١.١ الآية الأولى والثانية من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
الآية الأولى من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
لا شك أن التعامل مع غير المسلمين يتوقف على فهم مجموعة من الآيات والأحاديث النبوية، وكذلك يتوقف على فهم بعض الأنظمة في الإسلام، هذه الأنظمة للأسف قد يساء فيها الفهم، ومن ثم يترتب على إساءة الفهم عند بعض المسلمين تداخل في الحديث عن علاقة المسلم بغير المسلم، أما الآيات والأحاديث التي قد يساء فهمها؛ فمنها: قول الله -تعالى: ((لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [المجادلة: ٢٢]
فإذا تناولنا الحديث عن قول الله -تبارك وتعالى: ((لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [المجادلة: ٢٢]، فمن الناس من اتخذ من قول الله -تعالى- في سورة المجادلة: ((لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ)) [المجادلة: ٢٢] من الناس من اتخذ منها -أي من هذه الآية- دليلًا على أن الإسلام ينهى عن أن يبر المسلم غير المسلم بصفة مطلقة.
والحقيقة أن هذا فهم خاطئ، وفهم غير صحيح لهذه الآية ولما تضمنته هذه الآية وللظروف والملابسات المتعلقة بهذه الآية.
فنحن لسنا منهيين عن بر غير المسلمين والإقساط إليهم طالما أنهم مسالمون لنا، إنما المنهي عنه في تلك الآية هو موادة من حاد الله ورسوله؛ أي: من حارب الله ورسوله وشاق الله ورسوله، فهذا لا شك شخص معاد للإسلام ولأهل الإسلام.
ولكن كيف يُطالب المسلم أن يظهر له المودة والمحبة؟
١.١ الآية الأولى والثانية من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
إن من البدهيات، والتي ينبغي ألا يكون فيها جدال: أن شخصًا بينه وبين الله وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم شقاق وجدال وتنكر؛ لا شك أن هذه عداوة للإسلام ولأهل الإسلام، ومن ثم فلا يقول عاقل بمودة هؤلاء.
فنحن في مجتمعاتنا المحدودة، وفي علاقاتنا ببعضنا لو أن هناك سوء فهم بين مسلم ومسلم فإنه لا شك أنه سوف يقاطعه، وسوف يقطع علاقته به حتى ولو كان لفترة محدودة؛ لأنه في رأي كل منهم أنه قد أوذي من الطرف الآخر، فماذا إذا كان الإيذاء وإذا كانت العداوة لله ولرسوله؟! فمن باب أولى أنه يجب أن تكون هناك مقاطعة، وألا تكون هناك علاقة سوية، ولا إجحاف في ذلك ولا ظلم في ذلك إذا ما تم هذا الفهم الصحيح، وترتب ما ترتب عليه من المقاطعة ومن عدم المودة، ولكن كل ما في الأمر أن هناك إساءة فقط للفهم.
ولذلك أجاز الشرع الإسلامي للمسلم أن يتزوج من الكتابية، فهذا أبلغ دليل على أن الإسلام دين الوسطية دين الاعتدال، لا يعادي أحدًا حتى ولو كان من غير أتباعه، طالما لم يرتكب هذا الأحد إساءة لتعاليم الإسلام.
والزوجية في نظر الإسلام- كما يعلم الجميع- لا بد أن تقوم على أسس وأركان، ومن أهم تلك الأركان والأسس المودة والرحمة، ويتجلى هذا المعنى جليًّا في قول الله -تبارك وتعالى: ((وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم: ٢١].
١.١ الآية الأولى والثانية من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
هذه هي أسس الإسلام الواضحة العامة، التي تشتمل على موادة وعلى رحمة وعلى السكن، ولم تكن قاصرة في يوم من الأيام على الزواج من مسلمة فقط، وإنما تتعدى إلى الزواج أيضًا من الكتابيات، فإذا كانت تعاليم الإسلام وأهداف الزواج وأسسه تقوم على قدر كبير من السكن، وقدر كبير من المودة والرحمة، فهي عامة وغير مقصورة على الزواج من المسلمة، وإنما تتعدى الزواج من الكتابيات أيضًا. وهذا هو شأن الإسلام وشأن دعوة الإسلام، دعوة عامة ومنهج معتدل ولا خلاف في ذلك.
ويتضح هذا المعنى بجلاء فيما قاله ابن عباس: "لا يجوز زواج الكتابية إذا كانت من قوم معادين للمسلمين"؛ لأن الزواج من الكتابية -خاصة إذا كانت من قوم معادين للإسلام- لن يحقق الهدف الذي من أجله تم الزواج؛ وهو السكن والمودة والرحمة، وهذا أوضح دليل على أن تلك المودة والرحمة والسكن يطالب به المسلم في جميع أحواله.
واستدل العلماء لهذا بقول الله -تبارك وتعالى: ((لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [المجادلة: ٢٢] المفروض في الحياة الزوجية ما أثبتته الآية الأخرى المتمثلة في قول الله -تبارك وتعالى: ((وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)) [الروم: ٢١].
١.١ الآية الأولى والثانية من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
إذن يتضح بجلاء، ومما لا يدع مجالًا للشك فيه أن آية: ((مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) [المجادلة: ٢٢] تعني الأعداء المحاربين للمسلمين، هذا هو التخصيص، وهذا هو الفهم الصحيح الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم تجاه آيات القرآن الكريم، وتجاه الأحاديث النبوية الشريفة؛ حتى لا يساء الفهم، وحتى لا يساء للإسلام ويتهم الإسلام بأنه دين كذا ودين كذا ودين كذا، وهذا لا شك أن هذا الفهم وهذا الاتهام غير صحيح، ومرده أن يفهم المسلم القرآن الكريم فهمًا صحيحًا.
