ملخص الدرس


الوقف في الإسلام:
كانت دعوة القرآن الكريم والسنة النبوية دائمًا وأبدًا إلى البذل والعطاء، كذلك كان توجيه المسلم وحضه على أن يقدم لنفسه ما يجده عند ربه، ويقول جابر: "لم يكن أحد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذا مقدرة إلا وقف".
والوقف بنوعيه عرف في العصر الأول للإسلام، وإن لم يكن هناك تقسيم له، وتسميته بالأهلي والخيري، وإنما كانت الأوقاف معروفة بالصدقات.
الوقف فقهًا:
تعريف الوقف في اللغة: يطلق عليه الحبس عن التصرف، ولهذا يعبر عنه بالتحبيس.
أما عن الوقف فقهًا أو الوقف عند الفقهاء؛ فمن هذه التعريفات؛ أن الوقف حبس العين على حكم الواقف والتصدق بمنفعتها على من أحب.
حكم الوقف:
وقد اتفقت كلمة جمهور الفقهاء على أن الوقف مستحب.

ملخص الدرس


أنواع الوقف:
الوقف من حيث هو حبس للمال على جهة ما نوع واحد، ولكن من حيث الجهة التي حبس عليها، أو من حيث الغاية منه؛ نوعان:
الوقف الخيري: وهو ما جعل ابتداء على جهة من جهات البر، ولو لمدة معينة يكون بعدها على شخص أو أشخاص معينين.
الوقف الأهلي: وهو ما جعل ابتداء على معين، سواء أكان واحدًا أم أكثر، وسواء أكانوا معينين بالذات كأحمد وإبراهيم، أو معينين بالوصف كأولاده مثلًا، وسواء أكانوا أقارب أم لا، ثم من بعد هؤلاء المعينين على جهة بر.
أركان الوقف وشروطه وشروط الواقفين:
وللوقف أركان أربعة عند الجمهور؛ منها: الواقف، والموقوف عليه، والمال الموقوف، والصيغة.
ويشترط في الواقف؛ أن يكون أهلًا للتبرع؛ بأن يكون عاقلًا بالغًا مختارًا غير محجور عليه لسفه أو دَيْن، ومن ثًّم فلا يصح وقف المجنون أو الصبي أو المكره أو المحجور عليه.
ولم يشترط الفقهاء في الواقف الإسلام، ومن ثم جاز وقف المسلم على فقراء غير المسلمين.
وأما الموقوف عليه؛ فيشترط أن يكون جهة من جهات البر.

ملخص الدرس


أما المال الموقوف؛ فإن بعض الفقهاء يرون أن الأصل فيه أن يكون عقارًا، ويرجع ذلك إلى اشتراط التأبيد في الوقف من جهة، وإلى أن أهم ما عول عليه هؤلاء الفقهاء من أدلة؛ هو حديث عمر -رضي الله عنه- والموقوف فيه كان عقارًا كما أسلفنا.
ومن العلماء من أجاز وقف المنقول، ومنهم من ذهب إلى جواز أن يكون منفعة.
ويعتبر الفقهاء شرط الواقف كنص الشارع في وجوب التزامه واحترامه، ومع هذا قد يجوز في بعض الأحيان مخالفة شرط الواقف إذا اقتضت المصلحة ذلك.
خصائص نظام الوقف في الإسلام:
لقد امتاز نظام الوقف الإسلامي بالكثير من المميزات، نالها بانتمائه إلى شريعة الله -تبارك وتعالى- فمن هذه الخصائص ما يلي:
أولًا: أن نظام الوقف في الإسلام رباني شرعي غير وضعي.
ثانيًا: شمول هذا النظام واتساعه.
ثالثًا: ثباته واستمراره وعدم انقطاعه.

