![]() |
أجمع علماء الأمة الإسلامية على أن منصب الرئيس الأعلى للدولة لا يورث، وأنه لا بدّ من وجوب صفاتٍ معينة فيمن يُرشح لتولي هذا المنصب الخطير، سوى فرقة الإمامية؛ فإنهم شذّوا على إجماع الأمة، وذهبوا إلى التوارث فيه، وهو الرأي الذي سنتعرض إليه عند الكلام عن طرق انعقاد الرئاسة، وأما من عداهم من جماهير الأمة الإسلامية فلا يُجيزون أن تكون الوارثة طريقًا إلى تولى هذا المنصب. |
![]() |
وثمّة أمر مهم يجب أن نلاحظه، هو أن الشروط التي اشترطها العلماء فيمن يراد توليته رياسة الدولة الإسلامية، هي شروط يجب مراعاتها في الحال، التي تكون صفة الاختيار متوافرة للأمة فيها، فيجب عليها في هذه الحال ألا تولِّي أمورَها إلا من تحقّقت فيه هذه الشروط، وأما إذا انتفت حال الاختيار، وألجئت الأمة إلى حالٍ لا اختيار لها فيها، كتغلب البعض ممن لا يصلحون للإمامة العظمة بالانقلابات العسكرية، فالعلماء في هذا الحال يبيّنون أنَّ التمسك بالشروط الواجب هنا قد يؤدي إلى فتنٍ يجب أن تصان الأمة عن الدخول في شرورها، وحينئذٍ يجوز شرعًا إقرار هذه الحال مؤقتًا إلى أن تحين فرصة التغير لمن هو مستوفٍ للشروط المطلوبة، وسنبيّن هذه الشروط ووجهة النظر في اشتراطها فيما يلي: |
![]() |
يقول البعض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافرٍ، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر -أي بعد تولى الخلافة- انعزل، وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)) [النساء: ١٤١] وهل هناك من سبيل أعظم من ولاية الإمام الأعظم؟ وأيضًا لأن الله -سبحانه وتعالى- أمر بقتال غير المسلمين حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، فكيف يمكن لغير المسلم أن يتزعّم، ويقود الحرب التي يشنّها المسلمون على غير المسلمين؛ وعلى هذا فلا يجوز أن تعقد رياسة الدولة لكافرٍ أصليٍّ أو مرتدٍّ؛ لأن معنى إقامة دولة إسلامية هو أن تلتزم بالقانون الإسلامي، تطبقه، وتعيش حياتها على وفق تعاليمه، وهذا القانون الإسلامي لا يُتَصوّر تطبيقه إلا من أناسٍ يدينون بالولاء والخضوع التام لهذا القانون، إن أيّ نظام -مهما كان نوعه- لا يمكن أن يقبل أن يسند المركز الأول فيه -أو أي مركز مهم- إلّا إلى شخص يؤمن تمام الإيمان بهذا النظام ويسعى جاهدًا لنصرته. |
![]() |
من الشروط التي يجب توافرها في الإمام أو رئيس الدولة، وهو شرط أجمعت الأمة أيضًا عليه وهو البلوغ، إلا الإمامية فإنهم شذُّوا عن هذا الإجماع، وجوّزوا أن يكون الإمام طفلًا، لكن هذا القول من الإمامية إنما هو قولٌ لا يعتدّ به، ويبقى الإجماع قائمًا على أنه لا يجوز تولية رياسة الدولة لغير البالغ. |
![]() |
وهنا قد يرد سؤال هو: ما الحكم إذا فرض الصبي في حال ضرورةٍ فعلًا؟ يعني: إذا كان الفقهاء قد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يتولّى رياسة الدولة أو الإمامة العظمى طفلٌ غيرُ بالغٍ، فلو فرض أن هذا الطفل قد فرض عليهم ليكون إمامًا أعظم أو ليكون خليفةً ... فما العمل في هذه الحالة؟ ما الحكم إذا فُرِض هذا الصبي في حال ضرورة؟ أي بأن لم يكن هناك رضًا من الشعب، ولكنه فرض عليهم قسرًا وقهرًا، كأن ألزم الشعب به حاشية أبيه الذين يملكون السلطة ووسائل قهر الأمة؟ |
![]() |
والجواب: أن هذه فعلًا هي حال ضرورة، وعندئذٍ يجب على أهل الحل والعقد في الأمة إعلان أن هذا أمر غير شرعي، ويجب على الأمة أن تؤيّدهم في هذا، والمطالبة بتولي مستوفي الشروط، فإذا استمرّ فرضُ هذا الصغير على الأمّة فعندئذٍ لا يُتصوّر تعطيلُ مصالح الأمة، فيجب نصب والٍ -كما يقول الحنفية- لهذا الصغير، ولكن يجب أن يكون مستوفيًا شروط الإمامة، فإنَّ تمادى الذين لهم مقدرة فرض هذا الصغير ونصّبوا واليًا غير مستوفٍ للشروط، فيكون هذا أيضًا حال ضرورة تخضع لها الأمة مؤقتًا؛ حتى لا تتعطّل المصالح الدينية والدنيوية لأفراد الشعب، ولكن ليس للأمة أن ترضى بهذا الوضع باعتباره وضعًا يجب أن يستمر، بل على الأمة -وبخاصة أهل الحل والعقد- انتهاز كل فرصة يمكن أن تساعد على تغيير هذا الوضع وتولية مستوفي الشروط، إذا لم تكن فتنة من محاولة التغيير هذه، أما أن ترضى الرعية وتتّفق على تولية ابنٍ صغيرٍ للإمام مكان والده بدون قسر ولا إكراه من السلطة، فهي ليست حال ضرورة، وهذا هو الخطأ الذي لا مبرِّر له. |
