الجمهور من الفقهاء والمتكلمين على أن توافر شروط الإمامة في شخص من الأشخاص ليس كافيًا بمجرده في انعقاد الإمامة له, بل لا بد من طريق يثبت به هذا المنصب, حتى على فرض أن الشروط المطلوبة في الإمامة لم تتوافر إلا في واحد فقط, تفرد بها عن سائر أفراد الأمة, فإنَّ جمهور العلماء يقولون بعدم انعقاد الإمامة له بمجرد ذلك, بل لا بد من اختيار أهل الحل والعقد له, وإذا كان العلماء قد قالوا بأنَّ الصلاحية وحدها ليست بكافية في انعقاد الإمامة, بل لا بد من وجود سلطة تسند إليه هذه الإمامة, إلا أنهم اختلفوا في أي الطرق يمكن أن يكون هو المبين لانعقادها.
فالإمامية قالوا: إنَّ انعقادها -أي انعقاد الإمامة- ليس له طريق إلا النص, وأهل السنة قالوا: إن طريقها البيعة من أهل الحل والعقد, أو العهد من الإمام السابق.
وثمة طريقان آخران عند جماهير علماء الأمة لانعقاد الإمامة, غير اختيار أهل الحل والعقد, هما: العهد, والقهر أو الغلبة, وسنتكلم -بمشيئة الله- عن كل ما ذكرناه, وهو اختيار أهل الحل والعقد, والعهد, والقهر أو الغلبة, والنص الذي يزعمه الشيعة الإمامية, ذاكرين خلاف العلماء إن وجد في كل منها, ومرجحين ما نراه من الآراء.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
الطريق الأول: اختيار أهل الحل والعقد
اختيار أهل الحل والعقد, أو بيعة أهل الحل والعقد, هو الطريق الأصل في انعقاد الإمامة عند جماهير العلماء من الفقهاء, والمتكلمين, فإذا خلا منصب الإمامة بموت الإمام, أو بعزله من منصبه, وجب على الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد أن تتصفح أحوال من يمكن أن يقوم بأعباء هذا المنصب, فمن رأوه مستوفيًا شروطه بايعوه إمامًا لهم, فإذا لم يكن ثمة من تتوافر فيه الشروط غيره وجب عليه قبول هذا المنصب, إذا لم يكن هناك من الأعذار ما يبرر له رفض ما يعرضون عليه, وأما إذا كان له من الأعذار ما يمنعه من القيام بأعباء هذا المنصب, كما توضحه أحكام الشريعة, فحينئذ يعدلون عنه إلى غيره, مراعين في مبايعتهم الأفضل, حتى لا يلي هذا الأمر غير المستحق له.
يقول الإمام الماوردي في (الأحكام السلطانية): فإذا تعين لأهل الاختيار من بين الجماعة من أداهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه, فإن أجاب إليها بايعوه عليها, وانعقدت ببيعتهم له الإمامة, فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته, والانقياد لطاعته, وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها؛ لأنها عقد مراضاة واختيار, لا يدخله إكراه, ولا إجبار, وعدل عنه إلى من سواه من مستحقيها.
ولكن نسأل سؤالًا: وهو لماذا يسند اختيار الرئيس إلى جماعة خاصة, كأهل الحل والعقد؟
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
نقول: قد يكون لافتًا نظر الباحثين في نظام الحكم الإسلامي ما قرره فقهاء الإسلام من أن مهمة اختيار الإمام يجب أن توكل إلى جماعة خاصة دون باقي أفراد الأمة, مما يوهم -في ظاهره- عدم الاعتداد بآراء جماهير الأمة, التي ما جُعل الإمام إلا للقيام برعاية مصالحها الدينية والدنيوية, كان الواجب أن تسند مهمة اختيار الإمام إلى كل بالغ عاقل من أفراد الشعب, لا فرق في ذلك بين واحد وواحد, حتى يكون الاختيار معبرًا تمام التعبير عما ترتضيه الجماهير, وسواء في ذلك أن يكون هذا الاختيار قد تم بطريق مباشر, كالاقتراع العام, أو بطريق غير مباشر, كأن يتم اختيار الإمام بوساطة هيئة خاصة ينتخبها الشعب, يسند إليها القيام بهذه المهمة الخطيرة, فقصر اختيار الإمام على جماعة خاصة مما يلفت نظر الباحثين؛ لأنه في الظاهر مخالف مبدأ إعطاء حق الاختيار لكل مواطن, حتى يكون الاختيار معبرًا عن الإرادة الشعبية تمام التعبير.
صحيح أنَّ الإسلام يوجب على الجميع- أي جميع أفراد الأمة- أن يبايعوا الإمام, ويدخلوا في طاعته, بعد انعقاد الإمامة له بعقد أهل الحل والعقد, ولكن ذلك الوجوب إنما قُصد به إغلاق باب التفرق, حتى لا تكون الفتنة والفوضى بين الناس, ولذلك قال العلماء: إنه إذا تمت البيعة من أهل الحل والعقد في ناحية, وجب عليهم أن يخطروا بها سائر أهل الحل والعقد في النواحي الأخرى.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
يقول البعض: وإن أقام بعض أهل الحل والعقد إمامًا سقط وجوب نصب الإمام عن الباقين, وصار من أقاموه إمامًا, ويلزمهم إظهار ذلك بالمكاتبة والمراسلة؛ لئلا يتشاغل غيرهم بإمام غيره وقد وقعت الكفاية, ولئلا يؤدي ذلك إلى الفتنة, فعدم مبايعة سائر أفراد الأمة لا يؤثر في انعقاد الإمام؛ لأنَّ العقد يتم بمجرد مبايعة أهل الحل والعقد, ولا يكون العقد صحيحًا إذا لم يبايع الإمام أهل الحل والعقد, فإذا فرض بعد موت الإمام مثلًا أو عزله, أن اجتمع جماعة من غير أهل الحل والعقد, وعقدوا البيعة لواحد من الناس, فإن هذا البيعة لا اعتداد بها, وليست لها الصفة الشرعية التي تجبر باقي أفراد الأمة على الدخول في طاعة من بايعته هذه الجماعة.
