٢.١ تقسيمات الحق المختلفة


الحقوق باعتبار عموم النفع وخصوصه

والحق ينقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:
حق الله تعالى
وحق العبد
وحق مشترك بينهما

حق الله تعالى

أما حق الله تعالى، وهو الحق العام؛ وهو ما يقصد به إما التقرب إلى الله تعالى وتعظيمه وإقامة شعائر دينه، و يقصد به تحقيق النفع العام من غير اختصاص بأحد من الناس، ونسبة الحق إلى الله تعالى هنا إنما جاءت لعظم خطر هذا الحق وعموم نفعه وشموله، ويدخل فيه ما يقال عليه: حق المجتمع الآن بلغة العصر.


٢.١ تقسيمات الحق المختلفة


وهذا الحق أنه لا يجوز إسقاطه بعفو ولا بصلح ولا بتنازل؛ فلا يسقط حد الزنى بعفو الزوج أو غيره أو إباحة المرأة نفسها، وكذلك حد السرقة لا يسقط بعفو المسروق منه عن السارق كما أنه لا يورث.

وهذا الحق يجري فيه التداخل ويُقصد به أنه لو أن شخصًا ارتكب حدًّا من حدود الله عقوبته الجلد ثمانين جلدة مثل القذف، ثم قبل أن يقام عليه حد القذف ارتكب جريمة أيضًا عقوبتها الجلد وليكن مثلًا شرب الخمر؛ هذان الجريمتان عقوبتهما الجلد فتتداخل العقوبة هنا بمعنى أنه يكتفى بأحدهما، وأضيف أيضًا أنه لو حدث أن الشخص الذي ارتكب هاتان الجريمتان ارتكب جريمة ثالثة كالزنى وكان غير محصن فإنه يترتب على ارتكابه لهذه الجريمة الجلد مائة جلدة؛ فصرنا أمام ثلاث جرائم لها عقوبات متشابهة وهي الجلد فتتداخل هذه العقوبات، ويطبق أعلاها وهو حد الجد مائة جلدة.

حق العبد

وأما حق الإنسان أو حق العبد؛ فهو ما يقصد به أو منه حماية مصلحة الشخص، وقد يكون هذا الحق عامًّا كالحق في المحافظة على الصحة والمال وتحقيق الأمن وقمع الجريمة ورد العدوان وحق البائع في الثمن والمشتري في المبيع ونحو ذلك،ويجوز لصاحبه التنازل عنه وإسقاطه بالعفو أو الصلح، ويجري فيه التوارث، ولا يقبل التداخل فتقرر فيه العقوبة على كل جريمة على حدة.


٢.١ تقسيمات الحق المختلفة


الحق المشترك

وأما الحق المشترك؛ فهو الحق الذي يجتمع فيه الحقان حق الله وحق العبد، لكن الفقهاء أشاروا في هذا الخصوص أن هذا الحق إما أن يغلب فيه حق الله أو حق العبد، أو يغلب أحدهما على الآخر.

فمثال تغليب حق الله على حق العبد عدة المطلقة هذه فيها حقان حق الله وهو صيانة الأنساب عن الاختلاف، وحق العبد وهو المحافظة على نسب ولده، وهذا لأن في صيانة الأنساب عن التداخل وعن الاختلاف نفعًا عامًّا لكل المجتمع وهو حمايته من الفوضى.

ومثال ما يغلب فيه حق العبد على حق الله حق القصاص؛ حق القصاص الثابت لولي المقتول هذا فيه حقان حق الله وهو تطهير المجتمع عن جريمة القتل النكراء التي تسبب فسادًا في الأرض، والحق الشخصي وهو شفاء غيظه وتطييب خاطره ونفسه قِبَل القاتل؛ لأنه اعتدى على قريب له ابنًا أو أخًا فيظل في غيظ، فشفاء غيظه أن يستوفي حقه ممن قتل قريبه، هذا الحق وهو حق العبد أو الشخص هو الغالب لأنه مبنى القصاص على المماثلة؛ لقوله تعالى: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)) [المائدة: ٤٥]، والمماثلة الواضحة من الآية من كلمة النفس بالنفس ترجح هنا حق العبد.


٢.١ تقسيمات الحق المختلفة


الحقوق باعتبار قابليتها للإسقاط وعدم الإسقاط، كذلك باعتبار العبادات والعادات

تنقسم الحقوق بهذا الاعتبار إلى قسمين:
حقوق تقبل الإسقاط
وحقوق لا تقبل الإسقاط

وهذا التقسيم باعتبار الشخص صاحب الحق الشخصي أو حق العبد؛ لأنه صاحب الحق الذي يملك إسقاطه إن كان مما لا يقبل الإسقاط، أو لا يملك إسقاطه؛ لأنه لا يقبل الإسقاط.

