٣.١ أحاديث تحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم
أحاديث تحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم
أيضًا هناك من الأحاديث التي قد يساء فهمها من أبناء الإسلام؛ من تلك الأحاديث حديث: ((لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه))، هذا حديث أسيء فهمه إساءة كاملة، رغم أن مفهوم الحديث له ظروف وله ملابسات، ينبغي أن نقف عليها حتى نفهم الحديث فهمًا صحيحًا.
هذا الذي جاء في الحديث مقيد بأيام الصراع والحروب لا بأيام الاستقرار والسلام.
هل من المعقول أن يبيح الإسلام للمسلم الزواج بالكتابية، ولا يبيح له أن يسلم عليها؟ أي منطق وأي قانون وأي دين يقول بذلك؟! إن هذا الكلام لا يقول به عاقل، إلا إذا جانبه الصواب، هذا الكلام لا يقوله فاهم لدينه متأمل لنصوص الكتاب والسنة.
هل من المعقول أن يتزوج المسلم بالكتابية، ويطلب منه ألا يلقي عليها السلام، الذي هو أمان الذي هو اطمئنان، الذي هو استقرار، الذي هو مودة، الذي هو رحمة؟! ليس من المعقول، وهل يمنع الولد من أن يسلم على أمه؟! ليس من المعقول أن يمنع الأولاد من أن يسلموا على أمهاتهم أو على خالاتهم أو على أجدادهم أو على جداتهم؛ لأن الله -تبارك وتعالى- قد أمر بصلة الرحم وإيتاء ذي القربى.
٣.١ أحاديث تحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم
ويؤكد النبي -صلى الله عليه وسلم- على هذا المعنى عندما يقول: ((من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه)) وعندما يقول: ((فليصل رحمه)) لم يقل رحمه المسلم، وإنما جاء الحديث على سبيل العموم، ومن ثم يتناول الحديث الأمر بصلة الرحم؛ سواء كان هذا الرحم من المسلمين أو من غير المسلمين، حسبنا هذا النص القرآني العام المحكم الذي يقول الله -تعالى- فيه: ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الممتحنة: ٨].
حقيقة نص قرآني محكم ينبغي أن يكتب بحروف من نور، ويعلق في منتدياتنا، وفي أماكن اجتماعاتنا؛ حتى تلتفت إليه أنظار المسلمين، وحتى يقفوا على حقيقته، وحتى لا نرى الأمثلة المذمومة من بعض المسلمين تجاه غير المسلمين.
الحق -تبارك وتعالى- جاءت آياته واضحة في القرآن: ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الممتحنة: ٨] ما القسط الوارد في الآية؟ القسط الوارد في الآية هو العدل والبر هو الإحسان ((أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)).
إذن نحن مطالبون بمقتضى هذه الآية بالعدل معهم ومع غيرهم، فالعدل أمر لا يختص بالمسلم والمسلم، وإنما العدل أمر عام وقاعدة مهمة تشمل المسلم وغير المسلم، البر هو الإحسان أمرنا به الحق -تبارك وتعالى- مع الذين لم يقاتلونا في الدين، مع الذين لم يخرجونا من ديارنا.
٣.١ أحاديث تحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم
البر الذي أمرنا به وهو الإحسان هو شيء فوق العدل، إذن الحق -تبارك وتعالى- لم يأمرنا بالعدل فقط، ولكن أمرنا بما هو فوق العدل وهو الإحسان؛ بمعنى: العدل أن تعطي الحق، أما البر أن تعطي فوق الحق، العدل أن تأخذ ما لك من حق، والبر أن تتنازل عن بعض حقك أو عن حقك بأكمله، وهذا ما رغب فيه القرآن أثناء تعامل المسلمين مع غير المسلمين.
ماذا ننتظر من تعاليم الإسلام أكثر من ذلك؟! إنها تعاليم لا ينتظر أن نقف عليها إلا من هذا الدين الحنيف، وإذا كان هناك من عيب، فالعيب ليس في تعاليم الإسلام، وإنما في أتباع الإسلام، ومن ثم فعلى أتباع هذا الدين الحنيف أن يتحققوا من أمر دينهم، ويتثبتوا من فهمهم الصحيح لهذا الدين؛ حتى لا يكونوا سببًا من أسباب اضطهاد غير المسلمين لهذا الإسلام المفترى عليه.
