٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


الخلافة

في الأصل مصدر (خَلَفَ) يقال: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا فِي قَوْمِهِ يَخْلُفُهُ خِلَافَةً فَهُوَ خَلِيفَةٌ. قال صاحبا القاموس وشرحه: وَخَلَفَهُ فِي قَوْمِهِ خِلَافَةً. والقياس يقتضيه؛ لأنه بمعنى الإمارة. وفي كتب اللغة ما يدل على أن الفعل (خَلَفَ) يدل على قيام إنسان مقام آخر فيما كان يقوم الأول به، سواء كان الأول هو الذي استخلفه، أم جاء الثاني بعده دون أن يستخلفه الأول، ففي الصحاح ويقال: خَلَفَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا كَانَ خَلِيفَةً. يقال: خَلَفَهُ فِي قَوْمِهِ خِلَافَةً. ومنه قوله تعالى: ((وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)) [التوبة: ١٤٢] وخَلَفْتُهُ أيضًا: إذا جئت بعده. وفي (مختار الصحاح): وخَلَفَ فُلانٌ فُلَانًا إِذَا كَانَ خَلِيفَتَهُ. يقال: خَلَفَهُ في قومه، ومنه قوله تعالى: ((اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)) وخَلَفَهُ أَيْضًا جَاءَ بَعْدَهُ.

ومن ذلك يتبين أن لفظ (الخلافة) في الأصل مصدر (خَلَفَ) ثم بعد ذلك أطلق في العرف العام على الزعامة العظمى، وهي الولاية العامة على سائر أفراد الأمة، والقيام بتيسير شئونها، والنهوض بكل ما يحقق مصالحها وفق ما أمر به الشارع -تبارك وتعالى.

مَن يُطلَق عليه اسم الخليفة؟

اختلف العلماء فيمن يستحق ممن يتقلّد رياسة الدولة أن يطلق عليه اسم الخليفة:

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


ذهب بعض أئمة السلف -ومنهم الإمام أحمد بن حنبل- إلى كراهة إطلاق اسم الخليفة على من جاء بعد الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- واحتج أصحاب هذا الرأي بقوله صلى الله عليه وسلم: {{الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك}}.

من تكون عنه الخلافة؟
اختلف العلماء فيمن تكون عنه الخلافة على أربعة أقوال:

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


أن الخلافة تكون عن الله تعالى، فيقال في الرئيس الأعلى في الدولة: خليفة الله؛ لأنَّ الإمام الأعظم يقوم على رعاية حقوق الله تعالى في خلقه، واحتجوا بقوله سبحانه: ((وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ)) [الأنعام: ١٦٤].

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


لقب أمير المؤمنين

بعد أن بويع لأبي بكر بالخلافة أصبح الناس يسمونه خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يزالوا هكذا يسمونه بذلك إلى أن توفاه الله -تبارك وتعالى- فلما بويع لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بعد أن رشحه أبو بكر الخلافة، كان يسمونه خليفة خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واستمروا على ذلك وقتًا، وكأنهم استثقلوا ذلك؛ إذ سيؤدي إلى التطويل وتتابع الإضافات بتابع الرؤساء، فمجرد أن لَاحَ لهم لقب آخر غير الخليفة استحسنوه وأصبح لقبًا على الإمام الأعظم أو على رئيس الدولة، هذا اللقب هو لقب أمير المؤمنين، وأول من سمي به من الرؤساء بالإجماع هو عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقد كتب عمر لعامله في العراق: (أن ابعث إلي برجلين جَلَدين نبيلين أسألهما عن العراق وأهله) فبعث إليه لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم الطائي، فلما قدِما المدينة أناخا راحلتاها بفناء المسجد، ودخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه؛ نحن المؤمنون وهو أميرنا، فدعوه بذلك، وذهب لقبًا له في الناس وتوارثه الخلفاء بعد عمر -رضي الله عنه- ثم إن الشيعة كانوا يطلقون على علي بن أبي طالب لقب الإمام، تعريضًا لما يذهبون إليه من أن علي بن أبي طالب أحق بإمامة الصلاة من أبي بكر -أي أحق بالإمامة العظمى منه- فهم يزعمون أن علي بن أبي طالب كان أفضل من أبي بكر، فهو أحق منه بالإمامة -أي الخلافة- فخصوا عليًّا بلقب الإمام، وأطلقوه على كل من جاء بعده ممن يعتقدون بأحقيته في هذا المنصب، فيسمونه الإمام ما داموا يدعون له في الخفاء، ...

