٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
الآية الثالثة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
أيضًا من الآيات التي معنا، والتي قد يساء حولها الفهم، ومن ثم تكون النتيجة المحتومة والمعروفة عند الجميع؛ وهي نظرة متدنية لهذا الإسلام، الآية التي معنا تتمثل في قول الله -تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)) [المائدة: ٥١].
يجب أن يُفْهَم في ضوء السياق وأسباب النزول للآيات أن الآية التي تلي هذه الآية تشير إلى أن اليهود والنصارى كانوا معادين للمسلمين، وكانوا في حالة من القوة والمنعة، بحيث أصبح كثير من المنافقين ومرضى القلوب يحاولون التقرب إليهم، والموالاة لهم على حساب دينهم، وعلى حساب أمتهم، وعلى حساب جماعتهم.
ومما لا شك فيه أنه لا ينازع منصف ولا يشك عادل، ولا يشك فاهم في أن هذا الموقف يكمن على قدر كبير من الخطر على سيادة الأمة، وعلى وحدة الأمة، وعلى تمسك الأمة، خاصة في مرحلة التكوين وفي مرحلة التأثير.
هذه الآية توضح بجلاء موقف المنافق، وموقف مرضى القلوب الذين يستغلون الفرصة ويحسَبون على الإسلام؛ حيث يحاولون التقرب من هؤلاء على حساب دينهم وجماعتهم، وهذا لا شك خطر على سيادة الأمة خاصة في مراحلها الأولى؛ مراحل التكوين والتأسيس للبنيان.
٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
إذ تقول الآية الكريمة التي تلي الآية التي معنا وهي: ((لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى)) [المائدة: ٥١] الآية التي تليها فيها قول الله -تبارك وتعالى: ((فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ، وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ)) [المائدة: ٥٢، ٥٣].
فالواضح من هذه الآية الأخيرة أننا أمام جماعة من المنافقين الانتهازيين المخادعين الذين يخونون جماعتهم، ويوالون أعداء الأمة، ويحلفون لهم كذبًا وافتراء ((إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ))، ولذا يقول القرآن: ((حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ)).
ولا غرو ولا عجب أن من يوالي الأعداء وينضم إليهم، ويلقي إليهم بالمودة على حساب أمته -أمة الإسلام- لا شك أن هذا أمر مُجَرَّم ومحرّم، وأظن أنه لو تم هذا الفهم، ولو تم الوقوف على المعنى الصحيح لهذه الآية لا نجد مخالفة من أحد حول ما نقوله، لا سيما في أوقات الصراع وفي أوقات الحروب، فهو في نظر كل مسلم خيانة، ولا مراء ولا شك ولا يجادل في هذه النتيجة عاقل.
هو في نظر الإسلام ردة، ويتضح هذا المعنى جليًّا في قول الله -تبارك وتعالى: ((وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)) [المائدة: ٥١] إذن لا يشك عاقل في هذه النتيجة أيضًا في نظر الدين لمن ارتكب تلك الجريمة في أنها ردة؛ تصديقًا لقول الحق -تبارك وتعالى: ((وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)) [المائدة: ٥١].
٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
ومن هنا جاءت الآية التالية لتؤكد على تلك الحقيقة، ولتقرر هذه الثمرة؛ ثمرة الفهم الصحيح لآيات القرآن الكريم؛ إذ يقول الله -تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ)) [المائدة: ٥٤].
هذه الآية من يتأمل ومن ينظر ومن يتحقق فيها يقف على حقيقة مهمة؛ هذه الحقيقة تقضي بأن هؤلاء الذين خانوا قومهم وانضموا إلى أعدائهم وارتدوا عن دينهم؛ سيعوض الله الأمة خيرًا منهم، بجيل جديد أو أجيال جديدة على نقيض هؤلاء، وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما يؤكد أيضًا هذه الحقيقة بما لا يدع مجالًا للشك، عندما يقول -صلى الله عليه وسلم: ((الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة)). لا شك أن هناك خيرية لتلك الأمة الإسلامية تتجدد دائمًا وأبدًا؛ حتى تتحقق مقولة النبي -صلى الله عليه وسلم.
ولعل الآيات التي افتتحت بها سورة "الروم" تدل بجلاء على قرب النصارى من المسلمين، فقد قامت حرب بين الدولتين العظيمتين في ذلك الزمن؛ الفرس في الشرق والروم في الغرب، وفيها انتصر الفرس على الروم في أول الأمر، فهنا حزن المسلمون لذلك وفرح المشركون؛ لأن الفرس مجوس يعبدون النار، ويعبدون إلهين للخير وللشر أو للنور والظلمة، فهم أقرب إلى مشركي العرب عبدة الأوثان، أما الروم كانوا نصارى، أهل كتاب، فكانوا أقرب إلى المسلمين.
لذلك حزن المسلمون عندما انتصر الفرس على الروم؛ من منطلق مكانة أهل الكتاب عند المسلمين.
٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
قال الله تبارك وتعالى: ((الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)) [الروم: ١ - ٥].
