١.٢ نشأة فكرة التأمين، وماهية عقد التامين


نشأة فكرة التأمين، وماهية عقد التامين
نشأة فكرة التأمين

ظهرت الحاجة إلى التأمين في بداية ظهورها في أوربا في أواخر القرون الوسطى؛ حيث بدأ التأمين البحري في الانتشار منذ أواخر القرن الرابع عشر، مع انتشار التجارة البحرية، بين مدن إيطاليا والبلاد الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكان التأمين آنذاك مقصورًا على البضائع التي تنقلها السفن، ولم يمتد إلى التأمين على حياة البحارة والركاب. ويكاد المؤرخون يجمعون على أن التأمين البحري هو أسبق أنواع التأمين ظهورًا؛ حيث كان أول تطبيق عملي له بشكل تجاري في القرن الثاني عشر الميلادي؛ حيث جرى على عهد تجار مناطق البحر الأبيض المتوسط صيانة هذا النوع من التأمين. وأول صورة ظهرت منه كانت صورة التأمين من الحريق، عقب حريق هائل نشب في لندن سنة، والتهم أكثر من ثلاثة عشر ألف منزل ونحو مائة كنيسة، وانتشر التأمين من الحريق في خلال القرن الثامن عشر في كثير من البلاد، حيث غزا انجلترا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
ثم بعد ذلك ظهرت صور جديدة للتأمين؛ من أهمها التأمين من المسئولية، والتأمين من الحريق كان متقدمًا على التأمين من المسئولية، فيتضمن هذا التأمين مسئولية المستأجر عن الحريق ومسئولية الجار عن الحريق، وكذلك عندما انتشرت الصناعات والآلات الميكانيكية وتعرض العمال لمخاطرها، فكانت هناك الحاجة الماسة إلى التأمين من حوادث العمل؛ نظرًا لما كانت تسببه الآلات المتحركة من حوادث القتل والاعتداء على المنافع البدنية، ومن ثم تأسس في انجلترا سنة ١٨٤٨ أول مكتب للتأمين ضد الحوادث التي يتعرض لها المسافرون بالسكك الحديدية.


١.٢ نشأة فكرة التأمين، وماهية عقد التامين


أما التأمين على الحياة؛ فقد تأخر في الظهور إلى اقتراب القرن التاسع عشر؛ إذ تعرض للهجوم أكثر من غيره من أنواع التأمين، ولكنه ما لبث أن تغلب على معارضيه، وأخذ في الانتشار منذ منتصف القرن التاسع عشر، وذلك بفضل تحسين الأحوال الصحية، وبفضل خبراء التأمين على الحياة.
أما عن تاريخ دخول التأمين على البلاد الإسلامية؛ فإن كثيرًا من علماء المسلمين -ممن كتب في هذا الموضوع- يرى أن دخوله على البلاد الإسلامية كان قريبًا جدًّا؛ بدليل أن فقهاء المسلمين حتى القرن الثالث عشر الهجري لم يبحثوا هذا الموضوع، مع أنهم بحثوا كل ما هو محيط بهم في شئون حياتهم العامة؛ من عبادات ومعاملات وأحوال شخصية وما إلى ذلك.
ويقال بأن أول من كتب فيه من علماء المسلمين هو ابن عابدين، وذلك حينما قوي الاتصال التجاري بين الشرق والغرب عقب النهضة الصناعية في أوربا، وذلك عن طريق التأمين على البضائع المجلوبة من البلاد الأوربية، بواسطة الوكلاء التجاريين الأجانب الذين كانوا يقيمون في بلاد الإسلام لعقد صفقات الاستيراد.
فقد أدخل هؤلاء عقد التأمين إلينا مبتدئًا من التأمين البحري على هذه الصفقات الاستيرادية، وقد وجد العلامة محمد بن عابدين -رحمه الله- مناسبة استطرادية بعيدة جدًّا للبحث في عقد التأمين.