![]() |
وهذا شرط بدهيٌّ، فلا تنعقد رياسة ذاهب العقل بجنون أن بغيره كالخبل؛ إذ إن ذاهب العقل يحتاج هو نفسه إلى وليٍّ ليصرف له أموره، فكيف توكل إليه أمور غيره؟! وإذا كان الصبي محروم من تولي هذا المنصب لهذا السبب فذاهب العقل من باب أولى. |
![]() |
وقد قسّم الإمام الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) إلى سببين: |
![]() |
ونرى أن الرأي الأول هو الأولى بالاعتبار؛ إذ إنه يجوز أن تجيء نوبة المرض في وقت تحتاج الأمة فيه إلى رأي الإمام، وبَتِّه في مسائل مهمة، كأمور الحرب مثلًا، ولا يتصور أن تتعطل أمثال هذه الأمور حتى يفيق الإمام، وقد بيّن الإمام الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية) عند الكلام على الشروط التي يجب توافرها فيمن يتولّى القضاء -ومنها العقل: أنه لا بد من توافر الفطنة فيه، ولا يُكتفى فيه بالعقل الذي يتعلّق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية؛ حتى يكون صحيح التميز، جيد الفطنة، بعيدًا عن السهو والغفلة، يتوصّل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل، وفصل ما أعضل، وإذا كان هذا هو الشرط في الاعتداد بصفة العقل في القاضي فالإمام الأعظم من باب أولى. |
![]() |
فالإمام الماوردي يبيّن لنا أنه لا يكتفى بمجرد العقل الذي يميّز به صاحبه بين الأشياء والنافع والضار، بل لا بدّ أن يكون جيد الفطنة، يعني عقل من نوع خاص، له فطنة، وله ذكاء. إذا كان الإمام الماوردي يشترط ذلك في القاضي؛ فينبغي اشتراطه في الإمام الأعظم من باب أولى. |
![]() |
فلا تنعقد إمامة العبد، سواء أكان قنًّا -يعني لا شيبة فيه من الحرية- أو مُبَعّضًا -يعني بعضه حر وبعضه عبد- أو معلّقًا عتقه بصفة؛ لأنَّ المفروض في العبد شرعًا أن يكون كل وقته وجهده في خدمة سيده، وهو مكلّف بإطاعة الأوامر الصادرة له من هذا السيد ما دامت في طاقته، وإذا كانت أموره تسير بأوامر غيره: فكيف يمكن أن توكّل إليه أمور الأمة؟ يقول البعض: لئلّا يشغله خدمة السيد عن وظائف الإمامة، ولئلّا يحتقر فيعصى، فإنّ الأحرار يستحقرون العبيد ويستنكفون عن طاعتهم. |
![]() |
ويقول البعض مبررًا لماذا اشترطت الحرية في الإمامة العظمى، يبين ذلك بقوله: أن العبد لا ولاية له على نفسه، فيكيف تكون له الولاية على غيره؟ والولاية المتعدية فرع للولاية القائمة؟ هذا الشرط اشترطه -كما قلنا- جمهور العلماء. |
![]() |
وقد اشترطها العلماء بالإجماع فيمن يرشّح لتولي منصب رياسة الدولة. يقول البعض: فلا تنعقد الإمامة لامرأة، وإن اتصفت بجميع خلال الكمال وصفات الاستقلال، وكيف تترشّح امرأة لمنصب الإمامة وليس لها منصب القضاء، ولا منصب الشهادة في أكثر الحكومات. وقد احتج العلماء على ذلك بما رواه البخاري من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه- أنه قال: نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيام الجمل، بعدما كدت أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم، قال: لمّا بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أهل فارس ملّكوا بنت كسرى عليهم -أي جعلوها ملكةً- قال صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولّوْا أمرهم امرأة»، هذا حديث صحيح ومعنى الحديث أن الإمام لا يستغني على الاختلاط بالرجال والمشاورة معهم في الأمور، يعني المعنى الذي من أجله أنه لا يجوز للمرأة أن تكون رئيسةً للدولة، المعنى في ذلك أن الإمام لا يستغني عن الاختلاط بالرجال والمشاورة في الأمور، والمرأة ممنوعة من ذلك؛ ولأن المرأة ناقصة في أمر نفسها، حتى لا تملك النكاح، فلا تُجعل إليها الولاية على غيرها، ويقول البعض مبررًا لماذا لا تصلح النساء للإمامة العظمى أو لرئاسة الدولة، يبرر ذلك بقوله: بأنَّ النساء أمرن بالقرار في البيوت، فكان مبنى حالهن على الستر. |
