٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


أولًا: واجبات الإمام
من أبرز الكتابات في هذه المسألة ما ذكره الماوردي في هذا الشأن يقول الماوردي في هذا الصدد: والذي يلزم الإمام من الأمور العامة عشرة أشياء:
حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نَجَمَ مبتدع أو زاغ ذو شبهة عنه أوضح له الحجة وبيّن له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل والإمامة ممنوعة من زلل.

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


وقد أشار أحد الباحثين إلى أن حقّ الخليفة في تفقد الرعايا ينقسم إلى قسمين: لأنه إما أن يكون بالنسبة للخاصة، أو للعوام. فالنسبة للخاصة وهم أولو المراتب والحكام ومن يتقلد الأمر عن السلطان فيجب على الملك أن يتفقد أحوال كل منهم وما يتعلق به وما يصدر عنه وما يجب عليه وما يحدث منه، فإن وجده على السداد شكره وأنعم عليه، وإن وجده بخلاف ذلك عزله.
وأما ما يتعلق بأحوال العامة أو الرعايا في القرى والبوادي وأماكن الزروع والآثار فلا بد من التفقد لأحوالهم والتطلع على أخبارهم وما يصدر منهم والنظر في أمورهم وإصلاح شئونهم.
ولعل من أهل الواجبات التي يجب اعتبارها في هذا الصدد وعدم إهمالها أو التنازل عنها على الإطلاق -واجب الإمام في المشاورة في كل ما لم يرد نصّ عن الله ورسوله ولم يحدث إجماع بشأنه، ولا سيما في أمور الحكم والسياسية التي تنبني على المصالح عادة؛ لأنَّ الخليفة في النظام الإسلامي ليس حاكمًا مطلقًا وإنما هو مقيد بنصوص الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين العامة، والأمر بالمشاورة قد ورد بالنسبة للرسول -صلى الله عليه وسلم- فلمن هو دونه أولى؛ لأن مصالح الأمة كثيرة ولا يمكن تحديدها، وتختلف باختلاف الزمان والمكان فلا يمكن تقييدها، ولذلك لا بد من المشاورة.

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


وبالجملة يمكن القول بأن واجبات الإمام أو الحاكم في الدولة الإسلامية ترجع إلى إقامة الدين وحراسته، وسياسة الدنيا بالدين، وإدارة شئون الدولة بمهارة وبراعة، ونشر العلم والمعرفة بكل السبل، واحترام العلماء وتقديرهم، فما أضيع تلك الدول التي يمتهن فيها العلماء ويقدم فيها الأدعياء، ويجب على الإمام أن يعمل على توفير الحياة الكريمة لرعيته متحليًّا في ذلك بما كان عليه سلف الأمة في عهد الخلافة الراشدة، ففي تاريخهم أمثلة يجب الاقتداء بها.
وإذا حاولنا المقارنة بين ما تقرر في الفقه السياسي الإسلامي بالنسبة لواجبات الخليفة وبين ما تقرره الدساتير الحديثة من وظائف الدولة -فإننا نجد أن الفقه الدستوري الحديث يجعل من وظائف الدولة وظيفة تشريعية وأخرى تنفيذية وثالثة قضائية، وهذه السلطات بعينها يمكن أن نستنبطها مما ذكره الفقهاء المسلمون بشأن واجبات الإمام أو الخليفة، ولكن مع ملاحظة طبيعة النظام الإسلامي الذي لا يكون فيه التشريع إلا لله سبحانه وتعالى، وتكون الشريعة فيه هي المحددة للحقوق والواجبات سواء بالنسبة للحاكم أو بالنسبة للرعية، ولكن يبقى مع ذلك امتياز النظام الإسلامي الذي يجعل من وظائف الإمام واجبات عليه، يسأل أمام الأمة عن تنفيذها قبل أن تكون سلطات له يتمتع باستخدامها وممارستها، ومعلوم أن الحاكم وكيل عن الأمة فتتقرر لذلك مسئوليته عن أخطائه أمامها، والحكم لا يكسبه أية مزية ترتفع به عن مستوى المُساءلة، فالرؤساء والمرءوسون في خضوعهم للحساب والعقاب سواء؛ لأنَّ أساس التفاضل بين الناس في ميزان الشريعة هو التقوى والعمل الصالح، ولقد وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه أول سابقة دستورية في هذا الصدد، فقد أورد ابن سعد في طبقاته: ...