الأصل أن جميع الحقوق الشخصية تقبل الإسقاط؛كحق القصاص وحق الشفعة وحق الخيار في البيع، وهذا الإسقاط قد يكون بعوض وقد يكون بغير عوض، وأما الحق الذي لا يقبل الإسقاط؛ الحقوق التي لم تثبت بعد ولكنه بصدد ثبوته فيما بعد كإسقاط الزوجة حقها في المبيت والنفقة المستقبلة، كذلك أيضًا إسقاط المشتري حقه في خيار الرؤية قبل الرؤية، وإسقاط الوارث حقه في الاعتراض على الوصي حال حياة الموصي مثلًا هذا حق لا يقبل الإسقاط.


٢.١ تقسيمات الحق المختلفة


من هذه الحقوق أيضًا الحقوق المعتبرة شرعًا من الأوصاف الذاتية الملازمة للشخص كإسقاط الأب أو الجد حقهما في الولاية على الصغير؛ فإن الولاية وصف ذاتي لهما؛ يعني الشارع أوجبها على ذاتهما وثابتة لهما شرعًا؛ لهما: أي للأب أو الجد في الوصاية على الصغير لا تسقط هذه الولاية بإسقاطهما.

كذلك أيضًا من الحقوق التي لا تقبل الإسقاط على سبيل الاستثناء من الأصل العام وهو جواز إسقاط الحق إذا كان شخصيًّا الحقوق التي يتعلق بها حق للغير؛ مثالها: كأن تسقط الأم حقها في الحضانة، والمسروق منه حده في حق السارق؛ لأن هذه الحقوق مشتركة، وإذا كان للإنسان ولاية على إسقاط حقه فليس له ولاية على إسقاط حق الغير حيث لا يجوز إسقاط حق رعاية الطفل كما لا يجوز إسقاط الحد عن السارق.

فالحدود أقيمت لإصلاح المجتمع؛ ومن حق المجتمع أو حق الشرع أن يقيم حد السرقة على هذا السارق, وليس للمسروق منه أن يسقط هذا الحق.

تقسيم الحق من حيث الاستيفاء

وهذا التقسيم يدخل العبادات والعادات فأما العبادات فالاستيفاء بأدائها على الوجه الأكمل، وأما الحق في العادات استيفاؤه يكون بأخذه من المكلف به باختياره ورضاه سواء كان الأخذ لنفس الحق أو جنسه أو قيمته.


٢.١ تقسيمات الحق المختلفة


وباتفاق الفقهاء لا يجوز له استيفاؤه بنفسه إذا أدى الأخذ أو الاستيفاء إلى فتنة، وإنما يلجأ إلى القضاء.

فحماية الحقوق إما أن تكون بوازع داخلي من الإنسان، ودافع يخوفه من عذاب الله إذا فعل معصية ويطمعه في ثواب الله إذا كان الأمر طاعة، وهذا بالنسبة للعبادات التي تكون فيها المسئولية أمام الله.

وإما أن تكون المسئولية مدنية فحمايتها تكون بوازع الدين الذي يوجب على كل فرد احترام حق غيره، كما تكون الحماية أيضًا برفع الأمر للقضاء لمطالبته بما وجب عليه.

الحقوق من حيث المالية وانتقال الحق
الحقوق المالية تتعلق بالأموال أو منافع الأموال مثال ذلك حق البائع في الثمن وحق المشتري في المبيع أو المثمن وحق الشفعة وحق الخيار وحق المستأجر في السكنى ونحوها، وأما الحقوق غير المالية فهي التي تتعلق بغير المال؛ مثل: حق القصاص وحق الحرية بجميع أموالها وحق المرأة في الطلاق وحقها في التفريق لعدم الإنفاق أو أي سبب آخر.

٢.١ تقسيمات الحق المختلفة


الفقهاء اتفقوا على وراثة بعض الحقوق وعدم وراثة بعضها واختلفوا في بعضها؛ فمما اتفقوا على وراثته من الحقوق قالوا: إن الحقوق المقصود بها التوثيق كحبس المرهون لوفاء الدين وحبس المبيع لاستيفاء الثمن هذه حقوق لازمة ومؤكدة وتورث، أما ما اختلفوا في إرثه من الحقوق فكخيار الشرط وخيار الرؤية وأجل الدين، غير الحنفية قالوا: إن الحقوق والمنافع والديون تورث؛ لأنها أموال ولقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من ترك مالًا أو حقًّا فلورثته)).

تقسيم الحقوق باعتبار الوجوب ديانة والوجوب قضاء

الحق الواجب ديانة هو الذي لا يدخل تحت ولاية القضاء فلا يتمكن القاضي من الإلزام به لسبب من الأسباب كالعجز عن الإثبات أمام القضاء، والإنسان في هذه الحالة يكون مسئولًا عن هذا الحق أمام ربه وأمام ضميره، أما الحق القضائي فهو ما يدخل تحت ولاية القضاء ويمكن لصاحبه إثباته أمام القاضي، والأحكام في هذا التقسيم تبنى على ظاهر الأمر، ولا ينظر فيها إلى النوايا وإلى واقع الأمر وحقيقته.

٢.١ تقسيمات الحق المختلفة



٢.١ تقسيمات الحق المختلفة



٢.١ تقسيمات الحق المختلفة