![]() |
واشتراط الذكورة لبيان أن إمامة المرأة لا تصح؛ إذ النساء ناقصات عقل ودين، كما ثبت به الحديث الصحيح، ممنوعاتٌ إلى الخروج إلى مشاهد الحكم ومعارك الحرب، ومع أنَّ العلماء قد اختلفوا في جواز تولي المرأة القضاء، فبعضهم منعها بإطلاق، وبعضهم أباح لها القضاء في الأمور التي تشهد فيها، وبعضهم أباح لها القضاء بإطلاق، نقول: مع أنَّ العلماء قد اختلفوا في هذا -وهو موضوع تولية المرأة القضاء- إلا أنّهم قد أجمعوا على عدم جواز توليتها منصب رياسة الدولة، وليس هذا تعصبًا من أئمة الفقه الإسلامي؛ بل لأنَّ طبيعة المرأة وتكوينها الجسماني يتنافى مع قيامها بأعباء هذا المنصب الخطير؛ لأنَّه قد يُطلب من الرئيس أن يتولّى قيادةَ الجيوش بنفسه، والاشتراك في الحرب، وتحمل أهوالها... وغير ذلك من الأعمال التي تتطلب قدرةً خاصّةً، وكفاءةً جسمانيّةً معيّنةً، وهو ما لا يتّفق مع طبيعة المرأة. |
![]() |
والملاحظ أنَّ هذا الرأي هو المتفق -يعني الرأي القائل بأنه لا يجوز أنه لا يجوز تولى المرأة رياسة الدولة- متفق مع طبيعة المرأة الجسمي، والنفسي، والعقلي، ولا أدلّ على ذلك من استقراء حال الناس في كافّة الأعصر قديمها وحديثها. وملاحظة أن النابغين في تولي القيادة العامّة في كافة الشعوب، كانت الغالبية العظمى منهم من الرجال، ولم يظهر نبوغ النساء في قيادة الشعوب إلا في ظروف نادرة، ولأسباب لا تتكرّر كثيرًا، ولا يصحّ إرجاع ذلك إلى أن الرّجل كان متفوِّقًا على المرأة في هذا الميدان باستعمال قوته التي يفوق المرأة فيها؛ مما أتاح له الفرص التي حُرمت المرأة منها، أو لأنه منعها من التعليم سنوات طويلة مما جعلها تقنع بدور التابع للرجل، لا يصح أن يقال هذا؛ لأن استعمال الرجل قوته في إبراز جانب التفوق، إن كان طريقًا عاديًّا متبعًا في العصور الماضية، فقد انعدم هذا الطريق -أو كاد أن ينعدم- في العصر الحديث، ومع ذلك فالقيادات ما زالت في أيدي الرجال إلا ما ندر، في الوقت الذي أتيحت للمرأة فرصة التعلم المتاحة للرجل. |
![]() |
وكذلك لا يصحّ إرجاع قيادات أكثر للرجل إلى الكثرة العددية في الرجال دون النساء؛ إذ إنه في بعض البلاد التي تدل في إحصاءات على الكثرة العددية في جانب النساء، كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية، فإنَّ عدد الرجال كان قليلًا بالنسبة إلى عدد النساء؛ لأنَّ الحرب أفنت من الرجال أكثر، ومع ذلك، ومع كون الفرصة متاحة للمرأة لإثبات تفوقها على الرجل، فالنبوغ القياديّ والفكريّ والعلميّ في جميع المجالات كان متحققًا في جانب الرجل أكثر منه في جانب المرأة، مع أن المرأة في ألمانيا بعد الحرب لم يقم أيّ مانع في سبيل تفتحها على جميع آفاق المعرفة، والتعليل الوحيد لتفوّق الرجل على المرأة في مجالات القيادة، والسياسة، والعلوم، والفنون، والآداب، إنما هو تكوين طبيعة كلٍّ من الرجل والمرأة، وليس عيبًا أن يطالب الإنسان بالأمور المتفقة مع طبيعته واستعداده، وإنما العيب أن يطالب بما يتعارض مع ذلك. |
![]() |
جمهور العلماء على أن هذا الشرط لا بدّ من توافره فيمن يرشّح للإمامة العظمى، الجمهور على أن أهل الإمامة ومستحقها من هو مجتهد في الأصول والفروع؛ ليقوم بأمور الدين، متمكنًا من إقامة الحجج وحل الشبه في العقائد الدينية، مستقلًّا بالفتوى في النوازل وأحكام الوقائع نصًّا واستنباطًا؛ لأنَّ أهم مقاصد الإمامة حفظ العقائد، وفصل الحكومات، ورفع المخاصمات، ولن يتمّ ذلك بدون هذا الشرط، وهو الاجتهاد. |
