١.١ معنى الحق وأركانه


معنى الحق

الحق لغة له معان مختلفة تدور كلها حول معنى الثبوت والوجوب؛ مثل قوله تعالى: ((لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)) [يس: ٧] أي ثبت الحق ووجب، ومن معانيه اللغوية أيضًا النصيب المحدد؛ كقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ)) [المعارج: ٢٤] أي نصيب محدد معلوم، وأيضًا من معانيه في اللغة العدل كقوله تعالى: (( وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ)) [غافر : ٢٠] ؛ أي بالعدل.

ولأنه لم يسبق للفقهاء المتقدمين أن تعرضوا للحق بصفة خاصة؛ لأنه عبارة عن نظرية دار البحث فيها حديثًا قام المتأخرون بالتعرض له من خلال بيانه بعدة تعريفات لكن اعترض على كثير منها بكونها غير جامعة أو غير شاملة لكل ما يطلق عليه لفظ الحق عند الفقهاء، وأجمعها تعريف الشيخ مصطفى الزرقا حيث قال:الحق اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفًا هذه السلطة إما أن تكون على شخص كحق الولاية على النفس، أو على شيء معين كحق الملكية والتأليف.

وهو تعريف يشمل الحقوق الدينية كحق الله على عباده من صلاة وصيام ونحوهما، كما يشمل الحقوق الأدبية كحق الطاعة للزوج على زوجته، كذلك يشمل الحقوق المالية كحق النفقة، وغير المالية كحق الولاية على النفس.


١.١ معنى الحق وأركانه


وبيّن التعريف أن الحق بين أنه علاقة اختصاصية بشخص معين؛ كحق البائع في الثمن فهو الذي يختص به؛ لأنه حقه، وعلى هذا فإذا لم يكن هناك اختصاص بشخص معين وإنما كان ذلك عبارة عن إباحة عامة كالاصطياد؛ فلا يعد الاصطياد بمفهوم الحق الذي ذكرناه لا يعد حقًّا؛ وإنما يعد رخصة عامة لكل الناس.

التكليف معناه التزام على إنسان هذا الالتزام إما التزام مالي كوفاء الدين، وإما لتحقيق غاية معينة كقيام الأجير بعمله؛ يعني أن الأجير يلتزم بأداء العمل، وهذا العمل يأخذ أجرًا عليه إذا تحققت الغاية منه.

وقد أشار التعريف إلى مصدر الحق فقوله: "يقرر به الشرع" إشارة إلى أن مصدر الحق هو الشريعة أو إرادة الشرع، وهذا يوضح لنا أن الحقوق في الإسلام منح إلهية تستند إلى المصادر التي تستنبط منها الأحكام الشرعية؛ فلا يوجد حق بدون دليل يدل عليه، كما أنه لا تشريع سوى ما شرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.


١.١ معنى الحق وأركانه


أركان الحق

الحق له ثلاثة أركان؛
الركن الأول صاحب الحق وهو المستحق له.
والثاني محل الحق وهو ما يتعلقه به الحق ويرد عليه، وهو قد يكون شيئًا معينًا يتعلقه به الحق كما في الحق العيني المتعلق بالأموال أو بالأشياء العينية المملوكة للشخص وقد يكون شيئًا معينًا لكنه غير محسوس، وإنما أمر ثابت في الذمة كالدين الذي لشخص على آخر فإن حقه في ذمة هذا الشخص هو الذي يتعلق به الحق فيصير في ذمته يطالبه به.
الثالث من أركان الحق المدين المكلف بالحق، وهذا الركن الثالث إنما يعتبر زائدًا فيما إذا كان الحق شخصيًّا.

والمكلف قد يكون معينًا فيكون فردًا أو جماعة كالمدين بالنسبة للدين قد يكون المدين واحدًا وقد يكون عدة أشخاص، وقد يكون غير معين؛ يعني هذا المكلف بأداء الحق قد يكون غير معين كالواجبات العامة المكلف بها جميع الناس باحترام حقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليها.


١.١ معنى الحق وأركانه


وأما صاحب الحق فهو الله تعالى في الحقوق الدينية، وهو صاحب الحق إذا كان شخصًا طبيعيًّا كالإنسان أو شخصًا اعتباريًّا كالشركات ونحوها في الحقوق الأخرى فهو الذي يملك السلطات التي يمارسها على محل الحق.

تبدأ الشخصية الطبيعية لكل إنسان مع بداية تكونه جنينًا بشرط أن يولد حيًّا ويذكر الفقهاء أن هناك ما يسمى بالحياة التقديرية، وذلك في حالة إسقاط الجنين ميتًا بجناية ضرب تقع على أمه فإنه في هذه الحالة تقدر حياته ويَرث ويُورث, وتنتهي الشخصية الطبيعية بالموت حقيقة أو تقديرًا، والموت الحقيقي معروف، أما الموت التقديري كالحكم بوفاة المفقود أو الغائب بعد مرور مدة من الزمن على فقده أو غيبته.

الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي

وأما الشخصية الاعتبارية في الفقه الإسلامي فهي ناتج اعتراف الفقه لبعض الجهات العامة كالمؤسسات والجمعيات والمساجد بوجود شخصية لا تشبه شخصية الأفراد الطبيعيين يترتب عليها ما يترتب على الشخص الطبيعي، وإنما يفترض لهذه الجهات العامة التي أشرنا إلى بعضها؛ يفترض لها ذمة يكون بها ثبوت الحقوق والالتزام بالواجبات هذه الذمة افتراضية تفترض في هذا الشخص؛


١.١ معنى الحق وأركانه


لأنه تستدعيها طبيعة المعاملة مع هذه الشخصية التي هي أشرنا إلى بعضها من مؤسسات وجمعيات ومساجد، هذه الذمة التي تفترض في هذه الأشخاص الاعتبارية تكون مستقلة عن ذمم الأفراد القائمين عليها أو المكونين لها أو التابعين لها؛ القائمين عليها.

وإقرار الشرع بوجود شخصية اعتبارية لهذه الجهات ثابت بالنصوص الشرعية وبالاجتهادات الفقهية؛ فمن النصوص الشرعية قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم))، وهذا الحديث المقصود به أن الأمان الذي يصدر من واحد من المسلمين للعدو كأنه صادر من جماعة المسلمين كلهم فيلزمون بموجبه، فكأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- اعتبر أن هناك ذمة اعتبارية لجماعة المسلمين مستقلة عن ذمة كل فرد فيهم يتصرف على أساس اعتبارها؛ أي على أساس هذه الذمة المفترضة أي فرد من هذه الجماعة، ومن ذلك نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي تخول لأي فرد رفع ما يسمى دعوى الحسبة لإزالة منكر وكذلك القول عند المجتهدين بأن بيت المال وارث من لا وارث له، ومن ذلك أيضًا جواز تمليك الوقف والتزامه بما يجب عليه من حقوق للآخرين، وجواز الوصية والوقف للمسجد، واعتبار ناظر الوقف مجرد نائب عنه لا يتحمل شيئًا من ديون الوقف، فالوقف هو المالك وهو الدائن وهو المدين وليس الناظر عليه؛ لأن الناظر أمين فقط يتولى إدارته فلو خان أو أساء التصرف ضمن ما يترتب على فعله.

١.١ معنى الحق وأركانه



١.١ معنى الحق وأركانه



١.١ معنى الحق وأركانه



١.١ معنى الحق وأركانه