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


... فإذا ما تمكنوا من السيطرة على الدولة يحولون اللقب فيمن بعده إلى أمير المؤمنين، كما فعله شيعة بني العباس؛ فإنهم ما زاولوا يدعون أئمتهم بالإمام إلى إبراهيم الذي جهروا له بالدعاء له وعقدوا على الحرب بأمره، فلما هلك دعي أخوه السفاح بأمير المؤمنين.

لفظي الإمام والإمامة

أحب أن أشير بادئ ذي بدء إلى أن المباحث المتّصلة بموضوع رياسة الدولة لم تشتهر في البحوث الكلامية أو الفقهية بمباحث الخلافة أو إمارة المؤمنين، وإنما اشتهرت بمباحث الإمامة، ومع أن الخلافة، وإمارة المؤمنين، والإمامة، كلها تشير إلى معنى واحد هو رياسة الدولة الإسلامية، إلا أن هناك سببًا أدى إلى شيوع المباحث المتصلة بهذا الموضوع بمباحث الإمامة، هو -كما قلنا سابقًا- أن الشيعة كانوا أول من بحث موضوع الإمامة العظمى، وكما كانوا يسمون القائم بأمر المسلمين الإمامَ، سموا المباحث المتصلة بهذا المنصب بمباحث الإمامة، فلما اشتبك معهم خصومهم في الجدل حول هذه المسألة، لم يجدوا مانعًا من استعمال نفس مصطلحاتهم، وبخاصة وأن إمامة الصلاة تعتبر أرقى الوظائف الدينية، فأصبح الحوار يدور بين الشيعة وخصومهم بنفس اللغة التي ابتدعها الشيعة، وأصبح تقليدًا صار عليه كل من تعرض لهذا الموضوع، لا يجد ما يدعوه إلى تغييره، وأيضًا فإن لفظ (الإمام) قد ورد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة؛ إذ سمى الله إبراهيم وغيره إمامًا في قوله سبحانه: ...

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


... ((وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)) [البقرة: ١٢٤] وقال سبحانه: ((وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)) [الأنبياء: ٧٢- ٧٣]

المعنى اللغوي لكلمة "إمام"
يقول الفيروز آبادي: والإمام ما ائتُمّ به من رئيس أو غيره، والخيط يمدّ على البناء فيبنى، والطريق، وقَيِّم الأمر: المصلِح له، والقرآن، والنبي -صلى الله عليه وسلم- والخليفة، وقائد الجند، وما يتعلمه الغلام كل يوم، وما امتثل عليه المثال والدليل والحال.
وفي الصحاح: والإمام خشبة البناء التي يسوّى عليه البناء، والإمام الصقع من الأرض -أي القطعة من الأرض أو المكان من الأرض- والطريق، قال تعالى: ((وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ)) [الحجر: ٧٩] والإمام: الذي يهتدي به.
ويقول ابن منظور في مادة (أمّ): الأَمُّ بالفتح: القصد، أَمّهُ أمًّا إذا قصده، وفي حديث كعب بن مالك: "ثم يؤمر بأمِّ الباب على أهل النار فلا يخرج منه غم أبدًا"، أي يقصد إليه فيسدّ عليهم. وتيمّنت الصعيد للصلاة، ثم يقول: فأمّ القومَ وأمّ بهم: تقدّمهم، وهي الإمامة. والإمام: كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم أو كانوا ضالين، والإمام من ائتم به من رئيس وغيره، والجمع أئمة، وفي التنزيل العزيز: ((فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)) [التوبة: ١٢] أي قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم الذين ضعفاؤهم تبع لهم.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


