٣.٢ أقسام عقد التأمين


أقسام عقد التأمين
قسم العلماء التأمين من حيث المؤسسات التي تقوم به إلى ثلاثة أقسام:

التأمين التعاوني، أو التأمين الاجتماعي
ماذا عن ماهية هذا النوع من التأمين؟ إذا قلنا: التأمين التعاوني فالتعاون لغة من العون، والعون هو الظهير على الأمر، والجمع أعوان، والتعاون والتظاهر والاستعانة طلب العون. أما عن التأمين التعاوني فهو الذي تقوم به الدولة لمصلحة الموظفين والعمال، فتؤمنهم من إصابة المرض أو العجز والشيخوخة، ويسهم في حصيلته الموظفون والعمال وأصحاب الأعمال والدولة، ولا تقصد الدولة من وراء ذلك تحقيق الأرباح.
هذا القسم من التأمين التعاوني يشتمل على الصور التالية:


٣.٢ أقسام عقد التأمين


نظام التقاعد؛ وهو أن تجعل الدولة للموظف مرتبًا شهريًّا بعد بلوغه سنًّا معينة، على خلاف بين الدول في تحديد هذا السن، مقابل اقتطاع جزء من راتبه الشهري.


٣.٢ أقسام عقد التأمين


ما حكم هذا النوع من التأمين؟
ومن يتأمل هذا القسم من التأمين؛ يدرك بجلاء أن جميع صور هذا التأمين السابقة جائزة شرعًا بلا خلاف، مهما كان نوع الخطر المؤمن منه، لماذا؛ لأنه ينسجم مع مقاصد الشريعة التي تدعو إلى التكافل الاجتماعي، على أساس من التبرع، فكل من الدولة وأصحاب الأعمال لا يقصدون في الأصل من هذا التأمين تحقيق الأرباح، وإنما يقصدون ترميم المصائب التي تنزل بالموظفين والعمال، والمشترك متبرع باشتراكه لمن يحتاج إليه من سائر المشاركين في المؤسسة، أو صندوق الضمان، وقد عرف الفقه الإسلامي صورًا كثيرة له؛ كتأمين الفقراء من الزكاة.
لكن قد يقول قائل أو يعترض على هذا الكلام؛ ويقول: إن هذا النوع من التأمين يشتمل على غرر؛ لأن الفرد لا يدري كم سيدفع، ولا يدري أيضًا مقدار ما سيأخذ، وهذا مفسد للمعاملة، ويجاب عن ذلك بأنه يغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في المعاوضات؛ أعني: أن الغرر الذي يؤثر في عقود المعاوضات لا يؤثر في عقود التبرعات.
ومما لا شك فيه أن التأمين التعاوني تبرع محض لا يقصد منه الربح والمعاوضة، ولكن ينبغي أن نشير وأن ننبه القائمين على هذا النوع من التأمين إلى أمر مهم وخطير وآكد؛ يكمن هذا الأمر في حفظ الأموال واستثمارها بالطرق المشروعة والابتعاد عما هو محظور شرعًا؛ كالربا.
إذا راعى القائمون على أمر هذا النوع من التأمين هذا الأمر، واستثمروا تلك الأموال استثمارات مشروعة، وابتعدوا عن كل ما هو محظور، فإنه لا شك أن نقول أن هذا النوع من التأمين جائز شرعًا ولا خلاف عليه، وما كان من غرر فهو غرر يسير، يغتفر في عقود التبرعات دون عقود المعاوضات.


٣.٢ أقسام عقد التأمين


التأمين التبادلي أو التأمين التكافلي
النوع الثاني من أنواع التأمين هو التأمين التبادلي أو التأمين التكافلي: هذا التأمين ورد في تعريفه عدة تعريفات؛ منها: أنه البديل الشرعي للتأمين التجاري؛ فهو تأمين قائم على تكوين محفظة تأمينية لصالح حمَلة وثائق التأمين، بحيث يكون لهم الغُنْم وعليهم الغُرم.
ويقتصر دور الشركة هنا في هذا النوع من التأمين على الإدارة بأجر، واستثمار موجودات التأمين بأجر أو بحصة على أساس المضاربة، وإذا حصل فائض من الأقساط أو من عوائد الأقساط -بعد دفع التعويض- فهو حق خالص لحملة الوثائق، وما في التأمين التكافلي من غرر فإنه يعتبر مغتفرًا؛ لأن أساس هذا التأمين هو التعاون والتبرع المنظم، والغرر يتجاوز عنه في التبرعات.
وأهم ميزات التأمين التعاوني: هي اتحاد شخصية المُؤَمِّن وشخصية المُؤَمَّن له حامل وثيقة التأمين، ومن هنا جاء وصف هذا النوع من التأمين بالتكافلي، حيث يؤمن الأعضاء بعضهم بعضًا فكل منهم مُؤَمِّن ومُؤَمَّن له في وقت واحد.
وإذا نظرنا إلى قرارات المجلس الأوربي للإفتاء؛ نجد أن تعريف المجلس الأوربي للتأمين إنما هو تعريف لصورة مفضلة من التأمين التكافلي، ويتحقق هذا المعنى عندما نرى تعريفه في قرارات المجلس: بأنه البديل الشرعي لذلك التأمين التجاري، القائم على تكوين محفظة تأمينية لصالح حملة وثائق التأمين، بحيث يكون لهم الغنم وعليهم الغرم.