الطريقة المثلى لاختيار رئيس الدولة
وقبل أن نوضح المعنى المثالي الملاحظ في تقرير المبدأ الإسلامي القائل بوجوب أن تسند مهمة اختيار رئيس الدولة إلى جماعة خاصة, تسمَّى عرفًا بجماعة أهل الحل والعقد, يجب أن نقول بادئ ذي بدء: إننا إذا كنا حقًّا نبحث عن الطريقة المثلى لاختيار رئيس الدولة, يجب علينا أن نسلم بأمرين:
أن اختيار رئيس الدولة يجب ألا يوكل إلَّا إلى من توافرت فيه مقدرة التفرقة بين من يصلح ومن لا يصلح لتولي هذا المنصب الخطير, وتوافر هذه المقدرة لا يتحقق إلا بأن تفرض شروط وصفات خاصة, في من يصح قيامه بهذه المسئولية, شروط وصفات من شأنها أن توجد في القائمين بهذه المهمة الصلاحيةَ الكاملة لها؛ وذلك لأنه لما كان رئيس الدولة لا يُختار إلا ممن توافرت فيه شروط خاصة, تؤهله للقيام بأعباء هذا المنصب, وهي التي بيناها فيما سبق عند الكلام عن الشروط المطلوبة في رئيس الدولة, نقول: كان لزامًا ألا يوكل اختيار الرئيس إلا إلى أشخاص تتوافر فيهم مقدرة التفرقة بين من تحققت فيه هذه الشروط, وبين من لم تتحقق فيه.
XXXXXXXXXXXXXX
هو أنه لا يصح ادعاء أن التنظيمات البرلمانية تمثل الشعب كله تمثيلًا صحيحًا, سواء في ذلك الشعوب التي بلغت مستوًى رفيعًا من العلم, والنضج السياسي, والشعوب التي لم تبلغ بعد هذا المستوى, وذلك لعدة أسباب:
السبب الأول :أنَّ البرلمان بأجمعه قد لا يمثل سوى أقليَّة ضئيلة من الناخبين, وذلك إذا أسقطنا من حسابنا نوعين من الأصوات, أولهما أصوات الغائبين الذين لم يدلوا بآرائهم في هذه الانتخابات, وهؤلاء الغائبون يمثلون عددًا كبيرًا بالنسبة إلى باقي أفراد الناخبين في كل انتخاب, ويبلغ عددهم في أغلب البلاد نحو نصف عدد الناخبين, وثاني النوعين اللذين يجب عدم احتسابهما هو الأصوات الفاشلة, أي الأصوات التي حصل عليها المرشحون الذين لم يكتب لهم النجاح في هذه الانتخابات, ومجموع هذين النوعين يشكل عددًا كبيرًا, قد يكون هو الأغلب بالنسبة إلى باقي الأصوات, كما تفيده الإحصاءات, سواء في ذلك البلاد التي تأخذ بنظام التصويت الإجباري, والبلاد التي لا تأخذ بهذا النظام, وعلى ذلك فالبرلمان قد لا يمثل إلا أقلية ضئيلة بالنسبة إلى عدد الناخبين, وبالتالي لا يمثل الاتجاهات الحقيقية لمجموع الأمة, ...
... وهذا فضلًا عن أنه من الملاحظ أن يحدث في كثير من البلاد خضوع الأغلبية البرلمانية لسيطرة عدد قليل من الزعماء والساسة, يوجهونها حسب أهوائهم, وميولهم, وقد تكون هذه الميول والأهواء لا تتوافر في أكثر الأحوال مع ميول الجماهير الذين ينوبون عنهم, وإن ادعوا كذبًا أنهم يعبرون عن مصالح جماهير الأمة.
السبب الثاني : من أسباب عدم صحة ادعاء أن التنظيمات البرلمانات تمثل الشعب كله تمثيلًا صحيحًا, فساد الانتخابات في كثير من الأحوال: فإنه مهما قيل عن حرية الانتخابات, وعدم تدخل الإرادة فيها, فإنها في الواقع لا تخلو من استعمال طرق كثيرة فيها غير مشروعة, من الغش, وخداع الجماهير, وإغرائهم بالرشوة, والتغرير بهم, بقصد كسب أصواتهم مما يؤثر في نتيجة الانتخابات تأثيرًا كبيرًا.
السبب الثالث:أننا لو سلمنا جدلًا بأن الانتخابات تتم بطريقة نظيفة خالية مما يشوبها مما ذكرناه آنفًا, وفرضنا أن البرلمان يمثل فعلًا إرادة أغلبية الناخبين, فإننا لا نسلم أن يقال: إن البرلمان يمثل جماهير الأمة طوال الوقت؛ لأنَّ اختلاف النزاعات في الجماهير, ...
... واتجاهاتهم المتباينة, قد يجعل من المقبول الادعاء بأن البرلمان يمثلهم في بعض مسائل معينة لمدة قصيرة, وأن الادعاء بأن البرلمان يمثل جماهير الأمة طوال الوقت فإن هذا لا يعدو أن يكون نوعًا من السيادة للنائبين على المنوب عنهم.
وبعد فقد تبين مما ذكرناه أن ادعاء أن التنظيمات البرلمانية تمثل إرادة الجماهير, وتعبر عن الرأي العام, ادعاء غير مُسَلم؛ للأسباب التي ذكرناها, يتبين لنا مما سبق أن تخصيص جماعة معينة في النظام الإسلامي لانتخاب رئيس الدولة هو نوع من المثالية التي ينشدها الإسلام في تشريعاته, يعني كون هناك جهة معينة, أو جماعة معينة, يطلق عليهم أهل الحل والعقد, يقومون باختيار رئيس الدولة, هذا هو الأمر المهم, وهذا أفضل بكثير مما هو موجود في القوانين الوضعية, ونظم الانتخابات الوضعية, التي تبين لنا فشلها فيما قدمنا.
ولكن هل يُنتخب أفراد هذه الجماعة التي تقوم باختيار رئيس الجمهورية, أم يُكتفى باستفاضة أخبارهم, أو أخبار فضلهم وعلمهم وتقدمهم بين جماهير الأمة, هذا من الموضوعات الخلافية بين الفقهاء.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
الرياسة عقد كسائر العقود
لا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن فقهاء الإسلام ومتكلميه, قد قرروا أنَّ الإمامة عقد كسائر العقود التي تتم بين الطرفين, والأمة هنا هي الطرف الأول, والرئيس أو الإمام هو الطرف الثاني, فالإمامة عقد حقيقي مبني على الرضا, قائم بين الأمة والإمام, يجب بمقتضاه على الطرف الثاني, وهو الإمام أو الرئيس السير بحكمهم على وفق أحكام شريعة الإسلام, ويجب على الطرف الأول, وهو الأمة, بذل الطاعة والانقياد له فيما لا يخالف أوامر الشرع ونواهيه.