١.٢ نشأة فكرة التأمين، وماهية عقد التامين


ماهية عقد التأمين وتقسيماته
التأمين في اللغة؛ من الأمن، وهو طمأنينة النفس وزوال الخوف، ومنه قول الله -تبارك وتعالى: ((الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)) [قريش: ٤]، وقوله -سبحانه: ((وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا)) [البقرة: ١٢٥]؛ أي المكان الذي يشعر فيه القلب بالسكون والأمان.
فالتأمين هو إعطاء الأمن، كالتعليم الذي هو إعطاء العلم، وكلمة التأمين هي اشتقاق جديد من الأمن، وتطلق على العقود الحديثة المعروفة باسم عقد التأمين، والتي تصدر عن شركات التأمين. أما التأمين اصطلاحًا؛ فهنا نجد أن رجال القانون يفرقون، بين نظام التأمين باعتباره فكرة وطريقة ذات أثر اقتصادي واجتماعي، ترتكز على نظرية عامة ذات قواعد فنية، وبين عقد التأمين باعتباره تصرفًا قانونيًّا ينشئ حقوقًا بين طرفين متعاقدين.
أما عن نظرية التأمين -كما يقول الدكتور السنهوري- فهي تقوم على أسس فنية هي التي تباعد بين نظام التأمين وبين المقامرة والرهان، فالمُؤَمِّن مثلًا يجمع بين أكبر عدد ممكن من المُؤَمَّن لهم، يشتركون جميعًا في التعرض لخطر معين كالحريق أو السرقة أو المسئولية عن الحوادث، أو الوفاة أو غير ذلك من الأخطار، فيضعون ما يتعرضون جميعًا له من خطر في وعاء واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم ساهموا جميعًا في الخسائر التي تنجم عن ذلك.
إذن نستطيع أن نستخلص من ذلك أن نظرية التأمين -على هذا النحو- ليست إلا تعاونًا منظمًا تنظيمًا دقيقًا، بين عدد كبير من الناس معرضين جميعًا لخطر واحد؛ حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم تعاون الجميع في مواجهته بتضحية قليلة، تبذل من كل منهم حتى يتلافوا أضرارًا جسيمة تحيق بمن نزل الخطر به منهم.


١.٢ نشأة فكرة التأمين، وماهية عقد التامين


ومما لا شك فيه أن الإسلام دعا إلى التعاون بين الناس، وبذل التضحيات على أساس من التبرع لا المعاوضة. قال -تعالى- في هذا المعنى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)) [المائدة: ٢]. وقد جاءت الشريعة الإسلامية الغراء بكثير من الصور والأنظمة التي تحقق نظام التأمين، نذكر من ذلك نظام العاقلة مثلًا، الذي يقضي بتوزيع دية القتل الخطأ على عاقلة القاتل أو على عائلة القاتل، وهم الرجال من عشيرته.
أيضًا نجد نظام كفالة الغارمين من الزكاة، وهم المدينون لمصلحة خاصة كالإنفاق على أنفسهم، أو لمصلحة عامة كالإصلاح بين المتخاصمين.
أيضًا نجد نظام كفالة الفقراء والمساكين، وهم الذين لا يجدون ما يسدون به كفايتهم من مطعم ومسكن، وسائر ما لا بد لهم منه.
كذلك نجد نظام كفالة أبناء السبيل من الزكاة، وهم الذين انقطعوا عن أموالهم، وأصبحوا محتاجين إلى المال في ذلك الموضع.
وأيضًا نظام النفقات بين الأقارب حيث يلزم القريب الغني بالإنفاق على قريبه الفقير.
أيضًا نظام التكافل الاجتماعي بين أبناء الحي الواحد والبلد الواحد، كما كان يفعل الأشعريون؛ حيث كانوا إذا أرملوا أو قل طعامهم؛ جمعوا طعام الجميع في صعيد واحد واقتسموه فيما بينهم بالسوية، ولما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- بما فعلوا امتدحهم وقال: ((رحم الله الأشعريين فهم مني وأنا منهم)). هذا عن نظام التأمين كنظام تعاون منظم تنظيمًا دقيقًا جاءت به الشريعة الإسلامية.
ولذلك نجد من يُعرف التأمين على هذا النحو، كالأستاذ الدكتور حسين حامد حسان؛ حيث يقول: "هو تعاون محمود على البر والتقوى، يبر به المتعاونون بعضهم بعضًا، ويتقون جميعًا شر المخاطر التي قد تهددهم".