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


... {{دخل الفضل بن عباس على النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرضه فقال: يا فضل شدّ هذه العصابة على رأسي فشدها، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرنا يدك، قال: فأخذ بيدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فانتهض حتى دخل المسجد فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنه قد دنا مني حقوق من بين أظهركم وإنما أنا بشر، فأيما رجل كنت قد أصبت من عرضه شيئًا فهذا عرضي فليقتصّ، وأيما رجل كنت أصبت من بشره شيئًا فهذا بشري فليقتصّ، وأيما رجل كنت أصبت من ماله فهذا مالي فليأخذ منه، واعلموا أن أولاكم بي رجل كان له من ذلك شيء فأخذه أو حللني فلقيت ربي وأن محلل لي}}، فإذا كان هذا هو شأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أفلا يكون من هو دون ذلك بكثير جدًّا من الخلفاء والحكام والأئمة من باب أولى؟! هذا بالإضافة إلى المسئولية الأخروية أمام الله تعالى إذ ما خان الحاكم أمانته وضيع رعيته، فقد حذّر الشرع من ذلك كما قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الأنفال: ٢٧] وقال تعالى في سورة القصص بعد أن ذكر قصة فرعون وعتوّه وفساده في الأرض: ((وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ، وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنْ الْمَقْبُوحِينَ)) [القصص: ٤١، ٤٢] قال الشوكاني في تفسيرها: أي صيرناهم رؤساء متبوعين مُطاعين في الكافرين، فكأنهم بإصرارهم على الكفر والتمادي فيه يدعون أتباعهم إلى النار؛ لأنهم اقتدوا وسلكوا طريقتهم تقليدًا لهم، ويقول صلى الله عليه وسلم: {{كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع ومسئول عن رعيته}}، وقال صلى الله عليه وسلم: ...

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


... {{ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٍ لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة}}، وقال صلى الله عليه وسلم: {{من والاه الله من أمر الناس شيئًا فاحتجب عن حاجتهم احتجب الله عن حاجته يوم القيامة}}، وقال صلى الله عليه وسلم: {{يا أبا ذر -حين سأله الولاية أو أن يستعمله- قال له: إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذ بحقها وأدى الذي عليه فيها}}.

ثانيًا: حقوق الإمام

الحق الأول: واجب الطاعة
يترتب على التزام السلطة العامة بقواعد المشروعية الإسلامية أن تكون واجبة الطاعة فيما تأمر به أو تنهى عنه، وهذا الالتزام ليس قاصرًا على هؤلاء الذين وافقوا على اختيار القائمين على هذه السلطة بمقتضى البيعة العامة، وإنما يتعدى إلى الأقلية التي لم توافق على ذلك، وذلك يرجع إلى أن ما ارتأته الأغلبية تلتزم به الأقلية بالنصوص التي تحكّم عدم الخروج على حكم الجماعة، فوق أن السلطة العامة في الدولة الإسلامية لا يتثنى لها كفالة حقوق الأمة ما لم يلتزم أفراد الأمة بقراراتها وتصرفاتها التي تجريها في نطاق أحكام الشريعة الإسلامية، وإذا كانت السلطة العامة لا تستطيع كفالة حقوق الله -عز وجل- وحقوق الأمة إلا إذا كانت واجبة الطاعة -إلا أن هذه الطاعة ليست مطلقة وإنما حدّد الشارع نطاقها بقيود وقواعد تحول دون خروجها عن النطاق المرسوم لها، وسوف نتعرض أولًا لمصادر مشروعية واجب الطاعة الذي تلتزم به الأمة، ثم نبين بعد ذلك نطاق هذا الواجب.