وإذا كان مفكرو الإسلام قد بينوا أنَّ العلاقة بين الحاكم والمحكومين مبنية على عقد بينهم وبينه, فإنهم بذلك يكونون قد سبقوا الفكر الغربي في البحوث القانونية السياسية؛ إذ إن (جان جاك روسو) الذي يعتبر في نظر أوروبا أبًا للديمقراطية الحديثة بكتابه (العقد الاجتماعي) الذي كان بمثابة الإنجيل لدى زعماء الثورة الفرنسية, والذي ضمنه نظريته القائلة: إن الحاكم يتولى سلطاته من الأمة نائبًا عنها, بناءً على تعاقد حرر بينهما, إذ إن (روسو) هذا قد سبقته النظرية الإسلامية بقرون عديدة, وإذا كان المفكرون الإسلاميون قد سبقوه وسبقوا غيره, وتكلموا عن العقد بين الحاكم والمحكوم, فإنهم بذلك يكونون هم الرواد في هذا الميدان الفكري المهم, وبخاصة وأن العقد الذي يتكلم عنه (روسو) عقد تخيل حدوثه في العصور الساحقة, ولم يقم من الشواهد التاريخية ما يمكن أن يكون برهانًا حقيقيًّا عليه, بخلاف العقد الذي تكلم عنه مفكرو الإسلام, فإنه عقد حقيقي ثابت, من يوم أن وُجد نظام الخلافة, وكانت بيعة الأمة صورة لتحقيقه.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
ومن ناحية أخرى فإنَّ النظرية الإسلامية ليس فيها أفراد تنازلوا عن شيء من حرياتهم وسلطاتهم, وإنما لدينا أمة مكلفة وكلت عنها بعض أفرادها لرعاية مصالحها, وليس في الوكالة تمليك, ولا مظنة تمليك, والبيعة عقد يقيد الحاكم بدستور خاص, ويحدد له حدود مهمته, فإذا التزم شروط العقد فله حق الطاعة على المحكومين, فإذا جاوز ما عُيِّن له وخرج على الشرط انعزل من الوكالة, وخرج من العهدة بنفسه, أو بعزل الشعب الذي ولاه.
معنى البيعة
وضح ابن خلدون معنى البيعة فقال: البيعة هي العهد على الطاعة, كان المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في أمر نفسه, وأمور المسلمين, لا ينازعه في شيءٍ من ذلك, ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر, على المَنشط والمكره, وكانوا إذا بايعوا الأمير وعقدوا عهده جعلوا أيديهم في يده؛ تأكيدًا للعهد, فأشبه ذلك فعل البائع, والمشتري, فسمي بيعة.
وقد أصبح لفظ البيعة يستعمل مجازًا في الرضا بالإمام, والانقياد له, فإذا ما رضي الناس به, وانقادوا له, فحينئذ يقال مجازًا: إنهم بايعوه إمامًا لهم, ولهذا فإنَّ الفقهاء والمتكلمين, عندما يتكلمون عن البيعة فإنهم لا يريدون صفق اليد, وإنما يعنون بها الرضا, والانقياد, وإظهار ذلك, ويصرحون بأنه لا يشترط المصافحة باليد لتحقق البيعة.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
شروط صحة البيعة
لكي تكون البيعة واقعة على الوجه الصحيح لا بد وأن تتوافر فيها بعض الشروط, وسنبين هذه الشروط, ذاكرين الخلاف إن وجد في أي شرط منها, وهذه هي:
أن تجتمع في المأخوذ له البيعة الشروط المطلوبة في رئيس الدولة, وهي التي بيناها فيما سبق, وعلى هذا فلا تنعقد الرياسة لواحد ممن فقد أي شرط من هذه الشروط, إلا في حال الضرورة, كحال الغلبة, والاستيلاء بالقوة على الحكم, وهو ما يعبر عنه في عصرنا الحالي بالانقلابات العسكرية, فهذا طريق قد بين العلماء إمكان انعقاد الرياسة به, وكما إذا لم تكتمل الشروط المطلوبة في أحد ممن يصلحون لتولي هذا المنصب, فإنه يجوز حينئذ التنازل عن بعض هذه الشروط؛ نظرًا إلى حال الضرورة, فيولى الأفضل فالأفضل, حتى لا يخلو الزمان عن رئيس يقوم على حراسة الدين, وسياسة الدنيا.
أن يكون الذين عقدوا البيعة للرئيس هم أهل الحل والعقد, فإذا عقدها غيرهم فلا تنعقد.
أن يقبل الشخص الذين عقدوا الرياسة له, أن يقبل هذا المنصب, فإذا رفض فلا تنعقد رياسته, ولا يجبر عليها.
الإشهاد على البيعة, وهذا هو شرط من الشروط الذي اختلف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها: أن البيعة لا تحتاج إلى إشهاد, والقول الثاني: وجوب الإشهاد عليها, والقول الثالث: ينظر إلى عدد العاقدين, فإن كانوا جمعًا لم يشترط الإشهاد, وإن كان العاقد واحدًا اشترط ذلك.
ألا يقارن هذا العقد عقدًا آخر, فلا يجوز أن تعقد الرياسة لأكثر من واحد.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
تعدد العقد
وقبل أن نفصل الخلاف في الشرط الخامس نرى أن نوضح أن تعدد العقد إما أن يكون بطريق الصدفة والاتفاق, أو يكون بغير طريق الصدفة والاتفاق, فالأول يحصل بأن تبادر مجموعات متعددة من أهل الحل والعقد بعقد البيعة لرئيس, على غير اتصال وتنسيق بين هذه المجموعات, فتبايع إحدى المجموعات رئيسًا مثلًا, وتبايع أخرى رئيسًا آخر, وهكذا لعدم علم كل منها بما فعلته كل مجموعة من المجموعات الأخرى, فتحدث مبايعات لمتعددين, كل واحد منهم صالح للرياسة, فهنا يتعدد العقد مصادفة واتفاقًا, بدون أن يتعمد أهل الحل والعقد مبايعة أكثر من واحد.والثاني: يحصل التعدد بأن يتعمد أهل الحل والعقد البيعة لأكثر من واحد.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح أن تعقد البيعة لأكثر من إمام واحد في القطر الواحد, سواء كان التعدد حاصلًا عن طريق الصدفة والاتفاق, أم كان عن غير ذلك.
وأما إذا كان التعدد في أقطار متعددة متباعدة فقد اختلف العلماء في هذا التعدد, هل يجوز, أو لا يجوز؟
فجمهور الفقهاء, والعلماء على منع التعدد, حتى ولو كانت الأقطار متباعدة, ويرى البعض -وهم قلة- جواز تعدد الأئمة في الأقطار المختلفة, ولكل واحد من هؤلاء أدلة استند إليها.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
استدلال الجمهور على أنه لا يجوز تعدد الأئمة
استدل الجمهور على أنه لا يجوز تعدد الأئمة حتى ولو تباعدت الأقطار بأدلة منها:
ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما}}، فإنَّ هذا الحديث صريح في عدم مشروعية التعدد, وقتل الإمام الآخر يكون بعد مطالبته بعدم التمسك بالبيعة التي حصلت له, والخضوع للإمام الأول, فإن أبى فهو باغ يجب مقاتلته, فليس المراد بالحديث قتل الإمام الآخر بمجرد عقد بيعة أخرى له؛ لأنه يجوز عدم علمه بأن ثمة إمامًا آخر قد عُقدت له البيعة قبله.