![]() |
وقد ذهب الحنفية إلى عدم اشتراط الاجتهاد في الإمام، فنراهم عندما يبيّنون شروط الإمامة العظمى لا يعدّون منها شرط الاجتهاد، وهذا هو الرأي الذي يمثّل المذهب الحنفي، وإن كان بعض علماء الأحناف -مثل الكمال بن الهمام، وهو من أئمة الحنفية- عدّ العلم، يعني جعل العلم شرطًا من الشروط الواجبة في الإمامة العظمى، لكنه لم يُرِدْ به علم المجتهد كما هو المراد به عند أكثر العلماء، عندما يعبرون عن شرط الاجتهاد بالعلم، فإنَّ جمهور العلماء إذا ذكروا العلم من بين الشروط الواجب توافرها في الإمامة، يبيّنون أن مرادهم بذلك هو علم المجتهد، فسواء عبروا بالمجتهد أو عبّروا بالعلم سيان عندهم، فكلمة العلم تساوي المجتهد، وهذا بخلاف الأحناف الذين يجعلون العلم شيئًا والاجتهاد شيئًا آخر؛ ولذلك قلنا: الرأي المعمول به عندهم أنهم لا يشترطون في الإمام الأعظم أو رئيس الدولة أن يكون مجتهدًا. |
![]() |
نقول فالعلماء الذين يعدون الاجتهاد شرطًا من شروط الإمامة، تارةً يعبّرون عن هذا الشرط بالاجتهاد، وتارةً يذكرون العلم ويريدون به علم المجتهد -كما بينا- وأما الكمال بن الهمام -وهو من أئمة الفقه الحنفي- فلم يرد به علم المجتهد، بل أراد به علم المقنت في الأصول والفروع، وهذا فرقٌ بين العلم والاجتهاد عندهم. |
![]() |
ثم إن جمهور العلماء باشتراطهم الاجتهاد في الإمام، فإنما يعنون بذلك أن يتحقّق فيه الأمور الآتية بعد توافر شرط الإسلام، يعني لا بد من توافر الأمور الآتية حتى نقول على الإمام أنه مجتهد: |
![]() |
قلنا إن جمهور الفقهاء يشترطون في الإمام أن يكون مجتهدًا، وعلمنا الأمور التي يكون بها مجتهدًا، وهو معرفته باللغة العربية، وبآيات الأحكام، وبأحاديث الأحكام، وبعلم أصول الفقه، إلى غير ذلك من الأمور التي ذكرناها، لكن ما الأدلة التي استدلّ بها جمهور الفقهاء على أنه يجب أن يكون الإمام مجتهدًا؟ أو ما أدلّتهم على شرط الاجتهاد في الإمام؟ |
![]() |
نقول: يعتمد جمهور العلماء فيما يذهبون إليه في وجوب تحقق الاجتهاد في الإمام الأعظم، على ناحيتين: |
![]() |
الناحية الأولى وهو القياس- فقد قاسوا منصب الإمامة العظمى على منصب القضاء، فإذا كان القاضي يشترط فيه أن يكون مجتهدًا فكذلك الإمام من باب أولى، ليقول البعض بعد أن عدّ الاجتهاد شرطًا من الشروط الواجبة في الإمام؛ لأنَّ القاضي الذي يكون من قبله يفتقر إلى ذلك فالإمام أولى. يعني كأنّ جمهور الفقهاء يقيسون الإمام على القاضي، فإذا كان يشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا فمن باب أولى يشترط في الإمام الأعظم أن يكون مجتهدًا؛ لأنَّ الإمام الأعظم هو الذي يولي القاضي، ويُشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا، فمن باب أولى يجب في الإمام الأعظم أن يكون مجتهدًا. |
![]() |
الناحية الثانية طبيعة العمل الموكول إلى الإمام الأعظم، وما يستلزمه من أوصافٍ خاصّة حتى يؤدى على الوجه الذي أوجبه الشارع ، فقد قال البعض: لأنه محتاج بأن يصرف الأمور على النهج القويم، ويجريها على الصراط المستقيم، ولأنْ يعلم الحدود، ويستوفي الحقوق، ويفصل الخصومات بين الناس، وإذا لم يكن عالمًا مجتهدًا لم يقدر على ذلك. |
![]() |
ويقول البعض: إنَّما اشترط الاجتهاد في الإمام؛ ليتمكّن بذلك من إقامة الحجج وحل الشبه في العقائد الدينية، ويستقل بالفتوى في النوازل وأحكام الوقائع نصًّا واستنباطًا؛ لأنَّ أهم مقاصد الإمامة حفظ العقائد، وفصل الحكومات، ورفع الخصومات. |
![]() |