وإذا كنا نتحدث عن إلقاء السلام؛ الذي قد يراه البعض ممنوعًا لغير المسلمين، فإننا نقول: هناك في الشريعة الإسلامية تفصيلات ينبغي الوقوف عليها، فهناك مثلًا: ماذا عن إلقاء السلام على جماعة تتكون من مسلمين ومن غير مسلمين؟ هل يلقى عليهم السلام أم لا يلقى عليهم السلام؟
نقول: أما عن إلقاء السلام على غير المسلمين، الذين يجتمعون مع المسلمين في مجلس من المجالس، فنقول: ليس هناك مانع من إلقاء السلام على مجلس يجتمع فيه المسلم وغير المسلم.
وخير شاهد على ذلك ما صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث ورد ((أنه -صلى الله عليه وسلم- ركب حمارًا حتى مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين ومن المشركين ومن عبدة الأوثان ومن اليهود وفيهم من كذا ومن كذا ومن كذا، وفي المجلس ابن رواحة وعبد الله بن أبي بن سلول، فسلم عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم وقف فنزل)).
٣.١ أحاديث تحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم
لنا في رسول الله أسوة وقدوة حسنة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قوله وفعله وتقريره سنة يجب أن نتمسك بها، يجب أن نقول لأوامر الله وأوامر رسول الله: سمعنا وأطعنا، فإذا رأيناه يسلم على هذا المجلس وفيهم كذا وكذا وكذا، فما المانع لدينا أن نتأسى به وأن نلقي السلام؟! لأن لنا فيه قدوة؛ مصداقًا لقول الله -تبارك وتعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)) [الأحزاب: ٢١].
هذه الأسوة وهذه القدوة هي التي يجب أن نعيها ونعلمها جيدًا؛ حتى لا يساء الفهم عن هذه الشريعة السمحاء، لذلك يتأكد هذا المعنى عندما نجد البخاري يبوب في كتابه لهذا الحديث بعنوان: باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين.
في هذا المعنى أيضًا نجد الإمام النووي، يقول: "السنة إذا مر الإنسان بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم عليهم بلفظ التعميم".
يتضح جليًّا مما قاله الإمام النووي، ومما بوب له البخاري؛ أنه لا حرج ولا إثم ولا مخالفة إسلامية في إلقاء السلام على مجلس يجمع بين مسلم وغير مسلم، ويكفينا في هذا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وقوله.
لكن ماذا عن ابتدائهم بالسلام خاصة إذا كانوا وحدهم؟ يعني في مجلس يجمع بينهم فقط. أيضًا سماحة الإسلام لا تتجزأ، وعدالة الإسلام لا تتجزأ، ومبادئ الإسلام واحدة؛ فإذا كان من تعاليم الإسلام إلقاء السلام على مجلس يجمع بين مسلم وغير مسلم، فكذلك الأمر بالنسبة لمجلس يشتمل على مجموعة من غير المسلمين وفقط؛ حيث يذهب جمع كبير من السلف إلى جواز إلقاء السلام عليهم، ولهم على هذا أدلة قوية في نظرنا؛ من تلك الأدلة:
٣.١ أحاديث تحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم
قول الله -تبارك وتعالى: ((لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الممتحنة: ٨]، أليس من البر، أليس من العدل إلقاء السلام عليهم؟! الآية صريحة وواضحة في أمرنا ببرهم وبالقسط إليهم، ومن برهم إلقاء السلام عليهم.
أيضًا: ((سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)) [مريم: ٤٧] على لسان إبراهيم لأبيه ((سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)) ومعلوم من هو أبوه أو من هو عمه.
أيضًا قول الله -تعالى- آمرًا نبيه: ((فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ)) [الزخرف: ٨٩] هذه آيات من كتاب الله -تبارك وتعالى- سقناها كدليل على أن الإسلام لا يمنع من جواز إلقاء السلام عليهم، سواء كانوا مجتمعين بمسلمين أو منفردين، وقد ذكر القرطبي أن هناك كوكبة كبيرة وعددًا لا بأس به من السلف فعل ذلك؛ منهم: ابن مسعود والحسن والنخعي وعمر بن عبد العزيز، كما ذكر ابن حجر في (الفتح) أن أبا أمامة وابن عيينة فعلا ذلك أيضًا.
هذا كله دليل ينبغي أن يتمسك به أبناء الإسلام، وأن يعوه جيدًا؛ حتى لا يساء الفهم لأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
أيضًا مما يؤيد أنه لا مانع في تعاليم الإسلام من إلقاء السلام؛ أن هناك فهمًا لحديث: ((لا تبدءوهم بالسلام)). لا تبدءوهم بالسلام ربما لنوعية خاصة من غير المسلمين، كانوا على عداوة مع الله أو مع رسول الله أو مع المسلمين؛ إذ السلام كما نعلم هو تأمين وأمان، وما كان من شأن هؤلاء الذين يحادون الله ورسوله ما كان لهم أن يُؤَمَّنُوا، بل ينبغي أن يكونوا غير آمنين لما يحدث من عداوتهم لرسول الله، ومن نكثهم للعهود التي كانت تبرم بينهم وبين المسلمين.