استدلوا بالإجماع, وذلك أن الصحابة قد أجمعوا على أنه لا يجوز إلا إمام واحد, حتى إن المهاجرين لم يوافقوا الأنصار عندما نادوا أولًا بأن يكون منهم أمير, ومن المهاجرين أمير, ثم رضي الأنصار بما أبداه المهاجرون فصار إجماعًا.
أن تعدد الأئمة يؤدي إلى وقوع المنازعات والمخاصمات, وهذه تؤدي إلى اختلال أمر الدين والدنيا, فتعدد الأئمة مؤدٍّ إلى اختلاف أمر الدين والدنيا, وذلك غير جائز.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
استدلال الرأي الآخر في جواز تعدد الأئمة
أما أصحاب الرأي الآخر, وهم قلة من العلماء, فيقولون بجواز التعدد, واستدلوا على ذلك بأن الإمام جُعل لتحقيق مصالح الأمة, وإذا كان في كل ناحية إمام, كان كل واحد أقوم بما في يديه؛ لقلة المصالح حينئذ, وأضبط في متابعة من يوليهم من الولاة, والقضاة وسائر الأعمال, وأيضًا استدلوا بأنه لما جاز أن يكون أكثر من نبي في عصر واحد, ولم يؤد إلى إبطال النبوة, جاز ذلك في الإمام من باب أولى؛ لأنها فرع النبوة.
لكن هؤلاء قد ناقشهم جمهور العلماء, وناقشوا هذه الأدلة, واتضح بطلان هذه الأدلة.
صفة أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإمامة
أهل الحل والعقد كما يسميهم غالب العلماء، أو أهل الاختيار كما يسميهم الإمام الماوردي، أو أهل الاجتهاد كما يسميهم البعض الآخر: هم جماعة معينة من فضلاء الأمة يُوكل إليهم النظر في مصالحها الدينية والدنيوية، ومنها اختيار رئيس الدولة أو الإمام الأعظم، فهم المسئولون عن تصفح أحوال الذين يمكن أن يكونوا صالحين لتولي هذا المنصب الخطير، والاجتهاد في ذلك، فمن رأوه صالحًا لتولي هذا المنصب بايعوه رئيسًا للدولة على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولزوم طاعته في كلِّ أمرٍ ليس فيه معصية لله ورسوله، وقد بَيَّن العلماء الشروط التي يجب توافرها في هذه الجماعة؛ حتى تكون مميزة عن سائر أفراد الأمة، ...
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
... إذ إنها المكلفة -كما قلنا- باختيار الرئيس، فإذا ما قامت بهذا الغرض أو قام به بعض أفرادها سقط وجوب نصب الرئيس عنها، وعن باقي أفراد الأمة، وإذا لم تقم بهذا الواجب أثم أهل الحل والعقد كلهم كما هو الشأن في الفروض الكفائية.
وهذه الجماعة لا تقوم باختيار الإمام إلا نيابة عن الأمة جميعًا، فهم بمباشرتهم هذا الاختيار لا يمثلون أنفسهم، بل يمثلون الأمة كلها؛ ولهذا فإنه عند مبايعة أهل الحل والعقد الإمام تجب مبايعته والانقياد له على سائر أفراد الأمة، وقد بَيَّن العلماء أن أهل الحل والعقد هم العلماء والرؤساء، ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم في أي وقتٍ من الأوقات.
شروط أهل الحل والعقد
يوضح الإمام الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) الصفحة السادسة وما بعدها يوضح الشروط المطلوبة فيهم -أي: في أهل الحل والعقد- فيقول: فأما أهل الاختيار فالشروط المعتبر فيهم ثلاثة:
فهذه الشروط التي يوضحها الماوردي تحدد الصورة التي يجب أن يكون عليها الواحد من جماعة أهل الحل والعقد، فأما العدالة فقد بينا المراد بها عند الكلام على شروط الرياسة، وأما الشرط الثاني فالمراد به أن يكون الشخص عالمًا بالشروط الواجبة في رئيس الدولة حتى يستطيع أن يميز بين من توافرت فيه شروط الرياسة العامة، ومن لم تتوافر فيه هذه الشروط، وأما الشرط الثالث فيقصد به توافر المقدرة على عدم الخلط بين من يستطيع القيام بأعباء الرياسة ومن لم يستطع ذلك، وهو شرطٌ مغايرٌ للشرط الذي سبقه، إذ يمكن أن يوجد شخص توافر عنده العلم بالشروط المعتبرة في الرئيس، ولكن ليس عنده القدرة على التفريق بين من يصلح للرياسة وتدبير مصالح الأمة، وبين من لا يصلح لذلك.
العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة على الشروط المعتبر فيها.
الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للإمامة أصلح، وبتدبير المصالح أقوم وأعرف.
هل لأهل الحل والعقد الموجودين بالعاصمة -أي: بلد الرئيس- مزية على من عاداهم؟
يقول الإمام الماوردي مجيبًا عن هذا السؤال: وليس لمن كان في بلد الإمام على غيره من أهل البلاد فضل مزية يُقدم بها عليه، وإنما صار من يحضر بلد الإمام متوليًا العقد للإمام عُرفًا لا شرعًا لسبوق علمه بموته، ولأن من يصلح للخلافة في الأغلب موجودون في بلدهم، ...
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
... وإذا كان الماوردي قد وضح أن الشرع لم يعط أهل الحل والعقد الموجودين بالعاصمة أي مزية، أو أولوية في القيام باختيار رئيس الدولة، وإنما جرى العرف على أنهم يقومون بذلك، فعلى ذلك إذا بادر جماعةٌ من أهل الحل والعقد من غير العاصمة باختيار الرئيس، فهو اختيارٌ صحيحٌ لا غبار عليه شرعًا، ويجب على جميع أهل الحل والعقد الموجودين بالعاصمة وغيرها من النواحي الأخرى يجب عليهم الانقياد ومبايعة الرئيس الذي بايعته هذه الجماعة، وإذا كان العرف قد جرى في بعض العصور على أن أهل الحل والعقد الموجودين ببلد الرئيس هم الذي يبادرون بعقد الرياسة، فإنَّ الأعراف غير ثابتةٍ وتتغير بتغير البيئات وتعاقب الأعصر، ووسائل الاتصال السريعة في هذا العصر الحديث، والتطور الهائل فيها لم يجعلا لمن كان ببلد الرئيس مزية السبق بالعلم بموت الرئيس، بل إنَّ تعدد أجهزة الاتصال وسرعة نقلها للحوادث مما يجعل إذاعة خبر من الأخبار بين جموع الشعب، بل بين العالم بأسره عملًا هينًا يسيرًا يعلم به القاصي والداني ساعة إذاعته ونشره، ثم إنه لا يمكن الادعاء بأن من يصلحون لرياسة الدولة في هذا العصر موجودين غالبًا في بلد الرئيس، إذ هم متفرقون في أنحاء البلاد، وليس وجودهم فقط في بلد رئيس الدولة.