٣.٢ أقسام عقد التأمين


لا شك أن هذا التعريف هو تعريف -كما نوهنا- لصورة مفضلة من التأمين التكافلي؛ لماذا؟ لأن التأمين التكافلي قد يأخذ صورًا متعددة؛ كأن تؤسس جماعة شركة مضاربة تقوم بالتجارة في موجودات الشركة، ويلحقون بنظام الشركة عقدًا تكافليًّا، يلتزم فيه أعضاء الشركة بتأمين بعضهم البعض، وحمايته من الأخطار، سواء كان ذلك من ربح الشركة، وهو أمر جائز أن يتبرع المضارب بربحه.
وهناك صيغة أخرى تطبق في بعض البلاد؛ وهي تكوين شركة مضاربة بأموال يقوم فيها بعض أعضاء الشركة بالإدارة لصالح الجميع، فيكون لهؤلاء مزيد من الربح؛ لأنهم مؤسسون ومشتركون بأموالهم وأبدانهم، وهو جائز على مذهب الإمام أحمد.
أيضًا وجدنا لهذا النوع من التأمين صورًا؛ منها: الجمعيات الخيرية التي تنشأ بين أهل القرى والمدن، فيتداعى أهل الخير من كل بلدة إلى تكوين جمعية خيرية باسم بلدتهم، ويضعون نظامًا لها، ويرتبون على كل مشترك مبلغًا معينًا من المال، يوضع في صندوق الطوارئ، حيث يصرف منه لمن أصيب بخطر كحادث سيارة مثلًا، أو حادث وفاة وما إلى ذلك. أيضًا من صور هذا النوع من التأمين: الجمعيات التي تنشأ بين الموظفين في كل مؤسسة، حيث يدعو بعضهم بعضًا إلى إنشاء صندوق للطوارئ، يسهم فيه كل موظف بمبلغ معين، ويعطى منه المحتاج الذي تنزل به مصيبة على أساس القرض والتكافل.
مما ذكرنا يتبين أنه قد تكون أفضل صيغة للتأمين الإسلامي: أن تكون شركة مضاربة، ومعها شركة أموال، فيمنح المساهمون الكبار -وهم المضاربون بأبدانهم، لتوليهم الإدارة وأرباب المال لاشتراكهم بأموالهم- حصة من الربح أكبر من حصص المشتركين حملة الوثائق؛ لماذا؟


٣.٢ أقسام عقد التأمين


قالوا: لوجود التراضي، ولهذا فيكون لهؤلاء المشتركين في الجمعية العامة ممثلون عنهم، وهي صيغة مختصرة وبسيطة تقوم على تأسيس شركة تجارية من مساهمين كبار، تبرعوا بجزء من أموالهم لجبر الأضرار التي تنزل بهم، ويلتحق مشتركون صغار بنفس الصيغة؛ أي أنهم شركاء بالأقساط التي دفعوها متضامنين مع الآخرين، مع قبولهم بمنح جزء أكبر من الربح لهؤلاء المساهمين المؤسسين، وهي شركة تلزم بالقول، وهذا متطابق ومتمشٍّ مع مذهب الإمام مالك.
ولا عبرة بالغرر الموجود في هذا النوع من التأمين؛ لأنه -كما نعلم- هو غرر يغتفر في عقود التبرعات دون عقود المعاوضات؛ إذ الأصل أن بيع الغرر باطل، لكن هذا ليس ببيع، وهذا ليس بمعاوضة، إنما هو تبرع محض.
ونقل العلماء الإجماع أيضًا في أشياء غررها يسير ويغتفر؛ منها: أن الأمة أجمعت على صحة بيع الجُبة المحشوة، وإن لم يُرَ الحشو. أجمعوا أيضًا على جواز إجارة الدار شهرًا، مع أنه قد يكون ثلاثين يومًا وقد يكون تسعة وعشرين. وأجمعوا على جواز دخول الحمّام بأجرة، وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض، مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء، أو مكثهم في الحمام، لذلك قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه، وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر، ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة، أو كان الغرر حقيرًا جاز البيع، وإلا فلا.


٣.٢ أقسام عقد التأمين


من هذا الكلام نستفيد أمرين؛ أحدهما: الغرر الخفيف الذي يغتفر للحاجة، وهو ما بنى عليه المجلس جواز التكافل بأنواعه، والغرر الكبير المؤثر هو أصل التحريم، إلا أن البعض من العلماء قد تجاوز عن هذا النوع من الغرر أيضًا فيما يتعلق بعقود التبرعات؛ لما تدعو إليه الحاجة، ولهذا فإننا نقول: الفتوى بجواز هذا النوع على ما فيه من الغرر مبنية على قاعدة: تنزيل الحاجة منزلة الضرورة في صورتي الغرر المغتفر في الأصل، وهو ما خف ودعت إليه الحاجة.