١.٢ نشأة فكرة التأمين، وماهية عقد التامين


وفي هذا المعنى أيضًا يقول الدكتور الزرقا: "إنه نظام تعاقدي -أي التأمين نظام تعاقدي- يقوم على أساس المعاوضة، الغاية منه التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة، بواسطة هيئات منظمة تزاول عقود التأمين بصورة قائمة على أسس وقواعد إحصائية". كما عُرِّف التأمين باعتباره فكرة ونظام بأنه تعاون مجموعة من الناس؛ لدفع الأخطار المحتملة عن بعضهم البعض، وذلك بتبرع كل منهم بقدر من المال لصندوق تعاوني تديره هيئة فنية متخصصة، تقترح هذه الهيئة مقدار اشتراك كل راغب في التعاون على أسس علمية، بحيث يكفي لإقالة عثرة المتضررين من الأخطار المحتملة.
إذن على هذا النحو السابق يتضح لنا أن التأمين -على هذا المعنى- ليس إلا اتفاقًا تعاونيًّا منظمًا بين مجموعة من الناس؛ بقصد رفع الضرر عن المتضرر، ولا يشك أحد في جواز التأمين بهذا المعنى، إنما الخلاف الذي دب بين الفقهاء كان مصدره الأساسي بعض الوسائل العملية التي ظهرت في الممارسة عند تطبيق نظام التأمين، وأعني بذلك على وجه الخصوص عقود التأمين التي تبرم مع الشركات المساهمة، والتي تحتوي على غرر فاحش، تلك العقود القائمة على المعاوضة، والتي لم يقصد من ورائها إلا الحصول على الربح والكسب. هذا عن عقد التأمين باعتباره فكرة، وهذا هو موقف الشريعة حيال تلك الفكرة.
هناك أيضًا تعريف لعقد التأمين باعتباره نظامًا؛ حيث عُرف بأنه عقد يلتزم المُؤَمِّن بمقتضاه، أن يؤدي إلى المُؤَمَّن له أو إلى المستفيد، الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال، أو إيرادًا مرتبًا، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث، أو تحقق الخطر المبين في العقد، في نظير قسط أو دفعة مالية يؤديها المُؤَمَّن له للمُؤَمِّن.


١.٢ نشأة فكرة التأمين، وماهية عقد التامين


ويتبين من هذا التعريف أن شخصًا ما يتعرض لخطر في شخصه، كما في التأمين على الحياة مثلًا، أو في ماله كما في التأمين من الحريق أو التأمين من المسئولية، فيعمد إلى التأمين على نفسه من هذا الخطر، حيث يتعاقد مع شركة التأمين مقابل أقساط دورية تُقَدَّم لها، نظير أن يتقاضى مبلغًا من المال عند تحقق الخطر، ويطلق على هذا المُؤَمَّن له.
ويجوز أن يشترط دفع المال عند تحقق الخطر لشخص آخر غير المتعاقد معه، ففي التأمين على الحياة مثلًا، قد يشترط المؤمَّن له دفع مبلغ التأمين لزوجته أو لأولاده، فيسمى هذا الشخص المستفيد، أما شركة التأمين أو هيئة التأمين بوجه عام فتسمى المُؤَمِّن.
وهنا يدفع المُؤَمَّن له للمُؤَمِّن عادة أقساطًا سنوية متساوية القيمة، وقد يدفع اشتراكًا دوريًّا يتفاوت مقداره في جمعيات التأمين التبادلية، هذا هو تعريف التأمين في القانون، وهو نفس التعريف الوارد في القوانين المدنية أو التجارية بالدول العربية تقريبًا، مع اختلاف بسيط في صياغته.