عدد أهل الحل والعقد الذي تنعقد به الرياسة
اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الإمامة من أهل الحل والعقد اختلافًا كبيرًا، وسنذكر ذلك:
ويقول بأن الإمام لا تنعقد إلا بإجماع الأمة عن بكرة أبيهم؛ ليكون الرضا عامًّا والتسليم لإمامته إجماعًا.
أنَّ الإمامة لا تنعقد إلا بمبايعة الجمهور من أهل الحل والعقد.
ويرى أن أقل عدد تنعقد به الإمامة أربعون؛ لأن عقد الإمامة أعظم خطرًا من الجمعة، والجمعة لا تنعقد بأقل من أربعين؛ فبيعة الإمام أولى.
ويقول: إنَّ الإمام تنعقد بخمسةٍ يجتمعون على عقدها، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة، واستدل أصحاب هذا الرأي بأمرين:
الأمر الأول :بأن بيعة أبي بكر -رضي الله عنه- انعقدت بخمسةٍ بايعوه، ثم تابعهم الناس فيها، وهؤلاء الخمسة هم: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأُسيد بن حُضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة -رضي الله عنهم أجمعين.
الأمر الثاني :أن عمر -رضي الله عنه- لما أراد أن يعهد قبل موته عهد إلى ستة من الصحابة ليختاروا أحدهم برضا الخمسة.
ويقول: بأنه يكفي بانعقاد البيعة أن يقوم بها أربعة؛ لأنَّ الأربعة أكثر نُصب الشهادة.
ويقول: بأنَّ الإمامة تنعقد بمبايعة ثلاثة؛ لأنها جماعة.
ويقول: بأنَّ أقل عدد تنعقد به الإمامة رجلان من أهل الورع والاجتهاد كعقد الزواج لا يصح إلا إذا شهد عليه شاهدان.
ويقول: بأنَّ الإمامة تنعقد بعلماء الأمة الذين يحضرون موضع الإمام، وليس لذلك عدد مخصوص.
ويقول: يكفي في انعقاد الإمامة أن يقوم بالبيعة واحدٌ فقط، لكن بشروط:
الشرط الأول : أن يكون من تولى العقد من العلماء المجتهدين.
الشرط الثاني : أن يكون هذا العاقد ممن يتصفون بالورع.
الشرط الثالث :أن يكون معدودًا من أهل الرأي والتدبير.
الشرط الرابع:أن يكون قد حاز الشهرة عند جماهير الأمة.
الشرط الخامس :أن يكون الذي عُقدت له البيعة أفضل الناس في الصفات، والشروط المطلوب توافرها في الإمام.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
ثبوت عقد الإمامة بمبايعة
والآن ما الرأي الذي نميل إليه من هذه الآراء التي ذكرناها في مسالة العدد الذي تنعقد به رياسة الدولة؟ وقبل أن نبين الرأي الذي نميل إليه نحب أن نسأل كيف يمكن تصور ثبوت عقد الإمامة بمبايعة واحدٍ فقط مع أن مبايعة الواحد للإمام تعبر عن رأي ورغبة هذا الواحد فقط، وهذه الرغبة قد لا تدل على آراء ورغبات باقي أهل الحل والعقد، وأمر رياسة الدولة أكبر من رأي الواحد مهما عظم شأنه واشتهر فضله، فهو أمرٌ يحتاج بلا شك إلى الدرس والبحث والمشاورة، وهي أمورٌ تحتاج إلى الاتصال بأهل الحل والعقد لأخذ رأيهم فيمن يريدون توليته؛ ولذلك عد عمر بن الخطاب مبادرته بالبيعة لأبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- قبل أخذ رأي أهل الحل والعقد، عد ذلك فلتة وقى الله المسلمين شرها، وقد رُوي عنه أنه خطب الناس، فقال: بلغني أن فلانًا قال: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانًا، فلا يغرن امرأً أن يقول: إن بيعة أبي بكرٍ كانت فلتة فتمت، وإنها قد كانت كذلك إلا أن الله وقّى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، فمن بايع رجلًا عن غير مشورةٍ من المسلمين فإنه لا بيعة له، هو ولا الذي بايعه.
فبان من هذا أن الأصل في المبايعة أن تكون بعد التشاور مع أهل الحل والعقد، وأن عمر خالف بعمله هذا الأصل، فكان فلتة لظرفٍ خاص اقتضى ذلك هو: خوف وقوع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، وليس هذا العمل أصلًا شرعيًّا يُعمل به دائمًا، فمن بايع واحدًا من غير مشورة من أهل الحل والعقد فلا يصح أن يكون هو ولا من بايعه أهلًا للمبايعة، ...
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
... وقد رأينا أبا بكر -رضي الله عنه- عندما أراد ترشيح عمر بن الخطاب لكي يلي أمر الناس من بعده أطال التشاور مع كبار الصحابة، وعندما أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الترشيح للخلافة ووكل إليه أمر اختيار الخليفة بقي ثلاثًا لا تكتحل عينه بكثير نومٍ، وهو يشاور كبار المهاجرين والأنصار فيمن يصلح للإمامة، ولو كان بيعة الواحد كافية في انعقاد الإمامة لما بذل عبد الرحمن بن عوف هذا الجهد كله، ولا خلا إلى نفسه وقتًا يفكر في من يصلح في نظره لتولي هذا المنصب، ثم بايعه بعد أن يقتنع بصلاحيته للإمامة، وما على باقي أهل الحل والعقد، وسائر أفراد الأمة بعد ذلك إلا الانقياد للخليفة الجديد، والرضا ببيعة عبد الرحمن بن عوف، فعبد الرحمن بن عوف لو كان يرى أن الإمامة تنعقد بواحد من أهل الحل والعقد لفعل ذلك، لكنه يرى أن الإمامة لا تنعقد بواحدٍ من أهل الحل والعقد؛ ولذلك أتعب نفسه في المشاورة -في مشاورة المسلمين- فيمن يصلح أن يكون إمامًا، وأما الاحتجاج بأن عمر لما بايع أبا بكر -رضي الله عنهما- تبعه الصحابة ووافقوه على ذلك فلا يصح؛ لأن سبب اتباع الصحابة عمر في هذه المبايعة وموافقتهم عليها هو رضاؤهم بأن يكون أبو بكرٍ هو الخليفة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
فإذن يتبين مما سبق أن القول بأن الإمامة تنعقد بالواحد غير مُسَلمٍ، ومثل ذلك القول بانعقادها بالعدد القليل كالاثنين، والثلاثة، والأربعة، والخمسة؛ لأن أمر الإمامة -كما قلنا- لا يصح فيه انفراد فردٍ أو أفراد قليلين بالبت فيما هو يهم الأمة كلها اللهم إلا إذا قل عدد أفراد جماعة أهل الحل والعقد؛ فحينئذ تكون الضرورة هي الملجئة إلى القول بانعقاد الإمامة بالعدد القليل، إلا أن هذا لا يعني أن نقول -كما قال البعض- أنه لا تصح البيعة إلا بالإجماع من فضلاء الأمة في أقطار البلاد؛ لأنه لو صح أنَّ الإمامة لا تنعقد إلا بالإجماع من أهل الحل والعقد لما صحت إمامة أبي بكر، ...