انظر، تأمل، راقب، افهم؛ كيف بشر القرآن المسلمين بنصر الروم؟ وكيف عبر عن مشاعر المسلمين تجاه ذلك بقوله -تعالى: ((وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ)).
هذا هو موقف الإسلام المبدئي من أهل الكتاب عامة، ومن النصارى خاصة، هذا هو الموقف الذي نحرص كل الحرص على أن يفهمه أتباع الإسلام، ويتفهمه اليهود والنصارى، خاصة النصارى، لكن هذا لا يمنع أن نجد آيات من القرآن الكريم تنتقد اليهود أو النصارى، أو أهل الكتاب عامة فيما حرفوا من كتبهم، وما بدلوا من عقائدهم، وما غيروا من شرائع أنبيائهم، فالقرآن الكريم قد جاء مصدقًا ومتممًا للتوراة والإنجيل، كما أعلن ذلك في آيات كثيرة، كما جاء أيضًا مصححًا لها أو بتعبير آخر جاء مهيمنًا عليها، كما قال -تعالى: ((وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ)) [المائدة: ٤٨].
هذا لا يمنع أيضًا أن ينتقد القرآن الكريم مواقف أهل الكتاب؛ خصوصًا اليهود من دعوة الإسلام، ومن رسول الإسلام، ومن أمة الإسلام، ومع هذا يأمر الرسول وكذا المسلمين بالعفو وبالصفح.
٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
القرآن الكريم جاءت آياته تتضمن أيضًا أمرًا لرسول الله وكذا أمرًا للمسلمين بالعفو والصفح، كما في قول الحق -تبارك وتعالى: ((وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [البقرة: ١٠٩]؛ أي: حتى يأتي الله بأمره، أي: حتى يشرح الله صدور هؤلاء للإسلام، أو حتى يروا انتصار الإسلام وعلو كلمته أمام أعينهم.
وقد أكدت سورة المائدة -وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم- هذا المعنى في قول الله -تبارك وتعالى- في شأن بني إسرائيل، وقد نقضوا ما أخذه الله عليهم من ميثاق: ((فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [المائدة: ١٣].
هذا هو الإسلام المفترى عليه، هذه هي تعاليم الإسلام، هذه هي الشريعة الإسلامية السهلة، فرغم ظهور الخيانة من أكثرهم إلا أنه قد جاء الأمر بالعفو وبالصفح، وهذا من الإحسان الذي يحبه الله -تبارك وتعالى- مع ملاحظة أن هذا في نفس السورة التي نهت عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.
هنا نلاحظ أن القرآن حين دان بني إسرائيل قال: ((وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) [المائدة: ١٣]، وهنا من يتأمل ومن يتدبر ومن يريد أن يفهم فليفهم الإسلام الصحيح، وليفهم العلاقة التي بين الآيات حتى يكون منصفًا في التعامل، حتى مع المسلم، حتى مع غير المسلم.
٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
إن هذه الآية جاءت في الحقيقة وأسست منهجًا عظيمًا في الإسلام، منهجًا مهمًّا في الإسلام، ينبغي أن يقف كل مسلم على هذا المنهج؛ حتى لا يساء إلى الإسلام، هذا المنهج بوضوح يتمثل في العدل، ليس العدل بين المسلم والمسلم، إنما العدل مع الخصوم على سبيل الإطلاق.
وليس العدل في حالة واحدة نحن نطالب به، وإنما العدل في جميع الحالات؛ في الرضا وفي الغضب، في اليسر والحزن، في الاختيار، في الطواعية، في الإكراه، منهج قام عليه الإسلام، هو منهج مهم وآكد، ينبغي أن يعيه كل مسلم؛ حتى لا يَضل ولا يُضل.
ولذلك استثنى الحق -تبارك وتعالى- فقال: ((إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ)) [البقرة: ٢٤٦] وهذا هو نهج القرآن معهم؛ ففي سورة آل عمران -بعد أن تحدثت عن بعض مساوئهم التاريخية وقتلهم الأنبياء بغير حق- ماذا قال القرآن؟ قال: ((لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ)) [آل عمران: ١١٣ - ١١٥].
٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
الآية الرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
ننتقل بعد ذلك إلى موقف آخر وإلى آية أخرى، من الآيات التي قد يساء فيها وحولها الفهم؛ وهي قول الله -تبارك وتعالى: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى)) [البقرة: ١٢٠] فهذه من الآيات التي تذكر كثيرًا بين أبناء الإسلام، بين أتباع الإسلام، وللأسف يساء حولها الفهم ولا تفهم بمعناها الصحيح؛ ولذلك يساء فهمها في العلاقة بين المسلمين من ناحية، واليهود والنصارى من ناحية أخرى، كثيرًا ما يتردد على ألسنة الناس: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)) [البقرة: ١٢٠].