٣.١ أحاديث تحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم
قضية الجزية
هذه القضية من يتدبر الحديث عنها؛ يرى أن للإسلام صحائف مشرقة تؤكد مبدأ العدالة والسماحة لهذا الإسلام، لكن رغم تلك الصحائف المشرقة التي تؤكد مبدأ العدالة وسماحة الإسلام، وبرغم التاريخ الحافل بالتسامح الفذ في شتى صوره ومظاهره، رأينا بعض المستشرقين أثاروا بعض شبهات جمعوها من هنا وهناك، وحسبوها تشوه هذا الموقف الناصع والتاريخ الرائع للإسلام.
والحقيقة أن هذه المسائل التي أثيرت حولها تلك الشبهات ينبغي أن تفهم من أتباع الإسلام، ومن غير أتباع الإسلام خاصة؛ لأنهم لو فهموها على وجهها الصحيح -في إطارها الصحيح- لوجدوا أنها تعتبر مأثرة للإسلام، ولأمة الإسلام في علاقته مع أهل الذمة.
من هذه الشبهات التي أثاروها قضية الجزية، هذه القضية من يقرأ حولها يجد أنها قد غلفت بظلال كئيبة وتفسيرات سوداء، مما جعل أهل الذمة يفزعون من مجرد ذكر اسمها، فهي في نظرهم ضريبة ذل وهوان، هي في نظرهم عقوبة فرضت عليهم مقابل الامتناع عن الإسلام.
وهذا لا شك نظرة غير حقيقية، نظرة زائفة لا أساس لها من أحكام الإسلام وتعاليمه وفلسفته العامة، ولا نقول هذا من فراغ، ولا نقول هذا تحيزًا للإسلام ولتعاليم الإسلام، بل نقول لأجل إحقاق الحق فقط.
فمن نظر إلى الأمم الغالبة قبل الإسلام، وإلى ما كانوا يفرضونه على الأمم المغلوبة لتبين له بوضوح عدل الإسلام وسماحته التي لا نظير لها؛ إذ لو بحثنا عن الجزية، وعن وجه إيجاب الجزية على الذميين لوجدنا أنها بدل عن فريضتين فرضتا على المسلمين، فلم يُقصد عند فرض الجزية أن تكون ضريبة ذل أو هوان، أو أن تكون عقوبة فرضت عليهم مقابل الامتناع عن الإسلام كما يظنون.
٣.١ أحاديث تحدد العلاقة بين المسلم وغير المسلم
ولكن الجزية هي بدل عن فريضتين فرضتا على المسلمين؛ فريضة لها طابع عسكري، وأخرى لها طابع مالي؛ فريضة الجهاد وفريضة الزكاة، وخصوصًا فريضة الجهاد فهي الأقرب إلى أن تكون الجزية بديلًا عنها، ونظرًا للطبيعة الدينية لهاتين الفريضتين لم يلزم الإسلام بهما غير المسلمين.
وعندنا مثال يؤيد هذا الكلام؛ فقد ورد عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه أخذ من نصارى بني تغلب الجزية باسم الصدقة حين طلبوا منه ذلك؛ لأننا ليس لنا فائدة في أن نقول: جزية أو ضريبة، ولا اعتبار لنا بالأسماء؛ إذ المقصود أن يدفعوا ما يدل على إذعانهم لسلطان الدولة الإسلامية.
وزيادة في الإيضاح والبيان ودفعًا لكل شبهة، وردًّا لأية فرية نود أن نسجل ما كتبه المؤرخ المعروف "سير توماس أرنولد" في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) عن الغرض من فرض الجزية، وعلى من فرضت حيث قال: "لم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين -كما يرى بعض الباحثين- لونًا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام.
وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة -وهم غير المسلمين من رعايا الدولة- التي كانت تحول الديانة بينهم وبين الخدمة في الجيش، في مقابل الحماية التي كفلتها لهم سيوف المسلمين، ولما قدم أهل الحيرة المال المتفق عليه ذكروا صراحة أنهم دفعوا هذه الجزية، على شريطة أن يمنعونا وأميرهم من البغي".
فإذن يتضح جليًّا أن الجزية عندما يؤمر بالدفع بها ليست مقابل أنهم لم يدخلوا الإسلام، أو لم يقبلوا تعاليم الإسلام، أو أنه قد قصد بها إذلالهم، أو إيقاع نوع من العقوبة عليهم، بل كانت مقابل عبء يقع على عاتق المسلمين؛ ألا وهو الجهاد والزكاة.