والخلاصة في هذا: أن الرأي الراجح من هذه الآراء التي اختلفت بالنسبة للعدد الذي تنعقد به الإمامة من أهل الحل والعقد هو: الرأي الذي يقول بانعقادها بالأكثرية من أهل الحل والعقد؛ لأنَّ أهل الحل والعقد مهما كان فيه من صفات الكمال فهم بشر غير معصومين، فلا نأمن من جانب الهوى والنفس أمارة بالسوء، فمن الجائز أن تميل القلة إلى شخصٍ غير مستحقٍّ للرياسة فيبايعوه، فحتى نأمن ذلك أو حتى نظن أمان ذلك يجب اشتراط الأكثرية المطلقة عند مبايعة رئيس الدولة، ولا يصح النظر إلى البلاد الذي ينتمي إليها هؤلاء الأكثرية، فالبيعة من الأغلبية المطلقة من أهل الحل والعقد صحيحة حتى ولو لم يكن فيهم واحد من أهل العاصمة؛ لأنَّ القول بأنه لا بد في صحة عقد الإمامة من أن يكون الذين بايعوه هم أهل الحل والعقد الموجودين ببلد الإمام تحَكْمٌ لا برهان عليه.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
... فإنَّ الثابت أن سعد بن عُبادة لم يبايع أبا بكر إمامًا، وإنما ترك اجتماع السقيفة وهو حانقٌ ثائرٌ غير راضٍ عن مبايعة أي من المهاجرين، وعلي بن أبي طالب ظل ممتنعًا عن مبايعة أبي بكر ستة أشهر كما تقول بعض كتب التاريخ، ولو قلنا بذلك أيضًا لكان هذا -كما يقول ابن حزم- تكليف ما لا يطاق، وما ليس في الوسع، وما هو أعظم من الحرج والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وإنما نقول في هذا الأمر بوجوب مبايعة الأكثرية من أهل الحل والعقد.
الطريق الثاني: انعقاد الإمامة عن طريق العهد من الإمام الحالي
عهد الإمام إلى واحد آخر لكي يلي الإمامة من بعده هو أحد الطرق التي اعتبرها العلماء موجبة لانعقاد الإمام، فنقول: تكلم الفقهاء والمتكلمون عن العهد باعتباره طريق من طرق انعقاد الإمامة بأن يعهد الإمام الحالي بالإمامة إلى رجل يختاره ليكون الإمام من بعده.
يقول الإمام الماوردي: وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو بمن عقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكراهما:
أنَّ أبا بكر -رضي الله عنه- عهد بها إلى عمر -رضي الله عنه- فأثبت المسلمون إمامته بعده.
أن عمر -رضي الله عنه- عهد بها إلى أهل الشورى؛ فقبلت الجماعة دخلهم فيها وهم أعيان العصر اعتقادًا لصحة العهد بها، وخرج باقي الصحابة منها، ويقرر العلماء أنَّ الإمام بتوليه منصبه إنما يجب عليه أن ينظر في مصالحهم الدينية والدنيوية، وإذا ما وجب عليه النظر حال حياته، فالنظر في مصالحهم بعد مماته تابعٌ لذلك.
شروط صحة انعقاد الرياسة بالعهد
إما أن يعهد الإمام إلى واحدٍ فقط، وإما أن نعهد إلى أكثر من واحد، وسنتكلم عن كلِّ حالةٍ من هاتين الحالتين:
أن يكون العهد إلى واحدٍ فقط، ولا بد حينئذ حتى يكون العهد صحيحًا من توافر شروط ثلاثة:
الشرط الأول :أن تكون الشروط المطلوبة في الإمام متحققة في المعهود إليه، من وقت أن عهد إلى حين توليه الخلافة بعد موت الإمام العاهد، وعلى ذلك فلو لم تكن هذه الشروط متحققة فيه عند العهد إليه كأن كان صغيرًا أو فاسقًا حينئذ لم يصح العهد، وكذا لو كان صغيرًا أو فاسقًا عند العهد إليه بالغًا عدلًا عند موت الإمام العاهد لم يصر بذلك العهد إمامًا للمسلمين، بل لا بد من مبايعة أهل الحل والعقد له بالخلافة.
الشرط الثاني : أن يقبل المعهود إليه العهد، فإذا لم يقبل المعهود إليه هذا العهد، وجب أن يبايع أهل الحل والعقد غيره.
الشرط الثالث : أن يكون الإمام العاهد قد قام بهذا العهد والإمامة لا زالت معقودة له، فإن عهِد بالإمامة في حال طروء عارض يخرجه عن الإمامة لم يصح العقد.
أن يكون العهد إلى اثنين فأكثر، وذلك على ضربين:
الضرب الأول :أن يجعل الإمام أمر الإمامة شورى بينهم لم يقدم واحدًا منهم على الآخر، فيجب في هذه الحال أن يختار أهل الحل والعقد واحدًا من هؤلاء الذين جُعِلَ أمر الإمامة شورى بينهم، أو يخرج الجميع أنفسهم إلى أمر الإمامة إلا واحدًا يتنازلون له عن حقِّهم فيها، وقد استدل العلماء على هذا بما فعله عمر -رضي الله عنه- بعد طعنه، وبما فعله الصحابة حينئذٍ، فقد رُوي أنه قيل له: أوصِ يا أمير المؤمنين استخلف، فقال: ما أرى أحدًا أحق بهذا الأمر من هؤلاء الرهط الذين توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راضٍ، فعد عليًّا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدًا، وعبد الرحمن، فلما توفي -رضي الله عنه- اجتمع هؤلاء الرهط الذين جُعِلَ الأمر فيهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: قد جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن، فقال عبد الرحمن بن عوف لعلي وعثمان: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان، ...
... فقال عبد الرحمن بن عوف: أفتجعلونه إليّ، والله عليّ ألا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد علي وقال له: لك من قرابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والقِدم في الإسلام ما قد علمت، والله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن وتطيعن، ثم خلا بعثمان، فقال له مثل ذلك، ثم استقر رأي عبد الرحمن بن عوف على عثمان، فقال له: ارفع يدك يا عثمان فبايعه، وبايع له علي، وتتابع الناس فبايعوه.