وأما الذين ذهبوا إلى عدم وجوب هذا الشرط -وهم الأحناف كما قلنا- فقد بَنَوا رأيهم على أن اجتماع هذا الشرط مع غيره من الشروط المطلوبة في واحد أمر نادر، ويمكنه أن يفوض غيره من المجتهدين في الحكم في الأمور التي تستدعي الاجتهاد، أو يحكم بعد أن يستفتي العلماء. فهؤلاء هم الأحناف الذين لا يشترطون في الإمام أن يكون مجتهدًا، إنما يقولون: يُكتفى منه بأن يَسأل أهل العلم أو أهل الاجتهاد في أي مسألة من المسائل التي تُعرض عليه، ويبني حكمه بناءً على ذلك؛ لأنه ربّما لا يتحقّق هذا الشرط مع الشروط الأخرى، ويكون اشتراطه من الأمور المعجزة؛ ولذلك يكتفون بالقول بأنه يرجع إلى غيره من المختصين؛ وبذلك لا يشترطون في الإمام الأعظم أن يكون مجتهدًا. |
![]() |
والعدالة ملكة في النفس تمنع صاحبها من ارتكاب الكبيرة, والإصرار على الصغيرة, وقد اختلف تعبير العلماء عن هذا الشرط, فالأكثرون يعبرون عنه بالعدالة, والبعض يعبر عنه بالصلاح في الدين, وبعضهم يعبر عنه بالورع, وقد اشترط الماوردي عدة شروط حتى تتحقق العدالة المطلوبة فقال في (ولاية القضاء): |
![]() |
والعدالة أن يكون صادق اللهجة, ظاهر الأمانة, عفيفًا عن المحارم, متوقيًا المآثم, بعيدًا من الريب, مأمونًا في الرضا والغضب, مستعملًا لمروءة مثله في دينه ودنياه. |
![]() |
واعتبار العدالة في الإمام قال به الجمهور من علماء الأمة؛ إذ إن هذا الشرط مطلوب في الشاهد, والقاضي, أي إنه يشترط في الشاهد حتى تقبل شهادته أن يكون عدلًا, ويشترط في القاضي حتى ينفذ حكمه أن يكون عدلًا, فإذا كان ذلك مطلوبًا في الشاهد, والقاضي, فينبغي أن يكون مطلوبًا من باب أولى في من يتولى الإمامة العظمى؛ لأنَّ الإمامة العظمى أعلى منزلة من الشهادة, والقضاء, والفسق هو نقيض العدالة, وإذا كان هذا مانعًا من تقليد القضاء, والشهادة, أي الفسق, فبأن يكون مانعًا من تولي الإمامة العظمى من باب أولى, وإذا كان مطلوبًا من الإمام أن ينظر في مصالح المسلمين, فكيف يتم ذلك وهو بفسقه لم ينظر في أمور نفسه. |
![]() |
يقول البعض: والفاسق لا يصلح لأمر الدين, ولا يوثق بأوامره ونواهيه, والظالم يختل به أمر الدين والدنيا, وكيف يصلح للولاية, وما الوالي إلا لدفع شره. |
![]() |
ولم يخالف أحد الجمهور في القول باشتراط العدالة في الإمام إلا الحنفية, فإنهم لم يعدوها شرطًا من الشروط الواجبة, وأجازوا أن يلي الفاسق أمر الأمة, ولكنهم يكرهون ذلك, وهم يستندون فيما ذهبوا إليه إلى أنه قد ثبت أن الصحابة صلوا خلف أئمة الجور من بني أمية, ورضوا بتقلدهم رياسة الدولة. |
![]() |
والرد على ذلك أن هؤلاء كانوا ملوكًا تغلبوا على الأمة, فتولوا هذا المنصب بالقهر, لا بالرضى والاختيار, وحال التغلب حال ضرورة, فلا يصح الاستدلال بها, ولو قلنا بعدم صحة ولاية المتغلب الذي ليس بعدل لتعطلت مصالح الأمة الدينية والدنيوية من الفصل في الخصومات, وجهاد الكفار, وغير ذلك. |
![]() |
يقول البعض: وليس من شرط صحة الصلاة خلف الإمام عدالته, فقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة: «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برًّا كان أو فاجرًا, والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان أو فاجرًا, وإن عمل الكبائر»، والحكمة في أنَّ العدالة لا تشترط في إمامة الصلاة, وتشترط في الإمامة العظمى أنَّ الصلاة لا تتعلق بحقوق الغير, بخلاف الإمامة, فإنها تتعلق بحقوق الغير. |
![]() |
يقول البعض: ومن حق الإمام أن يقوم بالحقوق كالحدود, والأحكام, والإنصاف, والانتصاف, وأخذ الأموال من وجوهها, وصرفها في حقها, والفاسق لا يؤتمن على ذلك, فقياس الإمامة العظمى على إمامة الصلاة إنما هو قياس مع الفارق, ولذلك سقط ما استدل به الأحناف على أنه لا تشترط العدالة في الإمام الأعظم أو رئيس الدولة. |
![]() |
وقد قسم الإمام الماوردي في كتاب (الأحكام السلطانية) الفسق الذي تزول به العدالة إلى قسمين: |
![]() |
