربه- وقد ذهب بعض العلماء المعاصرين إلى أن ما فعله أبو طلحة هو أول وقف في الإسلام.
وذكر صاحب (المغني) أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أصاب أرضًا بخيبر، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- يستأمره فيها، فقال: "يا رسول الله إني أصبت أرضًا بخيبر، لم أصب قط مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيها؟ فقال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع الأصل، ولا يبتاع، ولا يوهب، ولا يورث)) قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل". ولا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقًا بالمعروف، وهكذا ورد أن ما فعله عمر كان أول وقف في الإسلام.
١.٧ الوقف في الإسلام
ولكن هناك روايات أخرى تشير إلى أن أول وقف في الإسلام هو حائط بني النجار، الذي أخذه الرسول -صلى الله عليه وسلم- وبناه مسجدًا، بعد أن عرض عليهم أن يدفع لهم الثمن، ولكنهم قالوا: "لا نطلب ثمنًا إلا إلى الله -تعالى". وغير ذلك من الروايات.
وهذا الاختلاف في أول وقف في الإسلام، إن دل على شيء فإنما يدل على كثرة الوقف في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن هذا الوقف كان يصرف في وجوه البر والخير، التي يحددها الواقف ويديرها بنفسه، أو من يراه ليقوم برعايتها وإيصال الحقوق إلى مستحقيها.
وبعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقف كثير من الصحابة، وكان الوقف في هذه المرحلة المبكرة من التاريخ الإسلامي شاملًا لما يسمى بالوقف الخيري والوقف الأهلي، وإن ذهب بعض المحدثين إلى أن ما كان في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة هو الوقف الخيري فقط، وأن الوقف الأهلي لم يوجد إلا في القرن الثاني الهجري، ولكن الآثار الكثيرة التي أثرت عن عصر البعثة والصحابة تثبت أن الوقف الأهلي كان معروفًا.
إذن نستطيع أن نقول: الوقف بنوعيه عرف في العصر الأول للإسلام، وإن لم يكن هناك تقسيم له، وتسميته بالأهلي والخيري، وإنما كانت الأوقاف معروفة بالصدقات؛ ولذلك كان يقال: هذه صدقة فلان، وعبرت كتب أوقاف الصحابة عن الوقف بالتصدق، وقد تتابع المسلمون بعد عصر الصحابة في وقف أموالهم لأعمال البر، وكانت الفتوحات الإسلامية، وما أغدقته على المجاهدين من أسباب كثرة الأوقاف في العصر الأموي كثرة عظيمة في مصر والشام، وغيرهما من البلاد المفتوحة.
١.٧ الوقف في الإسلام
الوقف فقهًا
تعريف الوقف في اللغة: فيطلق عليه الحبس عن التصرف، ولهذا يعبر عنه بالتحبيس، كما يعبر عنه بالتسبيل بمعنى الإباحة، أو إرسال الشيء وتركه أو جعله في سبيل الله.
أما عن الوقف فقهًا أو الوقف عند الفقهاء؛ فله تعاريف متعددة تختلف من حيث الصياغة، غير أنها تتفق غالبًا في المضمون، ومن ثم فما بينها من تفاوت يرجع إلى زيادة قيد، أو شرط في تعريف دون آخر.
ومن هذه التعريفات؛ أن الوقف حبس العين على حكم الواقف والتصدق بمنفعتها على من أحب، ومنها أيضًا: حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح، ومنها أيضًا: حبس العين عن أن تملك لأحد من العباد، والتصدق بمنفعتها ابتداء على جهة من جهات البر، ومنها: أن الوقف حبس العين عن أن تكون مملوكة لأحد من الناس، وجعلها على حكم ملك الله، والتصدق بريعها على جهة من جهات الخير والبر.
ومن التعريفات أيضًا تعريف حُكِي عن الشيخ محمد أبو زهرة -عليه رحمة الله- حيث قال: "الوقف هو منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء وانتهاء".
حقيقة لدينا الكثير من التعريفات المتعلقة بالوقف، وجميعها يدور حول حبس العين، والتصدق بمنفعتها أو ثمرتها على جهة من جهات البر.
١.٧ الوقف في الإسلام
حكم الوقف
تناول الفقهاء الحديث عن حكم الوقف، وقد اتفقت كلمة جمهور الفقهاء على أن الوقف مستحب، واستدلوا على هذا بما ورد في الكتاب والسنة النبوية من آيات وأحاديث تدعو إلى استباق الخيرات، والإنفاق مما استخلف الله عباده فيه، ومن ذلك قول الله -تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ)) [البقرة: ٢٦٧]، وما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)).
كما يستدل القائلون بهذا الرأي أيضًا بما فعله أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من وقف بعض أموالهم، وإقرار الرسول لهم على هذا، بل إنه -عليه الصلاة والسلام- كان يوصي صحابته بالتصدق بالمنفعة مع حبس الأصل.
ونجد أيضًا من الفقهاء من قال بمنع الوقف، وعزا هذا إلى أبي حنيفة، غير أن الروايات اختلفت عنه في بيان رأيه في الوقف.