الضرب الثاني :أن يعهد الإمام بالإمامة إلى أكثر من واحدٍ يرتبها فيهم، فيقول مثلًا: إن مت ففلان هو الإمام، فإن مات فالإمام فلان وهكذا، فالإمامة حينئذٍ يجب أن تكون لمن ذكرهم على الترتيب الذي بينه، فقد استدل على هذا أو قد استُدل على هذا بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- استخلف زيد بن حارثة على جيش مؤتة، ثم قال: فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتضي المسلمون رجلًا، فتقدم زيد فقُتل فأخذ الراية جعفر، وتقدم فقُتل وأخذ الراية عبد الله بن رواحة، فتقدم فقُتل فاختار المسلمون بعده خالد بن الوليد.
رأينا في ولاية العهد: يتبين من تتبع كلام الفقهاء عن العهد أن جمهورهم يعتبرون عهد الخليفة إلى واحدٍ كافيًا في انعقاد الإمامة له، ولا يحتاج لتتم له البيعة إلى مبايعة أهل الحل والعقد بعد عهد الإمام، بل في استطاعته أن يعهد إلى من يراه صالحًا للإمامة بعده من غير أن يستشير في ذلك أحدًا، وكل ما عليه هو أن يجتهد ما وسعه الاجتهاد في هذا الاختيار.
أن يكون المعهود إليه ولدًا أو والدًا، وقد اختلف العلماء في جواز أن ينفرد الإمام بعقد البيعة له على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول : أنه لا يجوز أن ينفرد الإمام بعقد البيعة لواحدٍ منهما -يعني: لا لولده ولا لوالده- بل لا بد من موافقة أهل الحل والعقد على هذه البيعة؛ لأن ذلك منه تزكية له تجري مجرى الشهادة، وتقليده على الأمة يجري مجرى الحكم، وهو لا يجوز أن يشهد لوالده أو لولده، ولا يحكم لواحد منهما؛ لأنه ميالٌ بالطبع إلى كلِّ واحدٍ منهما.
المذهب الثاني :ويقول: إن للإمام أن يعهد إلى الوالد أو الولد بدون استشارة أهل الحل والعقد؛ لأنه حاكم الأمة، وأمره نافذٌ عليهم ولهم، فحكم المنصب غالبٌ على حكم النسب، ولم يجعل للتهمة عليه في ذلك طريقًا، وصار فيها كعهده إلى غير ولده ووالده.
المذهب الثالث :ويرى أنَّ للإمام أن ينفرد بعقد البيعة للوالد، وأما انفراده بعقدها للولد فلا يجوز؛ لأنه بالطبع يميل إلى الولد أكثر من ميله إلى الوالد؛ ولذلك كان كلُّ ما يقتنيه في الأغلب مدخرًا لولده دون والده.
ألا يكون المعهود إليه ولدًا أو والدًا كأن يكون أخًا، أو ابن عم، أو أجنبيًّا، وهنا اتفق الفقهاء على أنه يجوز أن ينفرد الإمام بعقد البيعة له من غير أن يستشير فيه أهل الحل والعقد، ولكنهم اختلفوا في أنه هل يشترط ظهور الرضا من أهل الحل والعقد حتى تنعقد البيعة أو لا يشترط ذلك خلافٌ بين الفقهاء.
XXXXXXXXXXXXX
أن يكون المعهود إليه غائبًا، وحينئذٍ فينظر في حاله؛ فإن كان مجهول الحياة لم يصح العهد إليه، وإن كان معلوم الحياة صح العهد إليه وكان موقوف على قدومه، فإذا مات الإمام العاهد وولي العهد لا زال غائبًا وجب أن يستقدمه أهل الحل والعقد، فإن جاء تولى إمامة المسلمين، وإن ظل غائبًا وتضرر المسلمون لطول غيبته اختار أهل الحل والعقد واحدًا آخر نائبًا عنه حتى يحضر، وتكون أحكامه فيهم كأحكام الإمام، فإذا قدم الغائب انعزل نائبه.
XXXXXXXXXXXXX
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
الخليفة إذا أراد العهد لزمه أن يجتهد في الأصلح يقول الإمام النووي: إنَّ الخليفة إذا أراد العهد لزمه أن يجتهد في الأصلح، فإذا ظهر له واحدٌ جاز أن ينفرد بعقد بيعته من غير حضور غيره ولا مشاورة أحد، والناظر في هذا يرى أن العلماء بقولهم بهذا الرأي إنما يعتمدون في ذلك على أمرين:
أنَّ الإمام الذي يعطي هذا الحق إنما هو إمامٌ مثاليٌّ قد تمت مبايعته بالطريق الشرعي الصحيح، والذي بينا شروطه -فيما سبق- عند كلامنا على شروط الإمامة، فتوافر هذه الشروط فيه من شأنه أن يجعلَنا نثق فيما يقوم به من أمور الحكم ثقةً كاملةً، ونؤمن بأنه لم يزغ فيما قام به من عهدٍ عن الطريق الواجب، فلم يعهد إلى واحدٍ بعينه إلا بعد أن رآه صالحًا لرئاسة الأمة، ولم يتأثر في ذلك العمل بقرابةٍ أو صداقةٍ أو محبةٍ، بل كان فيما قام به إنما يقصد مصلحة الأمة ووجه الله -تبارك وتعالى.
يقول ابن خلدون: وأما أن يكون القصد بالعهد حفظ التراث على الأبناء فليس من المقاصد الدينية؛ ...
... إذ هو أمر من الله يخص به من يشاء من عباده، ينبغي أن تحسن فيه النية ما أمكن خوفًا من العبث بالمناصب الدينية، فهذا العمل الذي قد يكون خاتم ما يقوم به من نظرٍ في شئون الرعية هو مما سيحاسب عليه أمام ربه، وسيؤثر تأثيرًا عظيمًا في حياة أمةٍ بأكملها؛ ولذلك تخوف عمر لما طلبوا منه أن يستخلف، فقال: أتحملها حيًّا وميتًا، فهذا الإمام الذي يعطي عهده هذا التأثير في انعقاد البيعة لمن يخلفه، إنما هو شخصٌ اجتمعت فيه ضمانات قوية تحصنه في غالب الظن ضد الانحراف عن الجادة، فالثقة في هذا الإمام تامة، وخوفه من الله في غالب الظن متحقق، فإذا ما أعطى هذا الإمام هذا الحق، فإنه سيكون غالبًا معبرًا عن رأي الأمة فيمن تراه صالحًا لئن يلي الأمور من بعده.