ومما كل ما سبق يتبين أن كلمة (إمام) قد استعملت في اللغة لمعانٍ مختلفة، منها القدوة، ومنها التقدم، والهداية، والإرشاد، وللشيء يكون نموذجًا، وللإنسان يكون مثالًا للاقتداء به، ويكون في موقف القيام بإصلاح الأمور ورياسة الناس.
والإمامة مصدر (أمّ) يقال: فلان أمّ الناس: إذا صار لهم إمامًا يتبعونه، فإذا كان الاتباع في الصلاة فهي المعروفة بالإمامة الصغرى، وإذا كان الاتباع في الأوامر والنواهي فهي الإمامة العظمى، أي رياسة الدولة، ويجب أن يلاحظ أنه إذا ما أطلقت كلمة (الإمامة) لأحد المسلمين فلا تحمل إلا على معنى الإمامة العظمى، أما إذا كان المراد أن يوصف أحد بإمامة في فرع من فروع العلم أو غيره، فلا بد من الإضافة، فيقال مثلًا: البخاري إمام الحديث، وأبو حنيفة إمام الفقه، وفلان إمام بني فلان. وكما لا يجوز أن تستعمل الإمامة مطلقة إلا في الرئيس الأعلى للدولة، فكذلك الخلافة وإمارة المؤمنين. وأما ما ورد من أنه قد سمي كل من ولاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جهةً من الجهات، أو سرية أو جيشًا، كعبد الله بن جحش، وأسامة بن زيد -مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمكن أن يقال: إنهم إذا أطلقوا على هؤلاء إمارة المؤمنين فـ(أل) الموجودة في كلمة (المؤمنين) كانت للعهد، أي المؤمنين الذين كانوا مع كل منهم؛ لأنَّ كلًّا منهم في الواقع ليس أميرًا لكل المؤمنين، بل أميرًا لبعضهم؛ ولذا نجد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يخاطب أسامة بن زيد قائلًا: السلام عليك أيها الأمير. ولم يقل: السلام عليك يا أمير المؤمنين. ويرد عليه أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين. تقول لي هذا؟ فيقول عمر: لا أزال أدعوك ما عشتُ بالأمير، مات رسول الله -صلى الله عيه سلم- وأنت عليّ أمير.


٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


معنى الإمامة العظمى
وبعد فقد تبين مما سبق أن المسلمين في فترات من الزمن مختلفة، ولظروف خاصة لقّبوا رئيس الدولة بألقاب الخليفة، وأمير المؤمنين، الإمام، ولكن هل معنى هذا أن الرئيس الأعلى في الدولة في الإسلام يجب أن يلقّب بأحد هذه الألقاب حتى يصير هذا المنصب إسلاميًّا؟
لا شك أن القائل بهذا يتعسف في الحكم على الأمور؛ إذ إنّ المهم في هذا المجال أن يكون المسلمون ورئيسهم خاضعين لقانون الإسلام؛ حتى يمكن أن يوصف النظام بأنه نظام إسلامي، بغضّ النظر عن الألقاب التي يمكن أن تطلق على هذا الرئيس، سواء كان لقبه خليفة رسول الله، أو أمير المؤمنين، أو إمامهم الأعظم، فالإسلام لا يعني بالألقاب، وإنما يعني بما وراء هذا اللقب من حقيقة النظام نفسه، فلو أنَّ المسلمين في أي عصر من العصور أطلقوا على رئيسهم، أو أطلق هو على نفسه: خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان جوهر النظام الذي يمثله بعيدًا عن الالتزام بالمبادئ والقوانين الإسلامية، كان هذا النظام في حقيقته نظامًا غير إسلامي، على الرغم من لقب (خليفة رسول الله) وإذا كان العكس هو الذي حدث، فخضع المجتمع ورئيسه خضوعًا تامًّا للقوانين الإسلامية، ولم يطلق على هذا الرئيس لقب من ألقاب الخلافة، أو إمارة المؤمنين، أو الإمامة، بل أطلق عليه لقب آخر كرئيس الجمهورية، أو رئيس الدولة مثلًا، فإنه في هذه الحالة يكون نظام الدولة نظامًا إسلاميًّا لا يستطيع أحد أن يطعن فيه.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


خلاصة القول في هذا: أنَّ الإسلام لا ينظر إلى الأسماء، سمِّه ما شئت: خليفة، أمير المؤمنين، الإمام، المهم في الأمر أن يلتزم هذا الخليفة بأحكام الإسلام والنظام الإسلامي.

التعريف الاصطلاحي للإمامة العظمى

بعد أن فرغنا من توضيح المعاني اللغوية والملابسات التاريخية التي أحاطت بالخلافة، وإمارة المؤمنين، والإمامة، نعرِّف الإمامةَ العظمى:
تعريف الماوردي لها: يفهم من كلام الإمام الماوردي في (الأحكام السلطانية) عن الإمامة العظمى أنها: خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا.
ويلاحظ أن هذا التعريف يشير إلى عدة أمور مهمة:
الأول: أنَّ رياسة الدولة الإسلامية هي في حقيقتها نيابة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا يشير إلى أن رئيس الدولة أو الإمام الأعظم يجب أن يكون المثل الأعلى لأفراد الأمة في الالتزام الكامل بمبادئ الإسلام.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


