١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة


مقاصد الشريعة في القرآن

لقد وضع الله -سبحانه- الشريعة لمصالح العباد في الدنيا والآخرة؛ فهي شريعة تهدف إلى تحقيق مقصد عام؛ هذا المقصد العام هو: إسعاد الفرد والجماعة، وحفظ النظام، وتعمير الدنيا بكل ما يوصلها إلى مدارج الخير والكمال، وأصبح من المقرر شرعًا وعقلًا واعتقادًا وعملًا ونصًّا واجتهادًا وإجمالًا وتفصيلًا، فالقرآن الكريم ينطوي على أرقى المقاصد وأكبرها، وأعلى المصالح وأعظمها.

فمن القرآن الكريم تُستفاد مقاصد الشارع الحكيم من عدة أشياء: من إرسال الرسل؛ ومقاصد الشارع من تنزيل الكتب؛ هذا نستفيده من القرآن الكريم. وبيان العقيدة والأحكام نستفيده من القرآن الكريم، وتكليف المكلفين ومجازاتهم، وبعث الخلق في الآخرة والحياة والكون والوجود كل ذلك مقاصد للشارع الحكيم استفدناها من القرآن الكريم صراحة أو ضمنًا أو من خلال هديه وتعاليمه، أو من خلال توجيهاته وأسراره.

ومن الآيات الدالة على مقصد الشارع الحكيم ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: ٥٦]، ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)) [المؤمنون: ١١٥]، ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)) [الإسراء: ٩]، ((رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)) [النساء: ١٦٥] فالقرآن كتابُ هدايةٍ وإصلاح، وإرشادٍ وإسعاد في العاجل والآجل جملة وتفصيلًا.


١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة


ومن التشريعات الجزئية التيمم ففي الجزئية الخاصة بتشريع رخصة التيمم نجد الجانب المقصدي فيها: أنّ الله -سبحانه وتعالى- قاله ووضحه، بأنه لا يُريد أن يوقع الأمة في الحرج؛ حينما لا تَجِدُ الماء للوضوء؛ فأوجد لها هذه الرخصة أو شرع لها هذه الرخصة.

قال تعالى في الصيام: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [البقرة: ١٨٣] فالمقصد واضح من تشريع الصيام لعلكم تتقون، والكلام في ذكر التقوى بعد تشريع الصيام وأنه "كُتب" بمعنى "فُرضَ" واضح معنى مقصدي من وراء تشريع الصوم وهو التقوى.

قوله تعالى في الصلاة: ((إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)) [العنكبوت: ٤٥] أي أن الله -سبحانه وتعالى- بتشريعه للصلاة فيه قصدٌ من تشريع الصلاة، وهو أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فالجوانب المقاصدية واضحة في هذه الآيات التي ذكرناها في العبادات.

أيضًا في الجهاد قال تعالى: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا)) [الحج: ٣٩] كأن الله -سبحانه وتعالى- في وقت من الأوقات لم يأذن للمسلمين بالقتال، ولكن عندما وصل الأمر إلى حد معين أذن لهم أن يقاتلوا، وكان القصد من هذا التصريح أنهم ظلموا؛ والظالم يدفعُ الظلم عن نفسه وعن الوقوف في سبيل دعوته ونشره بين الناس.


١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة


وقد حظيت آيات الأحكام عبر تاريخ الفقه، وعبر تاريخ الاجتهاد باهتمام متزايد؛ حتى إنه في هذا المعنى خرجت على يد كثير من العلماء تفاسير تجعلُ اهتمامها الأول هو آيات الأحكام كتفسير الإمام القرطبي والإمام ابن العربي.

حيث كان همهما الأول في تفسير هذه الآيات بيان الأحكام الفقهية، ثم استخرجوا من الآيات التي ذكروا أحكامها علل هذه الأحكام وأسرارها ومقاصدها؛ فكان لهذا الذكر أثره في توظيف ذلك في تطوير كثير من المباحث الشرعية، والدراسات الأصولية؛ التي تدور في فلك الأقيسة والتعليل، والتقعيد، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع. وهذا كله يؤدي إلى تأكيد مكانة النظر المقاصدي أو النظر إلى القصد من وراء هذه التشريعات التي تناولها الفقهاء والعلماء، الذين استخرجوا علل الأحكام, ملحقينها بالحكم الشرعي للمسألة؛ التي وضع لها حكم شرعي. ومن المباحث التي تشير إلى المقاصد النسخ، فالمقصد من النسخ التدرج، لأن النسخ قد يكون انتقال من الأثقل إلى الأخف، وقد يكون من الأخف إلى الأثقل، فالنسخ يقصد إلى عدم مفاجأة المكلفين بما يرونه تحولًا مخالفًا لواقعهم وحياتهم، ومصادمًا لمألوفهم وعاداتهم، فيسير معهم على سنة التدرج حتى لا يفاجئوا بشيء يرونه مخالفًا تمامًا لواقع الحياة التي يعيشونها، ومصادمًا لأعرافهم ومألوفهم.


١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة


مقاصد الشريعة في السنة

تظهر المقاصد الشرعية للسنة من جهة كونها جاءت مبينة لأحكام القرآن، وشارحة، ومدعمة لهذه الأحكام،ومن جِهة كونها مُبرزةً لمقاصد القرآن وأسراره، فمن السنة تبينت الخصائص العامة للشريعة الإسلامية؛ من هذه الخصائص التي جاءت في السنة، وتبيناها منها، هي: الوسطية والاعتدال، والواقعية والشمول، والتيسير والسماحة، والرفق والتخفيف، وإرادة الصلاح والخير، والنماء والإسعاد.

وأبرز شاهد علي ذلك قوله تعالى في حق نبينا -صلى الله عليه وسلم: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: ١٠٧] فليست كلمة "رحمة" في الآية سوى تصريح بمقصد عال، يندرج تحته ما لا يُحصى من المقاصد الفرعية وهذا إجمالًا.


١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة


وأما من ناحية التفصيل فهُناك الكثير من النصوص والوقائع النبوية، التي وردت مقرونة بعللها وأحكامها وأسرارها ومقاصدها،فمن هذه النصوص ((إن الدين يُسرٌ، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه؛ فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)). هذا الحديث تضمن المقاصد الآتية:

إقرار التيسير في قوله: ((إن الدين يسر)).

أيضًا من النصوص: ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: ((ما خُيّر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا)). فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، ومقاصد هذا الحديث تقوم على اعتماد التيسير والرفق والتخفيف في الأمور كلها، ما لم يكن إثمًا، ومن ذلك اختيار الأخف على الأشد في العبادة؛ فيما خير فيه المؤمنون رفقًا بهم، وإبعادًا لما يشق عليهم، ولما يؤدي بهم إلى ترك العبادة كلها.


١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة


من الوقائع النبوية: "نهيه- صلى الله عليه وسلم- عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام". وبيانه المقصد من ذلك يعني كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يبين المقصد من هذا الأمر الذي ننقل الواقعة فيه؛ قصد النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام سَدّ حَاجَةِ جماعة الأعراب القادمة إلى المدينة، وانتفاعها بتلك اللحوم؛ ثم أباح لهم الادخار فيما بعد ذلك لما انتفت حاجتهم إلى اللحوم، وكان مقصد الادخار متمثلًا في ضمان سلامة اللحوم من التعفن للاستفادة منها في وقت الحاجة.


١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة



١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة



١.٣ مقاصد الشريعة في القرآن والسنة