تتردد هذه الآية على ألسنة الكثير من الناس حتى من المتدينين من المسلمين، لكن لا يتدبرون الآيات ولا يتأملون النصوص بعمق؛ لذلك عندما تتردد هذه الآية على ألسنة الكثير من الناس -خاصة المسلمين- يجد الكثير منهم في هذه الآية حائلًا دون التفاهم والتعايش والتصالح مع اليهود والنصارى، الحقيقة هذا ليس بصحيح، ولا ينبثق هذا التفكير عن فهم سليم لتلك الآية الكريمة؛ لعدة أمور، من تلك الأمور:
أن الآية الكريمة جاءت خطابًا خاصًّا للرسول -صلى الله عليه وسلم- ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ)) [البقرة: ١٢٠] من ينظر إليها ولا أقول يمعن النظر؛ فإنه يستطيع أن يقف على حقيقة واحدة؛ وهي أن هذه الآية خطاب خاص بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم تجئ الآية بلفظ عام من ألفاظ العموم المعروفة؛ حتى يساء فهمها، وحتى تؤخذ كتكأة نستدل بها على عدم التعايش مع غير المسلمين، الفهم الصحيح يخالف ذلك.
٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
كما قلت الآية خاصة، وليس فيها لا من قريب ولا من بعيد ما يفيد العموم؛ إذ جاءت الآية خالية من ألفاظ العموم المعروفة، أيضًا لو سلمنا بأن الآية خطاب للجميع، وهذا طبعًا خلاف ما يفهم من نص الآية.
لكن أقول: لو سلمنا جدلًا بأنها خطاب للجميع؛ فإنها لا تدل على أكثر من عدم رضاهم عنا الرضا الكامل، أو الرضا المطلق حتى نتبع ملتهم، وهذا شأن كل ذي ملة متمسك بملته حريص عليها، ونحن كذلك لا نرضى عنهم تمام الرضا حتى يتبعوا ملة الإسلام، فهذا موقف طبيعي ومتبادل بين أهل الملل جميعًا.
إذن بهذا الفهم الصحيح لتلك الآية الكريمة يتضح أننا لو تمسكنا بها على فهمنا غير الصحيح كنا على غير الحق؛ إذ الآية كما هو واضح لا تحمل أكثر من معنى هو عدم رضاهم عنا الرضا الكامل، أو الرضا المطلق، وهذا ليس بمرجو منهم، كما ليس مرجوًّا منا تجاه هؤلاء.
ولذلك يتأكد هذا المعنى في قول الله -تبارك وتعالى: ((وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ)) [البقرة: ١٤٥]، هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يقف عليها المسلم؛ حتى يؤدي خدمة لدينه في وقت -كما كررت أكثر من مرة- الدين في حاجة إلى تلك الخدمة؛ حتى تصحح تلك المفاهيم، وتلك المواقف المغلوطة عن هذا الدين وعن أتباع هذا الدين.
أضف إلى ذلك؛ أن الهدف عندنا ليس هو إرضاء اليهود والنصارى، حتى يكون عدم رضاهم علينا حجر عثرة في طريقنا، أو عائقًا يحول دون تفاهمنا وتعايشنا.
٢.١ الآية الثالثة والرابعة من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
ومما يدل على هذا أيضًا أن الهدف ليس عندنا هو إرضاء اليهود والنصارى، حتى يكون عدم رضاهم حجر عثرة في طريقنا، أو هو عائق يحول دون التفاهم والتعايش مع غير المسلمين، بل هناك هدف أسمى وأنبل من ذلك؛ هذا الهدف هو إرضاء الله -تبارك وتعالى- قبل كل شيء، بصرف النظر عن رضا هؤلاء عنا أو عن سخطهم علينا.
ولن نبيع رضوان الله -تبارك وتعالى- برضا أي مخلوق كان، ولا بأي ثمن مادي أو أدبي، حتى لو وضعوا الشمس في أيماننا والقمر في شمائلنا، ما ينبغي على المسلم أن يفرط مثقال ذرة في ابتغاء مرضاة الله -تبارك وتعالى.
إذن بان الأمر جليًّا وواضحًا من الهدف، وأنه ليس إرضاء اليهود والنصارى، بل الهدف الأسمى هو إرضاء الحق -تبارك وتعالى- قبل كل شيء، ولا ينبغي أن نحيد عن هذا الهدف، ولا نعطي بالًا ولا أهمية لرضا الناس أو لعدم رضاهم؛ لأننا لا يحق لنا ولا ينبغي أن نبيع رضوان الله برضا أي مخلوق أيًّا كان قدره، وهذا هو الشأن في كل مسلم، ينبغي أن يكون حريصًا كل الحرص على عدم التفريط -ولو مثقال ذرة- في ابتغاء مرضاة الله -سبحانه وتعالى.
أضف إلى ذلك أن الإسلام برغم وجود هذه الآية: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى)) [البقرة: ١٢٠] لم يمنع المسلم أن يؤاكل اليهودي أو النصراني، وأن يصاهره فيتزوج ابنته أو أخته أو قريبته، وينجب منها أولادًا يبرون أمهاتهم وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم؛ أي: أنجال يعاملون ذوي الأرحام بما يجب أن يعاملوا به، أنجال ينبغي أن يعاملوا أولي القربى بما يجب أن يعامَلوا به؛ من الحب والمودة ومن التراحم؛ لأن هؤلاء يعلم الإسلام كل العلم أن لهم من الحقوق والحرمات ما لغيرهم من المسلمين والمسلمات.