٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


المسألة الأولى: عزل رئيس الدولة عن طريق نفسه
بيّن الفقهاء المسلمون أنَّ عزل الإمام نفسه إما أن يكون لعجز أو ضعف كمرض وهرم، وإما أن يكون لا لعجز ولا ضعف بل لإيثاره ترك هذا المنصب طلبًا لتخفيف العبء عنه في الدنيا والآخرة، وإما أن يكون لا لهذا ولا لذاك، ولكل من هذه الأحوال حكم خاصّ بها:

أن يعزل الإمام نفسه لعجزه عن القيام بما هو موكول إليه من أمور الناس لهرم أو مرض أو نحوهما، فإنه ينعزل إذا عزل نفسه لذلك؛ لأنَّ العجز إذا تحقق وجب زوال ولايته لفوات المقصود منها، بل يجب عليه إذا أحس بذلك أن يعزل نفسه حرصًا على مصلحة المسلمين، فسواء أكان هذا العجز ظاهرًا للناس أم استشعره هو من نفسه فهو موجب لتركه هذا المنصب.

٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


المسألة الثانية: انعزال رئيس الدولة لا عن طريق نفسه

أجمع المسلمون على أن رئيس الدولة إذا لم يحدث أمرًا يخل بعدالته أو يتغير حاله فلا يجوز للأمة أن تعزله، يقول البعض: ولا يجوز خلع الإمام من غير حدث ولا تغير أمر، وهذا مجمع عليه؛ وذلك لأنَّ المسلمين أيام الفتنة التي اشتعلت في عهد الخليفة الثالث عثمان -رضي الله عنه- قد اختلفوا على قولين لا ثالث لهما، فمنهم من قال: إنه أحدث أمورًا أخلت بواجبات منصبه فيجب عزله، ومنهم من قال: إنه لم يحدث حدثًا يخلّ بواجباته فلا يجوز عزله، فما خرج عن هذين القولين فهو باطل بالاتفاق؛ وأيضًا لأن الإمام لم يكلف هذا المنصب إلا بعد أن توافرت فيه شروط خاصة، فإذا ما فقد هذه الشروط بعد توليته كان هناك سبب مقتض لعزله، وأما إذا ظلّ سليم الحال لا يأخذ عليه من ينكر من إخلال بأمور الدين أو بسياسة الشعب، فإنَّ الإقدام على عزله آن ذاك ما هو إلا اتباع للأهواء وتلاعب بمنصب هو أخطر مناصب القيادة وهو ما يؤدي إلى الفساد، وأما إذا تغير حاله فوُجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين أو انتكاس أمور الدين فقد خرج حينئذ عن سَمْتِ الإمامة وأصبح مستحق الإقصاء عن هذا المنصب.

هذا وقد بَيَّن العلماء الأمور التي بها يتغير حاله، فمنها ما هو راجع إلى خلقه وتصرفاته، ومنها ما هو راجع إلى بدنه، وسنتكلم عن هذه الأمور مبينين خلاف العلماء إن وجد عند الكلام عن كل أمر منها فنقول:


٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


الردة

فإذا ما ارتد رئيس الدولة عن الإسلام فقد انعزل في نفس اللحظة عن الرياسة، يقول المولى سبحانه وتعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)) [النساء: ١٤١] وأي سبيل أعظم من سبيل الإمام، وأيضًا لأنَّ الإمام لم يكلف هذا المنصب إلا لحراسة الدين وسياسة الدنيا، فإذا ما ارتد عن الإسلام فكيف تتحقق منه حراسة الدين، إن ارتداده عن الدين يزول به مقصود الإمامة، وكل ما يزول به مقصود الإمامة مؤدٍّ إلى انحلال عقدها، فالردة مؤدية إلى انحلال عقد الإمامة وهذا أمر واضح لم يخالف فيه أحد من المسلمين.

زوال العقل

وقد بيّن العلماء أحوال زوال العقل، وبيّنوا لكل حال حكمها الخاص بها فقالوا: إن زوال العقل إما أن يكون عارضًا يُرجى زواله كالإغماء، أو لازمًا لا يرجى زواله كالجنون والخبل، فإن كان عارضًا مرجوًّا زواله كالإغماء فهذا لا يُبطل الرياسة، فلا يجوز لهم عزله؛ لأنه مرض قليل اللبث، وإن كان لازمًا لا يُرجى زواله كالجنون والخبل فإما أن يكون مهبطًا لا يتخلله إفاقة أو يتخلله إفاقة، فإن كان مهبطًا لا يتخلله إفاقة فهذا يبطل عقد الإمامة؛ لأنه يمنع المقصود من الإمامة، وهو إقامة واستيفاء الحقوق وحماية المسلمين؛ ...

٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


... ولأنَّ المجنون يجب إقامة الولاية عليه فكيف يتصور أن يكون هو واليًا على الأمة، وأما إن كان يتخلله إفاقة يعود فيها إلى حال السلامة، فإما أن يكون أكثر زمانه الخبل أو أن يكون أكثر زمانه الإفاقة، فإن كان أكثر زمانه الخبل فالحكم فيه كما لو كان مهبطًا فيبطل به عقد الإمامة، وإن كان أكثر زمانه الإفاقة فقد اختلف فيه العلماء على رأيين:
الرأي الأول :يقول بأن ذلك يبطل عقد الإمامة كما يمنع ذلك من عقده له في الابتداء؛ لأن في ذلك إخلال بالنظر المستحق فيه.
الرأي الثاني: يقول لا يبطل عقد الإمامة وإن كان ذلك يمنع من عقدها له ابتداء؛ لأنه يراعى في ابتداء عقدها سلامة كاملة وفي الخروج منها نقص كامل.

ذهاب الحواس المؤثرة في الرأي أو العمل

والكلام في هذه الناحية يتناول ثلاثة نقائص هي: العمى، والصمم، والخرس. فأما العمى: فإنه إذا أصيب به الرئيس بعد توليته أبطل رياسته كما يبطل ولاية القضاء وتردّ به الشهادة، وأما إذا ضعف بصره فينظر، فإن كان يستطيع معه معرفة الأشخاص التي يراها لم يقبح ذلك في رياسته، وإلا فتبطل رياسته، وأما العشاء وهو عدم الإبصار ليلًا فكما أنه لا يكون مانعًا عن عقد الرياسة له ابتداء لا يكون ذلك قادحًا في استدامة الرياسة من باب أولى. وأما الصمم: فقد اخْتَلَف العلماء في طروئه على رئيس الدولة: هل يكون ذلك قادحًا في رياسته أم لا على ثلاثة مذاهب:
هذا ما يتصل بذهاب الحواس المؤثرة في الرأي أو العمل، وأما ما لا يؤثر ذهابه في الرأي والعمل كذهاب حاسة الشم وفقدان الذوق الذي يدرك به الطعام فباتفاق العلماء لا ينعزل الرئيس به.

٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


وهو أصحّها: أنه ينعزل بذلك كانعزاله بالعمى لتأثيره في التدبير والعمل.

فَقْد الأعضاء التي يخلّ فقدها بالعمل أو النهوض

كانقطاع اليدين جميعًا أو الرجلين جميعًا، فإذا حدث للرئيس شيء من ذلك انعزل به لعجزه عن كمال القيام بحقوق الأمة، وأما إذا حدث له ما يؤثر في بعض العمل أو في بعض النهوض دون بعض؛ كبتر إحدى اليدين أو إحدى الرجلين فقد اختلف العلماء في ذلك على رأيين:

٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


وهو الأصح: أنه لا ينعزل به وإن كان ذلك يمنع انعقاده له ابتداء؛ لأن المعتبر في عقدها كمال السلامة فيعتبر في الخروج منها كمال النقص.

٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


بطلان تصرف رئيس الدولة
ويندرج تحت هذا عدة صور:
أن يحجر عليه ويقهره من يستبد من أعوانه بالتصرف في أمور الأمة من غير تظاهر بمعصية ولا خروج عن طاعة، فإذا حدث هذا فإنَّ العلماء ينظرون في مقام بيان الحكم فيه إلى ناحيتين:
الناحية الأولى: هل صلاحيته للرياسة لا زالت موجودة أم أنه بوقوعه تحت قهر هذا المستبد قد فقد صلاحيته لهذا المنصب.


٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


جور الرئيس
أي: ظلمه عباد الله تعالى، وفسقه؛ أي: خروجه عن طاعته سبحانه وتعالى، فنقول: اختلف العلماء في جور رئيس الدولة وفسقه يعني: إذا أصبح ظالما وغير عادل: هل ينعزل بسببهما؟ أي: هل ينعزل بسبب الظلم وبسبب الفسق الذي طرأ عليه بعد أن تولى الرئاسة أم لا؟
نقول: فأما الخوارج فإنهم لما كانوا يقولون بأن الفسق يُخرج مرتكبه عن الإمام قالوا بانعزال الإمام إذا فسق؛ لأنه حينئذ ليس مؤمنًا وغير المؤمن لا يصلح أن يكون إمامًا، وكذلك يرى المعتزلة انعزاله بالجور والفسق؛ لأنه إذا وجب انعزال القاضي وأمير الإقليم بظهور الفسق عليهما فإنه يجب انعزال الإمام من باب أولى إذا ارتكب ذلك، ويرى البعض أيضًا أنه لا ينعزل بذلك؛ لأن في انعزال الإمام ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة لما له من الشوكة.
ولو رجعنا إلى الجماعة الأحناف فإنهم لما كانوا لا يرون العدالة شرطًا في صحة الولاية حيث يصحّ عندهم تقليد الفاسق رياسة الدولة لكن مع الكراهة، نقول: لما كانت العدالة ليست شرطًا عندهم في صحة رياسة الدولة فإنهم قالوا: إذا اختارت الأمة إمامًا توافرت فيه صفات العدالة ثم جار أو فسق فإنه لا ينعزل عن منصب الإمامة ولكنه يستحق أن يعزله أهل الحلّ والعقد إذا أمنوا وقوع الفتنة، وإن لم يؤمن وقوعها فلا ينعزل.

٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


أي أن الأحناف يقولون بأنه إذا فسق ففي هذه الحالة لا يكون واجب العزل أو لا ينعزل بمجرد هذا الفسق، وإنما الأمر يكون متروكًا لأهل الحلّ والعقد، فإن رأوا عزله عزلوه وإن رأوا إبقاءه أبقوه، لكن في حالة ما إذا رأوا عزله عليهم أن يلاحظوا ما يترتب على عزله من فتن، فإن ترتب على عزله فتن فعليهم ألا يعزلوه في هذه الحالة. وقد استند الحنفية في رأيهم هذا إلى أن الصحابة -رضي الله عنهم- صلوا خلف بعض بني أمية وقبلوا ولايتهم، فقد صلى غير واحد منهم خلف مروان بن الحكم قالوا: وروى البخاري في تاريخه (أدركت عشرة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلهم يصلي خلف أئمة الجور).
وعدم انعزال الرئيس بالفسق هو ما يراه أكثر العلماء؛ لأنَّ السلف كانوا يرون الفسق ظاهرًا والجور واقعًا من الأئمة بعد الخلفاء الراشدين، وكانوا مع ذلك ينقادون لهم، وكان الصحابة والتابعون ومن بعدهم يرون خلافة بني أمية وبني العباس مع أن أكثر بني أمية وأكثر بني العباس كانوا فساقًا.
وبعد فهذه هي آراء العلماء في انعزال رئيس الدولة بالفسق والجور، وأننا نرى أن الرأي القائل بوجوب عزل رئيس الدولة بالجور والفسق إذا لم تكن فتنة هو الأولى بالقبول، فيجب على أهل الحلّ والعقد في الدولة إذا رأوا جور رئيس الدولة أو فسقه أن يعلنوا عزله عن منصبه إذا أمنوا وقوع الفتن وأن يقوموا باختيار من هو أهل للرياسة بعد ذلك، وأما إذا لم يأمنوا وقوع الفتن فلا يجوز لهم عزله، وإنما قلنا بوجوب عزله إذا جار أو فسق بشرط عدم الفتنة؛ لأنه إذا كنا شرطنا العدالة فيمن يولى رئيسًا على المسلمين فإن فقدان هذا الشرط إذا كان قادحًا في استحقاق تولي منصب الإمامة ابتداء، فإنه يجب أن يكون قادحًا في استمرار الإمامة أيضًا؛ ...

٤.١٢ انتهاء ولاية الإمام، أو عزله


... لأن علة اشتراط هذا الشرط لا تزول بمجرد تولية هذا المنصب والإمامة قيادة لأمة مسلمة، وكما أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو القدوة الحسنة لكل المسلمين حكّامًا ومحكومين في جميع الأعصر فإن رئيسهم يجب أن يكون مثلهم في الاقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- والخضوع لأحكام الدين الذي اختير لحراسته؛ لأن الناس على دين ملوكهم فإذا فسق الرئيس أو جار وهو القائم على قمة السلطة التنفيذية في الدولة -فإن إيمان الناس بالفضيلة والعدل قد يهن، وقد يتخذه من لم يتمكن الإسلام من نفوسهم في سلوكهم مثلًا وقدوة، وفي هذا أعظم الضرر على الدين وعلى الأمة.
وأما ما استند إليه القائلون بعدم الانعزال من أن الصحابة كانوا يصلّون خلف بعض بني أمية مع ظهور فسقهم، وأن التابعين كانوا يعترفون بخلافة بني العباس مع أن أكثر هؤلاء كانوا فساقًا فلا نسلم بهذا الاستدلال؛ إذ إن هؤلاء الحكام كانوا ملوكًا تغلبوا على الأمر، والمتغلب تصحّ إمامته للضرورة؛ حتى لا تتعطل مصالح المسلمين من فصل قضاياهم، وزواج من لا ولي لها، وجهاد الكفار وغير ذلك مما سبق بيانه، وليس بشرط في صحة الصلاة خلف الإمام أن يكون عدلًا فقد روى أبو هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا وإن عمل الكبائر}}.