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


مصادر مشروعية واجب الطاعة
الطاعة المفروضة للسلطة العامة تضافرت الأدلة في مصادر المشروعية على ثبوتها بنصوص قاطعة سواء في القرآن الكريم أو السنة النبوية الشريفة أو الإجماع، ففي القرآن الكريم يقول الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) [النساء: ٥٩] فهذه الآية حسبما انتهى إليها المفسرون والفقهاء توجب الطاعة لأولي الأمر من الأئمة والولاة؛ وذلك لصحة الأخبار عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بطاعتهم فيما لله وللمسلمين مصلحة.
والأدلة في السنة كثيرة وتوجب جميعها طاعة أولي الأمر من المسلمين، ومن هذه الأدلة قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، ما لم يأمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا فمات مات ميتة الجاهلية))، ويقول أيضًا: ((من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة الجاهلية)).
وإلى جانب النصوص القاطعة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة انعقد الإجماع على وجوب طاعة أولي الأمر فيما يأمرون به أو ينهون عنه طالما كانت هذه الأوامر والنواهي في حدود ما أمر به الشارع.

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


ثم نتحدث عن حدود الطاعة فنقول: وإذا كانت السلطة التي تمارسها السلطة العامة في حدود أحكام الشريعة -فإن وجوب طاعته في هذه الحالة حتميّ على عامة المسلمين وخاصتهم من العلماء والفقهاء؛ لأنَّ ممارسة السلطة العامة في هذه الحالة نافعة للناس في أمور دينهم ودنياهم، وحتى في الحالات التي لا يتبين للمحكومين فيها وجه النفع من وراء ممارسة السلطة فإنَّ الأمر الصادر منها يكون واجب الطاعة طالما أنها لم تخالف نصًّا أو قاعدة كلية من نصوص وقواعد الشريعة، ذلك أن فرضية الطاعة ثابتة بأدلة مقطوع بصحتها وما تردد للمحكومين من نفعها أو عدم نفعها لا ينهض دليلًا لمعارضة هذه النصوص، ففي نطاق الأحكام الاجتهادية التي اختلفت حولها الآراء فإنَّ حكم الحاكم فيها واجب الطاعة، ليس من العامة فقط ولكن من الفقهاء أيضًا، سواء هؤلاء الذين يرون من رآه الحاكم أو هؤلاء الذين لم يوافقوا على ما رآه الحاكم ابتداء، ويتحكم على المخالف في هذه الحالة ألا يفتى خلافًا لما انتهى إليه الحاكم، ذلك أن حكمه في هذه المسائل التي لم تتفق حولها آراء العلماء لا يردّ ولا ينقض فلا تسوغ الفُتيا المخالفة، ذلك أن الفتيا المخالفة في هذه الحالة تؤدي إلى اضطراب الأحكام وتناقضها وتزعزع الثقة في حكم الحاكم، وهو خلاف المصلحة التي نصّب الحكم من أجلها.

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


وإذا كانت الطاعة واجبة وكفلها الشارع بنصوص قاطعة على جميع الأمة فإنَّ المقصد الأساسي من وراء هذا الوجوب هو أن تتمكن السلطة العامة من تحقيق مقاصد الشرع من حقوقه، يتحتم عليها كفالتها ومراسم يتحتم المحافظة عليها، فممارسة السلطة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بما حتمه الشارع من قواعد وأحكام وما ابتغاه من وراء إيجاب الطاعة على كل الأمة بحيث إذا خرجت السلطة العامة عن نطاقها الذي رسمه الشارع لا تكون الطاعة عندئذ لازمة، وبمعنى أدق فهي غير جائزة، وهو ما انتهى إليه المفسرون من تفسيرهم لقول الله عز وجل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) حيث قرروا أنَّ الطاعة المفروضة للحكام ليست طاعة أصلية واجبة ابتداءً، وإنما هي طاعة تبعية ترتبط أساسًا بطاعة الحكام لله وللرسول، وهو ما يستفاد من تكرار الأمر في وجوب طاعة الله وطاعة الرسول، ولم يتكرر عندما أمر بطاعة أولي الأمر، وهو ما يوضح أنَّ هذه الطاعة مستمدة أساسًا من طاعة الحاكم لله وللرسول، بالتزام أوامرهما والكف عن نواهيهما والعمل على تحقيق وكفالة غايات الشارع وأهدافه، وكقاعدة حاسمة لا يجوز التردد في قبولها فإن ذلك يعني أنَّ الطاعة ليست واجبة إلا في حالة التزام السلطات العامة بقواعد المشروعية في الفقه الإسلامي، ولا تكون واجبة فيما وراء ذلك وإنما يكون الواجب على المسلمين في هذه الحالة هو الردّ والإنكار، ويتحقق ذلك في حالة ما إذا كان الأمر الصادر من السلطات العامة وقع مخالفًا بدليل قطعي من نصّ أو إجماع أو قياس جليّ أو كان مخالفًا بدليل ظني، والحاكم غير مجتهد ولم يجر المشاورة فيما أصدره من قرارات مخالفة بذلك واجب الشورى، ...