القسم الأول :وهو ما تابع فيه شهوته, فيحصل باجترائه على ما نهى الله عنه, واتباعه هواه, فيرتكب المحظورات غير مبال بوعيد الله سبحانه فهذا فسق يمنع -في نظر الماوردي- انعقاد الإمامة له, وإذا طرأ بعد عقدها له فقد خرج -عند الماوردي عن الإمامة. | |
![]() |
القسم الثاني :ما تعلق فيه بشبهة فهو ما يتعلق بالاعتقاد المخالف للحق, بعروض شبهة, وقد اختلف العلماء في ذلك, فذهب البعض إلى أنه يمنع انعقاد الإمامة, وإذا طرأ على من عُقدت له استحق العزل به, وعللوا ذلك بأنه لما استوى حكم الكفر بتأويل وغير تأويل, وجب أن يستوي حال الفسق بتأويل وغير تأويل, وذكر الإمام الماوردي أن كثيرًا من علماء البصرة ذهبوا إلى أنه لا يمنع من انعقاد الإمامة, ولو طرأ عليه بعد توليه الإمامة لا يخرج به منها, كما لا يمنع ذلك من تولي القضاء, وقبول الشهادة. |
![]() |
ثم إن الفسق الذي تذهب به العدالة تارة يكون ظاهرًا, بمعنى أن يعرفه الناس بالانتشار بينهم, أو بشهادة العدول عليه, وتارة يكون الشخص في الظاهر عدلًا, وفي الباطن فاسقًا, على عكس ما يعتقده الناس, فإذا كان يبطن الفسق, واختاره أهل الحل والعقد للإمامة, فهل يحل له قبول هذا المنصب, أم أن الواجب عليه أن يمتنع عن قبوله؟ |
![]() |
قال بعض العلماء: إن الواجب عليه أن يتوب مما يعمله, ومما يعلمه من نفسه, ويقبل هذا المنصب بشرط أن يكون واثقًا من صلاحه واستقامته, وعدم عودته إلى ما يجرح عدالته, فإن لم يكن واثقًا من ذلك لزمه إظهار حاله على الجملة, ووجب على أهل الحل والعقد أن يقبلوا ذلك منه, ويرشحوا غيره للإمامة. |
![]() |
تعذر العدالة في الإمام يتحقق بأحد أمرين: إما باستيلاء من هو فاقد العدالة على هذا المنصب بالقوة, فلم يكن لأهل الحل والعقد اختيار في استيلائه على الإمامة, وإما بتعذر وجود العدالة فيما يستعرضه أهل الحل والعقد أمامهم من الذين تتوافر فيهم الشروط الأخرى, ويمكن صلاحهم لتولي هذا المنصب غير أن العدالة غير متحققة فيهم, وكلا الأمرين متحقق فيه معنى الضرورة نقصد الأمر الأول, وهو أن يستولى على الإمامة من ليس بعدل, والأمر الثاني وهو أن أهل الحل والعقد لا يجدون شرط العدالة متوفرًا فيمن يصلحون للإمامة, نقول: ... |
| ... وكلا الأمرين متحقق فيه معنى الضرورة؛ إذ لا سبيل إلى جبر الأول الذي استولى على الحكم بالقوة, لا سبيل لجبره عن التخلي عن الرياسة إلا باستعمال القوة, وهو ما يؤدي إلى وقوع الفتنة, وانتشار الفساد, وهي حال لا يرضاها الشرع, وحينئذ فينظر إلى أخف الضررين: ضرر وجود فاقد العدالة رئيسًا أعلى للأمة, وضرر انتشار الفتنة بين الناس عند محاولة إقصائه بالقوة, فيحتمل الضرر الأخف, وهو وجود فاقدها حتى تحين الفرصة لإقصائه عند أمن الفتنة, ووقوع الضرر. | |
![]() |
يقول البعض: لو تعذر وجود العلم, والعدالة, فيمن تصدى للإمامة, بأن تغلب عليها جاهل بالأحكام, أو فاسق, وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق, حكمنا بانعقاد إمامته؛ كي لا يكون بصرفنا إياه, وإثارة الفتنة التي لا تطاق, كمن يبني قصرًا ويهدم مصرًا, وبين الفقهاء أنه ما دمنا نحكم بنفوذ القضايا التي حكم فيها قضاة أهل البغي في دارهم, التي غلبهم أهل العدل عليها؛ لحاجة الناس إلى تنفيذ هذه الأحكام, فلا بد أن نحكم بصحة إمامة من فقد الشرط, وإلا لزم وقوع الفوضى بين الناس, وعدم صحة أحكام قضاتهم بناء على أنهم يولَّون القضاء من الإمام. |
![]() |
وكذلك الحال الثانية: وهي الحال التي لا يكون فيها فاقد العدالة قد استولى على الإمامة بالقوة, بل إن أهل الحل والعقد بتصفحهم أحوال من يصلح للإمامة عند إرادتهم اختيار الإمام, لم يجدوا من يتوافر فيه شرط العدالة, نقول: هذه الحال أيضًا حال ضرورة, أفتى فيها الفقهاء بجواز ولاية الفاسق, إلا أنه يلاحظ وجوب تقديم الأمثل فالأمثل, بمعنى أن الأقل فسقًا مقدم على غيره وهكذا. |