الذي حدا بالعلماء على أن يقولوا بانعقاد البيعة بمجرد أن يعهد الإمام إلى آخر، فهو ما تفيده الظواهر السابقتين اللتين يستدل بهما العلماء على اعتبار العهد طريقًا في انعقاد الإمامة، ونعني بهما: عهد أبو بكر لعمر، وعهد عمر للستة الذين اختارهم، فإن هاتين سابقتين تفيدان في الظاهر أن كلًّا من أبي بكر وعمر -رضي الله عنها- قد عهد من غير أن يجتمع مع عهده رضا الأمة بذلك ممثلة في أهل الحق في أهل الحل والعقد من كبار الصحابة.
XXXXXXXXXXXXX
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
ونحب أن نبين أن كلًّا من الأمرين لا يصح أن يُجعل مرتكزًا للقول بانعقاد الإمامة بالعهد من الإمام وحده، وذلك لأنه بالنسبة إلى الأمر الأول: فإنه مهما بلغت صفات الكمال في الخليفة فإنه بشرٌ غير معصومٍ من الخطأ لا يؤمن أن يميل في ساعة ضعفٍ إلى قريبٍ أو صديقٍ فيعهد إليه بأمر الخلافة، فكل هذا يدل على أن الإمام مهما اشترطنا فيه من شروط فهو بشرٌ، ليس ثمة ما يمنعه من أن يحيد عن الواجب ويميل مع الهوى؛ فيعهد إلى من لا يستحق؛ لأن العصمة لم تثبت إلا للرسل -صلوات الله وسلامه عليهم.
وأما بالنسبة إلى الأمر الثاني وهو: أن سابقتي عهد أبي بكر لعمر، وعهد عمر إلى أهل الشورى تفيدان في الظاهر أن العهد من الخليفة كافٍ وحده بدون أن يجتمع معه رضا الأمة الممثلة في أهل الحل والعقد، فإننا نقول فيما يتعلق بالسابقة الأولى -ونعني بها عهد أبي بكر إلى عمر -رضي الله عنهما- فإنه قد ثبت أن أبا بكر خير الناس بين أمرين: إما أن يختاروا هم من سيتولى الخلافة بعده، وإما أن يتركوا له أمر هذا الاختيار، فطلبوا منهم لثقتهم فيه أن يختار لهم؛ فإن أبا بكر بعد أن أحس بقرب نزوحه عن الدنيا أمر أن تجتمع له الناس؛ فاجتمعوا فقال: أيها الناس قد حضرني من قضاء الله ما ترون، وإنه لا بد لكم من رجلٍ يلي أمركم، ويصلي بكم، ويقاتل عدوكم، فيأمركم، فإن شئتم اجتمعتم فائتمرتم ثم وليتم عليكم من أردتم، وإن شئتم أجتهد لكم رأيي، والله الذي لا إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرًا؛ فبكى وبكى الناس، وقالوا: يا خليفة رسول الله أنت خيرنا وأعلمنا فاختر لنا؟ قال: سأجتهد لكم وأختار لكم خيركم -إن شاء الله- ولقد رضي الناس عن عمل أبي بكر، وأظهروا السمع والطاعة لمن عهد إليه من غير إجبارٍ من أحدٍ؛ ...
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
... فإنه لما استقر رأيه على عمر أشرف على الناس وهو يقول: أترضون بمن أستخلف عليكم، فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا؟ فقالوا: سمعنا وأطعنا، بل إن بعض الروايات التي وصفت ما حدث آنذاك تحكي أن الناس قبل أن يعرِفوا من هو المعهود إليه رضوا به لثقتهم التامة فيما يقوم به الصديق، وارتفع صوتٌ واحدٌ من كبار أهل الحل والعقد يطالب الخليفة بألا يعهد إلا إلى عمر.
صحيحٌ أنه قد ثبت أنَّ بعض الصحابة لِما يعلمونه من شدة عمر كانوا قد ناقشوا أبا بكر وعاتبوه عندما بلغهم اختيار عمر لهم، لكنهم رضوا بعد ذلك، فهذا معناه: أن أبا بكر -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- لم يعهد لعمر بن الخطاب إلا بعد أن استشار الناس، وأخذ رأي أهل الحل والعقد، ووافقوا على ذلك.
وأما بالنسبة إلى السابقة الثانية وهي: عهد عمر إلى أهل الشورى الستة، فإنه ثبت أن هؤلاء الستة كانوا حائزين رضا الأمة ولم يوجد غيرهم من يصلح للإمامة.
١.١٢ انعقاد الإمامة عن طريق أهل الحل والعقد
ننتهي من هذا كله إلى أن السابقتين اللتين يستدل بهما العلماء على انعقاد الإمامة، بالعهد من الخليفة تُفيدان في الواقع أن للإمام أن يرشح من سيخلفه في رئاسة الأمة، وهو موثوقٌ في حسن اختياره ما دام قد توافرت له الصفات المطلوبة في الإمام بعيدة عن التهم حتى لو رشح لها ابنه أو أباه، إلا أن هذا -كما قلنا- مجرد ترشيح ليس كافيًا وحده في انعقاد الإمامة للمعهود إليه، وإنما لا بد من رضا أهل الحل والعقد بهذا العهد، ومبايعتهم للمعهود إليه، فالمعهود إليه إذن لا تنعقد إمامته إلا بعد أن يبايعه أهل الحل والعقد، ولهم ألا يبايعوه وأن يختاروا غيره إذا لم يكن صالحًا في نظرهم لتولي هذا المنصب، وهذا هو ما كان يفهمه خلفاء بني أمية، فإنهم كانوا إذا عهدوا إلى قريبٍ لهم لم يكتفوا بالبيعة الصادرة من الخليفة، بل كانت البيعة تؤخذ من الناس للمعهود إليه والخليفة العاهد ما زال على قيد الحياة، ثم تجدد البيعة بعد موته، ولو كانوا يعلمون أن مجرد العهد من الإمام كافٍ في انعقاد البيعة لما احتاجوا إلى أخذ البيعة من الناس.
وإننا لنجد عمر بن عبد العزيز وهو من وهو في فقهه وعلمه بأحكام الشريعة بعد أن عهد إليه سيلمان بن عبد الملك بالخلافة، وبعد أن قرئ كتاب العهد على الناس بعد وفاة سليمان بن عبد الملك يصعد المنبر ويقول: (إني والله ما استؤمرت في هذا الأمر وأنتم بالخيار). فهذا منه دليلٌ على أن البيعة لا اعتبار لها إلا إذا كانت من أهل الحل والعقد الممثلين لرغبة الأمة، ولو كان العهد من الخليفة السابق كافيًا وحده في انعقاد الإمامة لما التقى عمر بالناس ليخبرهم بأن لهم كل الاختيار في مبايعته إمامًا عليهم أو عدم مبايعته.