ولا ينبغي أن يتصدى كل مسلم للفتوى إلا إذا توافرت فيه شروط الفتوى، لكن للأسف الآن أصبح يقوم بالفتوى من توافرت فيه الشروط ومن لم تتوافر فيه الشروط.
وقد أدى هذا إلى نظرة غير طيبة وغير سوية لهذا الدين الإسلامي، ولأتباع هذا الدين الإسلامي، والإسلام منها بريء، وأتباع الإسلام أيضًا برآء من ذلك.
الآية الثانية من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
هناك آية أخرى؛ هذه الآية يقول الله فيها: ((لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ)) [الممتحنة: ١] حيث تؤكد هذه الآية وهي قول الله -تبارك وتعالى: ((لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ)) [الممتحنة: ١] تؤكد هذه الآية الفهم الصحيح الذي ينبغي أن تُفهم فيه، أو على أساسه الآية الأولى؛ حيث عبرت الآية بأن أعداء الله وأعداء المسلمين هم الذين يستحقون المقاطعة، ويستحقون عدم المودة؛ لأن هؤلاء هم أعداء لله وأعداء للمسلمين؛ ((عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ)).
١.١ الآية الأولى والثانية من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
وليس مقبولًا أن يعادوا الله ورسوله والمؤمنين، ويقابل هذا العداء بالولاء أو بالمودة أو بالرحمة، ليس هذا مقبولًا في مجتمع البشر، وليس هذا مقبولًا في قانون البشر؛ أن يعادي أحد من البشر الآخر، والآخر يقابل هذه المعاداة بالمودة أو بالرحمة.
ومع ذلك ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين أروع الأمثلة في كظم الغيظ وفي العفو عن الناس، عندما شاء الله للإسلام أن ينتصر ويدخل محمد -صلى الله عليه وسلم- فاتحًا.
وهنا ينظر إليه أهل مكة وكأنهم يتوقعون أن يكون هناك رد لما قدموه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الإيذاء ومن الاضطهاد له ولأصحابه، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- يضرب للمسلمين أروع الأمثلة؛ إذ ما فعله تشريع عندما يقول: ((ماذا تظنون أني فاعل بكم؟)) قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم.
فهنا يعلنها -صلى الله عليه وسلم- صراحة: ((انطلقوا لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين))، فكانت النتيجة الطبيعية لهذا الصفح الجميل، ولهذا الخلق الطيب أن دخلوا في دين الله أفواجًا، وفي هذا المعنى يتحقق قول الحق -تبارك وتعالى: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)) [آل عمران: ١٥٩].
هذا هو خلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذه هي تعاليم الإسلام، حتى لمن عادوا الله وعادوا رسول الله وعادوا أتباع الإسلام.
آن للمسلمين أن يستيقظوا من رقدتهم، ويتأسوا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفهم الصحيح لتعاليم الدين الحنيف ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)) [الأحزاب: ٢١] وقدوة حسنة، هذه هي الأسوة، وتلك هي القدوة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
١.١ الآية الأولى والثانية من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
يعامل من اضطهدوه ومن أخرجوه من أحب بلاد الله إليه بالعفو وكظم الغيظ؛ لأنه يضع نصب عينيه قول الله -تبارك وتعالى: ((وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤].
هذه هي أخلاق الإسلام، وهذه هي شريعة الإسلام التي ينبغي أن تفهم فهمًا صحيحًا من أتباع الإسلام؛ حتى لا يساء إلى الإسلام الصحيح، وينبغي أيضًا أن يكون هذا الفهم لغير أتباع الإسلام؛ حتى يُفهم لدى الجميع هذا الإسلام -هذا الدين الحنيف- فهمًا صحيحًا، وحتى تتحقق الفائدة المرجوة من هذا الدين؛ وهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
هذه الآية التي معنا، وهذه السورة من يتأمل ما جاء فيها يجد أنها تقرر قاعدة من أعظم قواعد السلوك، والتعامل مع المخالفين حتى ولو كانوا أعداء، هذه القاعدة تتمثل في أن العداوة ليست أمرًا دائمًا وأبديًّا بالضرورة؛ فقد تتحول العداوة إلى مودة، وكما يقال: دوام الحال من المحال.
هذه العداوة التي قد توجد أو قد نراها، يشير الفهم الصحيح لهذه الآية أنه ليس بالضرورة أن تظل هذه المعاداة إلى الأبد، وإنما سنة الله في خلقه التغيير والتحويل والتبديل، حتى تتحقق تلك المقولة بجلاء: دوام الحال من المحال.
١.١ الآية الأولى والثانية من الآيات التي تحدد علاقة المسلمين بغير المسلمين
وهذا ما قررته السورة، بل ما أكدته السورة بصيغة الرجاء، عندما يقول الله -تبارك وتعالى: ((عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [الممتحنة: ٧]؛ أي: والله قدير على تحويل القلوب من كراهية إلى مودة، والله غفور رحيم يعفو عما سلف ويسامح عباده فيما مضى.
آن الأوان للمسلمين، آن الأوان للمتصدين للفتوى، خاصة الذين لم تتوافر فيهم شروط الفتوى -أن يفيقوا من رشدهم، ولا يتعرضوا لإضلال أنفسهم ولإضلال غيرهم؛ لأن هذا من شأنه أن يسيء الفهم عن الإسلام.
وما نسمع عنه في تلك الأيام وما نراه ليس بخاف عن الجميع، إنما مصدره كما يعلم الجميع فتوى غير صحيحة تصدر من شخص غير مستوف لشروط الفتوى، فتكون النتيجة أن يعاب في الإسلام، وأن يعاب في أتباع الإسلام، آن الأوان ألا يكون الإسلام ومبادئ الإسلام كلأً مباح يَرِدُه من له فيه ومن ليس فيه.