![]() |
فسر البعض العصمة بأنها خاصية في نفس الشخص, أو في بدنه, يمتنع بسببها صدور الذنب عنه. |
![]() |
وفسرها البعض أيضًا بـ: أن لا يخلق الله في العبد الذنب, مع بقاء قدرته واختياره. |
![]() |
وقد أوجب الاثنا العشرية, والإسماعيلية -كما ذكرنا- أوجبوا العصمة للأئمة على معنى أنهم مطهرون من كل دنس, وأنهم لا يذنبون ذنبًا صغيرًا, ولا كبيرًا, ولا يعصون الله ما أمرهم, ويفعلون ما يؤمرون, بل إنهم يساوون الأئمة بالأنبياء والرسل في هذه العصمة, والفرق بين الإمام, والنبي عندهم, هو أن النبي يوحى إليه, والإمام لا يوحى إليه, بل نرى بعض الشيعة يغالون في ذلك, فيجوزون الخطأ على الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الوقت الذي لا يجوزون فيه الخطأ على الإمام, فعندهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- جائز عليه أن يعصي الله, وأن النبي قد عصى في أخذ الفداء يوم بدر, فأما الأئمة فلا يجوز ذلك عليهم, لأن الرسول إذا عصى فالوحي يأتيه من قبل الله, والأئمة لا يوحى إليهم, ولا تهبط الملائكة عليهم, وهم معصومون, فلا يجوز عليهم أن يسهوا, ولا يغلطوا, وإن جاز على الرسول العصيان, هذه هي معتقداتهم, الاثنا عشرية, والإسماعيلية. |
![]() |
وبعد فقد بان فساد ما استدل به الشيعة الاثنا عشرية, والإسماعيلية على وجوب العصمة للأئمة. |
![]() |
ويهمنا الآن أن نشير إلى أن الباعث إليهم على إيجاب هذه الصفة على أئمتهم إنما هو المبالغة في إجلالهم وتقديسهم لدرجة أن وصلوا بهم إلى مرتبة فوق مراتب سائر البشر, وقربوهم من مراتب الرسل بإظهار المعجزة على أيديهم وعصمتهم من الذنوب, ولم يفرقوا بين الأئمة والرسل إلا في أن الرسول ينزل إليه الوحي, والإمام لا يوحَى إليه, وكان السبب في خلع هذه القداسية على الأئمة دخول أفواج كثيرة من الفرس في الدين الإسلامي بعد الفتح, الذين يعتقدون في قداسة ملوكهم, وصاحبهم هذا الاعتقاد بعد دخولهم إلى الدين الجديد, فأحاطوا عليًّا بهالة من القداسة والسمو كان أسلافهم قد ألفوا أن يحيطوا بها ملوكهم, وكما تعود أسلافهم أن يلقبوا كسرى يلقب الملك المقدس ابن السماء, وأن يصفوه في كتبهم بأنه السيد والمرشد, كذلك فعل هؤلاء الذين اعتنقوا الإسلام فلقبوا عليًّا بالإمام, وعلى الرغم من بساطة اللقب فإنَّ عظمة معناه واضحة جلية؛ إذ يفيد أنَّ صاحبه قد جمع بين ناحيتين خطيرتين هما السلطان الدنيوي, والتوجيه العقلي, ومع أنَّ الشيعة مبالغةً منهم في تقديس أئمتهم قد نزهوهم عن الكذب, فقالوا بعصمتهم عنه, فإننا نراهم يتناقضون مع هذا المبدأ فيبيحون للإمام إذا خاف على نفسه أن يقول: لستُ بإمام, وهو إمام, هذا هو معنى التقية, وكان الواجب إذا ما كانت العصمة عن الكذب ثابتة له ألا يكون في بعض أحواله صادقًا وفي البعض الآخر كاذبًا, بل يلازمه الصدق في كل أحواله. |
![]() |
وبما مر من شبههم نجدهم يتعسفون أحيانًا في التدليل على ما ذهبوا إليه في العصمة. |
![]() |
لما كان من أهم أعمال الرئيس الأعلى للدولة هو البت في الأمور المهمة التي تمس مصالح الأمة اعتبر الفقهاء أن من ألزم الشروط أن يكون الإمام على مقدار كبير من صحة الرأي, والمعرفة بأمور السياسة والحرب, وعلى كفاءة عالية من إدارة أمور الدولة, ولذلك فإنَّ العلماء يشترطون الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح, كما عبر الماوردي, أو كما يقول بعضهم: ذو رأي وبِصارة بتدبير الحرب والسلم, وترتيب الجيوش, وحفظ الثغور ليقوم بأمر الملك, ويعلل البعض اشتراط الرأي بقوله: ليسوس به الرعية, ويدير مصالحهم الدينية والدنيوية, وعلى هذا فإنَّ الإمام إذا لم يكن على جانب كبير من صحة الرأي في نواحي السياسة والإدارة والحرب لا يصلح في نظر جمهور الفقهاء لتولي هذا المنصب الخطير, ولذلك يقول البعض: فلا تنعقد إمامة ضعيف الرأي؛ لأن الحوادث التي تكون في دار الإسلام ترفع إليه, ولا يتبين له طريق المصلحة إلا إذا كان ذا رأي صحيح وتدبير سائغ, هذا هو ما يذهب إليه جمهور العلماء من وجوب أن يكون بصيرًا بتدبير أمر الحرب والسلم, خبيرًا بتنظيم الجيوش وحماية أطراف الدولة, عارفًا كيف تساس الرعية وتدبر المصالح. |
