١.١٤ إنتاج، وتجارة، وإدمان المخدرات
إنتاج، وتجارة، وإدمان المخدرات
لقد كرم الله الإنسان وفضله على كثير من المخلوقات، وأمده بنعم كثيرة لا تحصيها البصائر، ولا الأبصار، ولا تحيط بها العقول، ولا الأفهام، ومهما أعمل الإنسان عقله، وأجهد فكره كي يحصي نعم الله عليه، فلن يستطيع إلى ذلك سبيلًا. قال تعالى: ((وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)) [النحل: ١٨].
ومن أعظم تلك النعم التي أنعم الله بها على الإنسان وفضله بها على الحيوان: نعمة العقل، تلك النعمة الغالية التي لا تعدلها نعمة أخرى؛ لأن العقل قوام الإنسان، وميزان الشخص، وزينة المرء، وبالعقل وقف الإنسان على أسرار الكون، فازداد بالله إيمانًا، وأصبح عالمًا بحقائق الأمور، وتعلَّم ما لم يكن يعلم، وميز بين الخير والشر، والنافع، والضار.
ولقد رفع الإسلام من شأن العقل فجعله مناط الثواب، والعقاب، فعلى وجوده يكلف الإنسان، ويحاسب، ويثاب أو يعاقب، وإذا زال عقله سقط عنه التكليف، ودعا الإسلام الإنسان إلى إعمال العقل في التفكير، والتدبير، والنظر، والتأمل. وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ واخْتِلَافِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وقُعُودًا وعَلَى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) [آل عمران: ١٩٠، ١٩١].
١.١٤ إنتاج، وتجارة، وإدمان المخدرات
ولقد أمرنا الإسلام بحفظ العقل، وصيانته، ووقايته، وأمرنا بتكريم النعمة، وهي نعمة العقل، ونهانا أن نتناول أي شيء يضر بالعقل أو يفسد التفكير، أو يؤدي إلى شلل المخ، وحذرنا كل التحذير من تعاطي تلك المواد السامة كالحشيش، والهيروين، والأفيون، والكوكايين، وسائر أنواع المخدرات؛ لأنها تدخل على العقل فتفسده، وعلى التفكير فتعطله، فهي من المسكرات التي حرمتها الشريعة، ولم تأذن بتعاطيها، وفي هذا المعنى قالت أم سلمة -رضي الله عنها: ((نهانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كل مسكر، ومفتر)).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الحشيش حرام يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر"، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل، والمزاج، وأنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهي داخلة فيما حرمه الله، وحرمه رسول الله من الخمر والمسكر، إلى غير ذلك من أنواع المخدرات.
تحديد المسكر في اللغة وفي الاصطلاح
المسكر: اسم فاعل مِن أسكر الشراب فهو مسكر؛ إذ جعل صاحبه سكرانًا، ولا شك أن السكران خلاف الصاحي، والسكر في الاصطلاح هو اختلاط العقل.
ولا شك أن المسكر بجميع أنواعه -بما يتناوله من مسميات قديمة وحديثة- يدخل تحت دائرة التحريم، الوارد بقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ والْمَيْسِرُ والْأَنْصَابُ والْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ والْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ والْمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)) [المائدة: ٩٠، ٩١].
١.١٤ إنتاج، وتجارة، وإدمان المخدرات
والخمر: كل ما خامر العقل، أي: غطاه من أي مادة كان، وفي الصحيحين: ((كل شراب أسكر فهو حرام))، وفي صحيح مسلم: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام)) فكل شراب أسكر كثيره فقليله حرام، وهو خمر من أي شيء كان، سواء كان من عصير العنب أو من غير ذلك، وفي هذا المعنى يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه: "الخمر ما خامر العقل".
وعلى ذلك فكل شيء يستر العقل يسمى خمرًا، من كل ما استحدث من مواد مخدرة كالحشيش، والهيروين، والأفيون، والكوكايين، وسائر أنواع المخدرات، يصدق على الجميع خمر طالما أنه يخامر العقل، وطالما أنه يستر العقل، ولذلك قالوا: يسمى الخمر خمرًا لمخامرتها للعقل أي: لسترها للعقل.
وتلك المخدرات -على مسمياتها المختلفة في وقتنا الحالي- تشترك مع الخمر في هذه العلة، وهي علة المخامرة للعقل، ومن ثم فلا جدال في أن الحكم فيها هو التحريم، وهذا قول الجمهور، ولذلك نجد ابن تيمية -رحمه الله- يقول: "والحشيشة نجسة في الأصح، وهي حرام سواء سكر منها أم لم يسكر، والمسكر منها حرام باتفاق المسلمين، وضررها من بعض الوجوه أعظم من ضرر الخمر".
وهذه الحشيشة -نقول: وكذا سائر المخدرات- من أعظم ما يفتك اليوم بشباب المسلمين، وهي أعظم سلاح يصدره الأعداء ضدنا، ويروجها المفسدون في الأرض من اليهود، وعملائهم؛ ليفتكوا بالمسلمين، ويفسدوا شبابهم، ويعطلوهم عن الاتجاه للعمل لمجتمعاتهم، والجهاد لدينهم، وصد عدوان المعتدين على شعوبهم، وبلادهم، حتى أصبح كثير من شباب المسلمين مخدرين، عالة على مجتمعهم، أو يعيشون رهن السجون، كل ذلك من آثار رواج تلك المخدرات والمسكرات في بلاد المسلمين، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
١.١٤ إنتاج، وتجارة، وإدمان المخدرات
والخمر حرام بأي حال لا يجوز شربه لا للذة، ولا للتداوي، ولا لعطش، ولا لغير ذلك، حيث حُرم التداوي بها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إنه ليس بدواء، ولكنه داء))، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". كذلك يحرم شربها حتى حالة العطش؛ لأنه لا يحصل بها ري، بل فيه من الحرارة ما يزيد العطش.
وتأسيسًا على ذلك نقول: إذا شرب المسلم خمرًا أو شرب ما خلط به الكولونيا، ونحوها من الأطياب التي فيها كحول تسكر، متى شرب المسلم شيئًا من ذلك مختارًا، عالمًا أن كثيره يسكر، فإنه يجب أن يقام عليه الحد؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((من شرب الخمر فاجلدوه)).