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


... وما ارتأته غالبية علماء الأمة وفقهائها في هذه المسألة، كما تتحقق المخالفة إذا كانت القرارات الصادرة من السلطة العامة مخالفة لنصوص مشروعية التي لا تخفى على أحد من العوام أو الخواص، وفي هذه الحالة لا تجب الطاعة من الجميع لما يترتب عليها من مضار، كما تتحقق المخالفة في كل الحالات التي يكون الأمر الصادر من السلطة العامة مستهدفة مصلحة غير المصلحة العامة للمسلمين كما هو الأمر في حالة الانحراف في استعمال السلطة، أو التجاوز بها عن الحدود التي رسمها الشارع، فإن الطاعة لا تكون لازمة حينئذ، فالطاعة لا تكون لازمة إذا كان الحاكم المسلم جائرًا ظالمًا في أحكامه، وهو ما قرره البعض بتقريره أنَّ الطاعة لا تكون إلا للحاكم العَدْل؛ لأنَّ الحاكم الظالم الله ورسوله بريئان منه، ويروى عن الإمام علي -رضي الله عنه- قوله: (حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقّ على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا).
وإذا كانت الطاعة مقيدة بقيود وحدود حددها القانون الإسلامي إلا أنه في بعض الحالات قد تكون هذه الطاعة مطلقة ولا يسع المسلمون إلا قبولها، حتى مع خروجها عن القاعدة العامة التي وضعها الشارع للظروف العادية كما لو حتمت الضرورة ذلك، كما قد تكون الطاعة واجبة في حالة انصراف حالة الضرورة إلى المحكومين وحدهم وذلك في كل الحالات التي يترتب على عدم الطاعة الهلاك أو يُخشى تفتيت وحدة الأمة، ...

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


... فالضرورة في هذه الحالة أو تلك هي التي تستوجب طاعة أوامر وقرارات السلطة العامة، ومعيار الطاعة في الحالة الثانية هو اختيار أخفّ الضررين وأيسرهما، فإذا كان الضرر الناجم عن عدم الطاعة يفوق الضرر المترتب على الامتثال لأوامر السلطة العامة فلا مفر من قبول هذه الأوامر، ويكون من الواجب الطاعة دفعًا للضرر الأشد، وعلى العكس من ذلك إذا كان الضرر الناجم من الطاعة يفوق الضرر المترتب على مخالفة هذه القرارات فلا مفرّ من عدم الطاعة؛ اتقاء للضرر الناتج عن طاعة الأوامر المخالفة للقانون كما لو كانت تؤدي إلى ضياع الأمة وهلاكها، وعلى ذلك فإن حدّ القانون الإسلامي الذي وضع للظروف العادية لا يكون لازمًا في كل الحالات التي يكون فيها عدم الطاعة مرتبًا لأضرار جسيمة على الأمة، أما في حالة السعة والاختيار فلا مناص من تطبيق القاعدة العامة وهي ضرورة أن تكون الطاعة في حدود القواعد العادية بمصادر المشروعية في الفقه الإسلامي.

الحق الثاني: وهو واجب النصرة
إلى جانب حق الطاعة تلتزم الأمة الإسلامية بنصرة السلطة العامة والوقوف ورائها ضد أي تمرد يقصد منه تفتيت وحدة الأمة الإسلامية، فإذا كان واجب الطاعة يستهدف أساسًا أن تحقق الاختصاصات والسلطات الممنوحة للسلطة العامة في الدولة الإسلامية أهدافها وغاياتها -فإن واجب النصرة يستهدف حفظ وحدة الجماعة والقضاء على أي محاولة تستهدف النيل من نظام الحكم القائم، سواء كانت هذه المحاولة خارجية وذلك في الحالات التي يستهدف فيها العدو المساس بكيان الدول الإسلامية، ...