![]() |
إلا أنَّ هناك من العلماء ما يشترطون هذا الشرط مجوزين الاكتفاء بأن يستشير الإمام أصحاب الآراء الصائبة في كل ما يحتاج إلى البت فيه من الأمور المهمة, معللين ذلك بأنه يندر بأن يتوافر هذا الشرط مع الشروط الأخرى المطلوبة في الإمامة من الاجتهاد وغيره. |
![]() |
ونرى أنَّ اشتراط أن يكون الرئيس صاحب رأي, بمعنى أن يكون ملمًّا بأحوال الحرب كقادتها, ومتخصصًا في السياسة كأحد حاذقيها فيه من المبالغة بعض الشيء؛ لأنَّ هذا وإن كان متيسر الحصول في بعض الأفراد في العصور الماضية قبل أن تعقد العلوم شتى نواحي الحياة, فإنه الآن غير متيسر بهذه البساطة, وأصبح الالتزام بأن يكون الرئيس ذا خبرة ورأي فيما يتصل بالنواحي السياسية والنواحي الإدارية وأمور الحرب، يعز اجتماعه في هذا العصر في شخص واحد؛ فإنَّ المسائل السياسة والحربية لم تعد بهذه البساطة التي كانت عليها في عصور مضت, فكل ناحية من هذه النواحي تحتاج إلى تفرغ مجموعات كثيرة من الحائزين على الثقات العالية في الفروع المختلفة من العلم, وإلى تضافر جهود المتخصصين في دراسة مشكلة من مشكلات السياسة, أو الحرب, أو الإدارة, وإعداد البحوث والدراسات المتصلة بها. |
![]() |
وإذا كان اشتراط الرأي بالمعنى السابق فيه من المبالغة بعض الشيء, فإننا لا نقول -كما يقول البعض- بالاستغناء عن هذا الشرط مطلقًا, والاكتفاء باستشارة أصحاب الآراء الصائبة؛ إذ إنَّ الرئيس في كل حال مطالب بالسير على مبدأ الشورى, فالاستشارة من واجباته المفروضة عليه, بل نقول: لا بد في الرئيس من وجود صفة الرأي بمعنى أن تكون عنده مقدرة اتخاذ الحكم الصائب عند وضوح المشكلات السياسية والحرب والإدارة أمامه, وذلك بعد استشارة المتفرغين لهذه المشكلات من رجال الحرب والإدارة والسياسة, وبعد الاطلاع على كافة البحوث التي تتعلق بمشكلة ما من المشكلات التي تعترض الأمة, فمن المشاهد الآن أن أمور الدول سائرة سيرها الطبيعي مع استعانة رؤسائها بالأجهزة المختلفة في شتى نواحي الإدارة والحرب, وللرئيس الأعلى بعد ذلك الرأي النهائي بعد وضوح ما يتصل بمسألة من المسائل أمامه, ... |
| ...وسواء في ذلك الدول التي تقف الآن على قمة الحضارة الإنسانية, والدول التي لا زالت تحبو على طريق المدنية والتقدم, ولا خروج بهذا الرأي على قاعدة شرعية, أو على حكم مقرر من الشرع؛ إذ إن شروط الإمامة ليس فيها شروط نص عليها الشرع سوى شرط واحد وهو شرط القرشية, وما عدا هذا الشرط فقد اشترطه العلماء نظرًا إلى الحاجة إليه, وتختلف وجهات النظر في كون الحاجة ماسة أم لا, ولذلك جاء الاختلاف في اشتراط بعض الشروط بين بعض أهل السنة وبعضهم الآخر. | |
![]() |
ثم إنه يجب أن ننبه إلى أن هذا ليس معناه عدم اشتراط هذا الشرط بالمعني الذي حدده الفقهاء, وهو أن يكون ذا رأي وبصيرة بتدبير الحرب والسلم, وترتيب الجيوش, وحفظ الثغور, بل نؤكد أنه إذا اتفق وجود من تحقق فيه هذا الشرط بهذا المعنى مع الشروط الأخرى المطلوبة في الرياسة فلا يجوز العدول عنه إلى غيره ممن لم يتوافر فيه هذا الشرط بهذا المعنى؛ سيرًا على قاعدة الأمثل فالأمثل, وأما إذا لم يوجد من تحقق فيه هذا المعنى فالذي نراه أنه لا بد فيه من توافر مقدرة البت الصائب في الأمور, بعد وضوح الآراء التي يمده بها المتخصصون في النواحي المختلفة, وأما القول بالاستغناء عن اشتراط الرأي الصائب في الرياسة, والاكتفاء باستشارة أصحاب الآراء الصائبة فلا نقول به. |