ملخص الدرس


رابعًا: استقلال نظام الوقف في الإسلام، وهذه من آكد وأهم الخصائص.
خامسًا: أنه يواكب العصر ويلبي متطلبات وحاجات الأمة.
ولا شك أن نظام الوقف الإسلامي يتسع لأكثر من ذلك، فنظام الوقف في الإسلام يراعي مدى حاجة الأمة حسب كل عصر، حسب الزمان، حسب المكان، يراعي الأحوال المحيطة بالأمة سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.
ولذلك نجد في هذا المعنى ما يقوله ابن تيمية -رحمه الله: "ينبغي لمن أراد أن يوقف أن ينظر إلى ما هو أقرب إلى رضا الله ومحبته وأنفع لعباده، وأن يتحرى ما نتائجه أكثر وعوائده أعم وأنفع.
مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام:
إن الحديث عن مقاصد وغايات الوقف الإسلامي الشرعية وأبعاده ومراميه المصلحية؛ لا بد أن ينطلق من حيث نظرة الإسلام العامة والخاصة إلى الوقف وإلى نظام الوقف، من حيث مراعاة الخصائص أولًا، ثم معرفة مدى حاجة الناس ومصالحهم على اختلاف وتنوع أحوالهم.

ملخص الدرس


ومن مقاصد الوقف الإسلامي وأبعاده ما يلي:
تحقيق عبودية الحق -تبارك وتعالى- إذ يقول -سبحانه: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)) [الفاتحة: ٥] ويقول -سبحانه: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: ٥٦] ويقول -سبحانه: ((وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)) [الحجر: ٩٩].
إن مقصد تحقيق عبودية الله -تعالى- من تشريع نظام الوقف والعمل به أعظم المقاصد الشرعية.
أيضًا من مقاصد الوقف وأبعاده في الإسلام: تمكين الأمة الإسلامية في الأرض ونصرها؛ تحقيقًا لمبدأ أصيل في شريعة الإسلام.
ومن مجالات الوقف في الإسلام: المجالات التي تدعم التمكين والنصر العلمي والعملي، نشر العلم ودوره وكتبه والاهتمام بطلبة العلم والعلماء، وإقامة مراكز الدعوة إلى الله -تعالى- في نواحي الأرض، وكذا كفالة الدعاة ودعم المشاريع الدعوية المتعددة، وإصلاح الثغور وإمداد الجيوش، وإطعام الجنود والمجاهدين، وإمدادهم بما يحتاجونه، وإغناؤهم عن غيرهم من المستعمرين.
أيضًا من مقاصد الوقف ومن أبعاده: نشر العلم بين الناس وحفظه والعناية بالمنتسبين إليه.
أيضًا من مقاصد الوقف في الإسلام ومن أبعاده: إغاثة الملهوف وإعانة المحتاج من سائر الخلق، وفي هذا المعنى يقول الله -سبحانه: ((وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [البقرة: ١٩٥]

ملخص الدرس


البعد الإنساني للوقف:
يراعى في مقصد الوقف وعند التعامل به مصلحة الوقف ومصلحة الناس، وهذا الأصل يرجع إلى القاعدة الشرعية؛ وهي أن الإسلام جاء بتحصيل المصالح وتكميل المصالح وتعطيل المفاسد، وهذا ليس غريبًا في الإسلام؛ فالله -تبارك وتعالى- أمر بالإصلاح ونهى عن الفساد، وبعث رسله -عليهم الصلاة والسلام- بمثل هذه القاعدة.
ومن ذلك ما قاله الله -تعالى- عن موسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ((اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ)) [الأعراف: ١٤٢]، وفي آية أخرى عن شعيب: ((إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ)) [هود: ٨٨]، وفي آية أخرى: ((فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)) [الأعراف: ٣٥]، وهكذا الكثير من الآيات؛ لذلك نقول: ينظر في مقصد الواقف ونوع الوقف، ويراعى مصارفه في تحقيق مصلحة الوقف والموقوف عليهم.
كذلك من أبعاد الوقف: الابتكار والإبداع في الأوقاف، ومتابعتها ومصارفها بما يواكب حاجة العصر، وبما يواكب أي تقدم وتطور حاق بالأمة الإسلامية، شريطة أن يكون هذا الابتكار وفق الشريعة الإسلامية، هذا الأصل لا شك أنه مراعى في الشريعة الإسلامية في كل زمان وفي كل مكان.