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


... أم كانت داخلية بأن قام متمرد أو باغ بمحاولة الاستيلاء على مقاليد الأمور في الدولة أو الاستقلال بمنطقة من المناطق، ففي كل هذه الحالات يقرر الفقهاء أنَّ الأمة الإسلامية تلتزم بنصرة السلطة العامة وتقديم العون لها.
ويخلط بعض الفقهاء بين واجب النصرة وواجب الطاعة ويرون أن واجب الطاعة يندرج في واجب النصرة، وهذا الرأي لا نسلم به وذلك لاختلافهما من ناحيتين:

أن واجب الطاعة قد لا يترتب عليه في معظم الحالات التي تستوجب الطاعة إلا مجرد التزام سلبي يقع على عاتق المحكومين، ويتمثل في وجوب التزام الجماعة الإسلامية بما تصدر السلطة العامة من قرارات وعدم مخالفتها، في حين أنَّ الواجب الثاني -وهو النصرة- هو في كل الحالات يفرض على الجماعة الإسلامية التزامًا إيجابيًّا محددًا، يقتضي منها أن تبذل ما في وسعها لمناصرة السلطة العامة والدفاع عن النظام القائم ضدّ أي اعتداء أو مساس من الداخل أو الخارج على السلطة الشرعية في الدولة الإسلامية.

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


نطاق واجب النصرة
واجب النصرة مثل واجب الطاعة ليس واجبًا مطلقًا تلتزم به الأمة الإسلامية في كل الحالات، وإنما يختلف بحسب ما إذا كان الخطأ الذي يحدق بالسلطة العامة في الدولة الإسلامية خطرًا خارجيًّا أو داخليًّا، كما يختلف باختلاف ما إذا كانت هذه السلطة تحوز على موافقة الأمة وارتضائها الاختياري وملتزمة بأحكام الشريعة الإسلامية أم كانت مغتصبة للسلطة غير ملتزمة بما حتّمه الشارع من قواعد وأحكام.
فإذا كان الخطر خارجيًّا فإن واجب النصرة يكون واجبًا مطلقًا، لا يجوز لأي مسلم أن يتقاعد عنه أو يتهاون في أدائه، سواء كانت السلطة العامة في الدولة الإسلامية عادلة أو جائرة؛ لأنَّ الخطر هنا يتعلق بكيان المجتمع الإسلامي ذاته، ويقصد منه النيل من استقلاله ووقوعه في يد الأعداء؛ لذلك فإنه مع تحقق الظلم والجور في السلطة العامة فلا يجوز أن يتخلى أحد عن تقديم النصرة لها، ذلك أن المقصود بالنصرة في هذه الحالة ليس هو السلطة العامة بذاتها، وإنما المقصود حفظ الدولة الإسلامية من الوقوع في يد الأعداء؛ ولأنَّ دفع الأعداء فرض من الفروض الدينية بمقتضى واجب الجهاد ويجد ذلك أساس مشروعيته في قوله صلى الله عليه وسلم: {{الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر}}.
أما إذا كان الاعتداء داخليًّا، وهو الذي يتحقق بتمرد جماعة وخروجهم على السلطة -فيختلف الأمر بحسب ما إذا كانت السلطة مغتصبة لها أم تولت عن طريق الأمة ملتزمة بأحكام الشريعة.