ولكن الراجح من تلك الآراء ما ذهب إليه الجمهور من الفقهاء؛ لأن الآيات التي تأمر بالإنفاق في سبيل الله وكذلك الأحاديث كثيرة، ولأن دلالة الأمر في الأصل الوجوب، ولذلك فإننا نرى أن الوقف -وهو صورة خاصة من صور الإنفاق- ليس مستحبًّا فقط، وإنما هو مندوب على وجه التأكيد، إن لم يكن واجبًا على من استطاع إليه سبيلًا.
ولعل هذا الترجيح أيضًا قال به فضيلة الأستاذ الدكتور محمد الدسوقي.
١.٧ الوقف في الإسلام
أركان الوقف وشروطه وشروط الواقفين
من المعروف أن الركن يعرف بأنه أحد الجوانب التي يستند إليها، وهو جزء من حقيقة الشيء، والجانب الأقوى من الشيء، أما الشرط: فهو أمر خارج عن حقيقة الشيء، وليس من أجزائه، ولكن لا بد منه لصحة الشيء.
وللوقف أركان أربعة عند الجمهور؛ منها: الواقف، والموقوف عليه، والمال الموقوف، والصيغة.
ويشترط في الواقف؛ أن يكون أهلًا للتبرع؛ بأن يكون عاقلًا بالغًا مختارًا غير محجور عليه لسفه أو دَيْن، ومن ثًّم فلا يصح وقف المجنون أو الصبي أو المكره أو المحجور عليه.
ولم يشترط الفقهاء في الواقف الإسلام، ومن ثم جاز وقف المسلم على فقراء غير المسلمين، كما جاز وقف غير المسلمين إذا التزموا بشروط الوقف في الإسلام.
وأما الموقوف عليه؛ فيشترط أن يكون جهة من جهات البر، وليست جهة من جهات المعاصي؛ لأن الوقف قربة، ولذا ينبغي أن تكون الجهة الموقوف عليها جهة خير وبر ومعروف، ومن ثم لا يجوز الوقف على الأغنياء وحدهم، ولا على أندية القمار أو آلات اللهو ونحو ذلك.
أما المال الموقوف؛ فإن بعض الفقهاء يرون أن الأصل فيه أن يكون عقارًا، ويرجع ذلك إلى اشتراط التأبيد في الوقف من جهة، وإلى أن أهم ما عول عليه هؤلاء الفقهاء من أدلة؛ هو حديث عمر -رضي الله عنه- والموقوف فيه كان عقارًا كما أسلفنا.
١.٧ الوقف في الإسلام
ومن العلماء من أجاز وقف المنقول، ومنهم من ذهب إلى جواز أن يكون منفعة، ولعل الرأي الذي يتوسع في جواز وقف المال -سواء أكان عقارًا أم منقولًا أم منفعة- أرجح من غيره؛ لأن ما كان في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو أصحابه لا يعني قصر المال الموقوف عليه؛ ولهذا يجوز في العصر الحاضر وقف كل شيء مما يحقق خيرًا؛ كالنقود والأسهم والسندات التي تغل بطريقة جائزة شرعًا، وكذلك منفعة الأعيان المؤجرة، ويلحق بها الحقوق إذا كانت متعلقة بعين يصح وقفها، فإنه يجوز وقف الحق تبعًا للعين.
ويشترط في المال الموقوف أن يكون ملكًا للواقف وقت الوقف ملكًا تامًّا، كما يشترط أن يكون معلومًا، فلا يكون مجهولًا جهالة فاحشة.
وصيغة الوقف؛ هي اللفظ الدال على إرادة الواقف، ويقسمها الفقهاء إلى صريح وكناية؛ فالصيغة الصريحة هي التي لا تحتمل معنى غير الوقف؛ كـ"وقفتُ" أو "حبستُ" وغير ذلك، والصيغة غير الصريحة هي التي تحتمل معنى الوقف ومعانٍ أخرى؛ مثل: الصدقة وجعل المال للفقراء أو في سبيل الله.
وكما ينعقد الوقف باللفظ، أيضًا ينعقد بالفعل، فليس بشرط أن ينعقد الوقف باللفظ فقط؛ لأن العبرة في العقود للمعاني وليست للألفاظ، فمن يبني مسجدًا أو يأذن للناس في الصلاة فيه، أو مقبرة ويأذن في الدفن فيها، فإن المسجد والمقبرة يصيران وقفًا بالقرينة الدالة على إرادة الواقف.
وعن شروط الواقفين؛ هل يعمل بها أو لا يعمل بها؟ هل تتجاهل أو لا؟
١.٧ الوقف في الإسلام
نقول: إذا شرط الواقفون في أوقافهم بعض الشروط، تعلقت تلك الشروط بوجوه صرف غلة المال الموقوف، أو إدارة الموقوف، فإن هذه الشروط ينبغي أن تتبع، ما دامت لا تخالف حكمًا شرعيًّا أو مصلحة الموقوف عليه.
ويعتبر الفقهاء شرط الواقف كنص الشارع في وجوب التزامه واحترامه، ومع هذا قد يجوز في بعض الأحيان مخالفة شرط الواقف إذا اقتضت المصلحة ذلك؛ فمثلًا: إذا كان المال الموقوف أرضًا زراعية، ولكن حالت ظروف دون الانتفاع بها في الزراعة؛ كنقص المياه، وأمكن الانتفاع بها في البناء، فلا معنى للأخذ بشروط الواقف؛ لأنه يؤدي في تلك الحالة إلى تعطيل الوقف، ويكون من المصلحة مخالفة هذا الشرط.