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


ففي حالة اغتصاب السلطة عن طريق القهر والقوة فلا يجب أن يقدّم المسلمون لها واجب النصرة بل على العكس من ذلك، إذا ما وجد ثائر واستهدف الإطاحة بها للعودة بها إلى حكم القانون الإسلامي فإنَّ الواجب أن يساعده المسلمون؛ وذلك لأنَّ الهدف في هذه الحالة هو تحقق السلطة العامّة المطابقة لقواعد القانون العام الإسلامي، أما إذا كان هذا الثائر لا يستهدف العودة إلى حكم القانون وإنما يبغي أيضًا الاستيلاء على السلطة -فلا تكون النصرة واجبة؛ لأنَّ كل منهما ينازع الآخر فيما لا يحلّ له، ولا يجب مساعدة أي منهما أو نصرته.
أما إذا كانت السلطة العامة تولت بالطرق المطابقة لأحكام الشرع والتزمت بأحكام الشريعة الإسلامية -فيجب على المسلمين نصرتها ضدّ أي تمرد يقع على هذه السلطة، كما يجب ضرب أي محاولة تستهدف الاعتداء على نظام الحكم الموجود، وإذا كان سبب الخروج عليها وقوع بعض الظلم عن طريقها فيجب حتى تنال نصرة المسلمين أن تقلع عن الظلم الواقع منها فورًا؛ لأن الخروج بسبب الظلم لا يعدّ بغيًا وتمردًا على السلطة.


٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


الحق الثالث: أن يكون له أموال في مال المسلمين بما يكفيه ويكفي أهله
يعني: عمل راتب له يكفيه ويكفي أهله من غير سرف ولا تقتير؛ لأنه قد اشتغل بمصالح المسلمين العامة ليله ونهاره، ولم يعد لديه من الوقت ما يتكسب فيه لأهله ونفسه، وقد روى ابن سعد في (الطبقات) أنه لما استخلف أبو بكر -رضي الله عنه- أصبح غاديًا إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتّجر به فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنهما- فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قال: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟! قال: من أين أطعم عيالي؟ قال له: انطلق حتى نفرض لك شيئًا، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة -أي: نصف شاة- ولما وجد أبو بكر أن ما خصص له لا يكفيه طلب من المسلمين أن يزيدوه فزادوه بخمسمائة درهم.
ولما تولى عمر بن الخطاب أمر المسلمين بعد أبي بكر مكث زمانًا لا يأخذ شيئًا من مال المسلمين حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة -يعني: شدة- فاستشار الصحابة فيما يصلح له من هذا المال بعد أن اشتغل بمصالح المسلمين عن مصالح نفسه، فقال عثمان: كُل وأطعم، وقال علي: غداء وعشاء، فأخذ عمر بذلك، وكان يستنفق كل يوم درهمين له ولعياله، وأنه أنفق في حجته مائة وثمانين درهمًا فقال: قد أسرفنا في هذا المال.
والجدير بالذكر في هذا الصدد أن واجبات الإمام وحقوقه التي ذكرها العلماء المسلمون تقرب مما يذكره القانونيون تحت مسمى (وظائف الدولة) فقد كان الخليفة أو الإمام في عصر الماوردي وغيره ممن كتبوا في الأحكام السلطانية كان الإمام هو الدولة أو يكاد أن يكون كذلك، أما الآن فإن وظائف الدولة هي من المرونة بحيث تتأثر بالزمان والمكان وأنواع النظم وفلسفة الحكم وظروف الناس.

٣.١٢ واجبات الإمام وحقوقه


وفي هذا نرى أنه من حق الخليفة أن يأخذ راتبًا من بيت المال ولو كان موسرًا؛ وذلك لكونه قد احتبس نفسه لمصلحة المسلمين وأصبح مشغولًا بمصالحهم عن شئونه الخاصة، وهو في هذا كأي موظف آخر في الدولة ولو كان موسرًا، وأما امتناع علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز عن الأخذ من بيت المال فهو لا يدل على المنع؛ لأن معناه أنهم تنازلوا عن حقوقهم، ولو أنهما أخذا من بيت المال ما كان عليهما من حرج؛ لأنَّ أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- قد أخذا مخصصاتهما من بيت مال المسلمين وكانا مع ذلك من مياسير المسلمين؛ لأنه لا حرج في
أن يأخذ الإنسان مقابل عمله، والخليفة كما ذكرنا ينشغل بأمور المسلمين عن شئونه الخاصة.

الحق الرابع: أن تنصحه وتأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وتدعو له بالخير
فإنَّ الدين النصيحة كما قال صلى الله عليه وسلم: {{الدين النصيحة قالها ثلاثًا قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله
ولأئمة المسلمين وعامتهم}}
، ولقد امتن على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنها خير أمة لكونها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، يقول تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران: ١١٠].