الثاني والثالث: بيان وظيفة الرئيس الأعلى للدولة الإسلامية وهي التي ناب فيها عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهي أولًا العمل على أن يظل الدين مصونًا من كل ما يسيء إليه، ويلي ذلك العمل على اتِّخاذ كافة الإجراءات التي تكفل المصالح الدنيوية لأفراد الأمة.
تبين لنا مما سبق أن الإمامة العظمى في حقيقتها رياسة الدولة الإسلامية، التي تخضع للقانون الإسلامي، وتسير على هديه في تنظيم مصالح الأمة في الدين والدنيا؛ إذ لا معنى لكونها نيابةً عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا أنها ملومة بالخط الواضح الذي رسمها لها -عليه الصلاة والسلام- مبلِّغًا عن الله -تبارك وتعالى- فهي ليست حكومةً تسير وفق قانونٍ وضعيٍّ بحسب مصالحها الدنيوية فقط، غير ناظرةٍ إلى ما بعد الحياة الدنيا، وإنما هي حكومة تنوب عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولما كانت رياسة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لبيان حكم الله في كل أنواع السلوك الإنساني، سواء منها ما يتعلق بالدين أو يتعلق بالدنيا، فكذلك الشأن في الحكومة النائبة عنه إنّما هي ملتزمة بالحفاظ على الدِّين، والسير في سياستها الدنيوية على الهدي الواضح الذي بيّنته الشريعة الغراء؛ وذلك أن الخلق ليس المقصود بهم دنياهم فقط، فإنها كلها عبث وباطل؛ إذ غايتها الموت والفناء، والله يقول: ((أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا)) [المؤمنون: ١٢٥] فالمقصود بهم إنه هو دينهم المفضي بهم إلى السعادة في آخرتهم: ((صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) [الشورى: ٥٣].

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


فهذه إذن هي حقيقة الإمامة العظمى كما يبنها علماء المسلمين، فهي إذا ليست ملكيةً؛ لأنَّ الملك يعتمد في تسيير أمور المملكة على أحكامٍ كثيرًا ما تكون جائرةً على الحق، وهدفه في الغالب أن تظلّ قبضته مسيطرةً على أنحاء مملكته، غير ناظرٍ إلى ما قد يشوب حكمه من قهر وتغلب، والإمامة العظمى ليس فيها هذا المعنى من قريبٍ أو بعيد، وإنما هي تسير بأحكامٍ من الشارع الحكيم تبين ما يجب اتباعه في سلوك الأفراد بعضهم مع بعض، وفي علاقاتهم جميعًا بالحق -تبارك وتعالى- وهي كذلك ليس رياسةً اقتضتها ضرورة اجتماع الناس فقط، يخضعون في ظلها لقواعد تنظم سلوكهم، بحسب المصلحة السياسية التي تقول بالمنفعة عليهم جميعًا؛ لأن قانونًا كهذا نظر بغير نور الله: ((وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)) [النور: ٤٠] لأنَّ الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيّب عنهم من أمور آخرتهم، وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك أو غيره؛ ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {{إنما هي أعمالكم ترد عليكم}}، وأحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط: ((يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) [الروم: ٧].

كم نصب الإمام

موقف العلماء من نصب رئيس الدولة:


٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


بيان آراء العلماء فيما إذا كان يجب أن تقام هذه الرياسة أو لا يجب، أي هل يجب أن ينصب المسلمون إمامًا لهم أم أن ذلك ليس من الأمور الواجبة؟

اختلف علماء الأمة في نصب الإمام الأعظم أو رئيس الدولة هل يجب أو لا يجب على أربعة مذاهب:
المذهب الأول: يرى وجوب نصب الإمام مطلقًا، أي سواء كان ذلك في حال الأمن والاستقرار، أم في حال ظهور الفتن والاضطرابات.
المذهب الثاني: يرى عدم وجوب نصبه مطلقًا.
المذهب الثالث: يرى وجوب نصبه في حال الفتن والاضطرابات، ولا يرى وجوب ذلك في حال الأمن والاستقرار.
المذهب الرابع: أنه يجب نصب الإمام في حال الأمن، ولا يرى وجوب ذلك في حال ظهور الفتن.

المذهب الأول

القائلون بوجوب نصب الرئيس الأعلى للدولة هم الجمهور الأكثر من علماء الأمة؛ إذ هو رأي أهل السنة جميعًا، ورأي المرجئة جميعًا، وأكثر المعتزلة والخوارج عدى النجدات منهم، ورأي الشيعة جميعًا، إلا أننا يجب أن ننبه إلى عدة أمور:

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


أنَّ هؤلاء مع اتفاقهم جميعًا على القول بوجوب نصب الإمام مطلقًا -أي في كل حال- سواء كانت حال أمن وعدم اضطراب وفتنة، أم حال اضطراب وفتنة، إلا أنهم اختلفوا في الطريق الذي أدى إلى الوجوب: هل هو الشرع أم العقل؟
فأهل السنة قالوا: إنَّ الأدلة السمعية هي التي دلّت على وجوب نصب الإمام، ولا مدخل للعقل في ذلك، انطلاقًا من المبدأ الذي يلتزمون به، وهو أن الأحكام إنما تؤخذ من الشرع؛ ولأنَّ الإمام مقصود به القيام بأمور شرعية، كإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق.
وأما الزيدية، وأكثر المعتزلة، والاثنا عشرية، فقد قالوا: إنَّ العقل هو الذي دلّ على وجوب نصب الإمام، ثم القائلون أنَّ العقل هو الذي دل على وجوب نصب الإمام، ينقسمون من حيث توجه الوجوب: هل يتوجه إلى الناس أم يتوجه إلى الله -سبحانه وتعالى؟


٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


البراهين أو الأدلة على مذهب الوجوب

ثم بعد ذلك نتحدث عن البراهين أو الأدلة على مذهب الوجوب، يعني مذهب القائلين بأنه يجب نصب الإمام -وهم كما قلنا: جماهير العلماء- نقول: لمّا كان وجوب نصب الإمام قد قال به جمهور الأمة الإسلامية من أهل السنة وغيرهم -كما بينا- ولمّا كان أهل السنة استدلوا على دعواهم ببراهين غير البراهين التي استدلّ بها غيرهم، ولمّا كان ثمة جماعة من القائلين بوجوب نصب الإمام ترى أن الوجوب هنا ليس متوجهًا إلي الخلق بل متوجه إلى الخالق -جل وعلا- كان لزامًا علينا أن نبيّن أدلة كل جماعة من الجماعات القائلة بوجوب نصب الإمام كل على حدة؛ حتى تظهر وجهة نظر الكل واضحةً جليةً إيذاء هذا المنصب الخطير:
البرهان الأول الدليل الأول من أدلة أهل السنة على أن نصب الإمام إنما هو من الأمور الواجبة:
استدل أصحاب هذا الرأي بالإجماع، والإجماع هنا من أقوى البراهين عند أهل السنة ومن وافقهم في مذهبهم، على وجوب نصب الإمام شرعًا، بل هو أقواها على الإطلاق، وهو إجماع الأمة الإسلامية على أنه يجب نصب رئيس أعلى للدولة؛ وذلك أنه قد أجمع الصحابة -رضي الله عنهم- على وجوب نصب رئيس لهم ليخلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في رعاية أمور الأمة، في القيام بحراسة الدين وسياسة الدنيا، فقاموا باختيار أبي بكر -رضي الله عنه- خليفةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سقيفة بني ساعدة، بعد نقاشٍ وحوار حادٍّ بين المهاجرين والأنصار، انتهى هذا الأمر باقتناع الأنصار بأن الرياسة العليا يجب أن تكون في قريش، ...

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


... ووافقوا على اختيار أبي بكر خليفةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي اليوم التالي حاز هذا الإجراء على موافقة الصحابة الذين لم يكونوا حاضري هذا الاجتماع، ثم إنَّ الصحابة وإن كانوا قد اختلفوا بادئ الأمر في تعيين شخص الإمام، إلا أنّ هذا لا يقدح في اتفاقهم جميعًا على وجوب نصبه، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- قد خطب في الناس عقب موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقبل مبايعته خليفة قائلًا: "أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت: ((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)) [آل عمران: ١٤٤]، ثم قال: وإن محمدًا قد مضى لسبيله، ولا بد لهذا الأمر من قائم يقوم به، فانظروا وهاتوا آراءكم -رحمكم الله- فناداه الناس من كل جانب: صدقت يا أبا بكر، ولكنا نصبح فننظر في هذا الأمر، ونختار من يقوم به"، ولم يوجد من الصحابة من يقول: إن هذا الأمر يصلح من غير قائم به.
البرهان الثاني نصب الإمام فيه دفع الضرر المظنون، يقول أصحاب هذا الرأي:
إن في نصب الإمام دفعًا للضرر المظنون بعدم نصبه، ودفع الضرر المظنون واجب إجماعًا؛ فالنتيجة أن نصب الإمام واجب. فأما بيان نصب الإمام فيه دفع ضرر مظنون، فإن الناس لا يستطيعون العيش منفردين؛ لأن الإنسان اجتماعي بالطبع، لا يستطيع الحياة الكاملة بعيدًا عن أفراد جنسه، وإذا كان الناس لا يستطيعون الحياة إلا مجتمعين، وهم -كما قال العلماء- مع اختلاف الأهواء، وتشتت الآراء، وما بينهم من الشحناء، قلما ينقاد بعضهم لبعض، فيفضي ذلك إلى التنازع، وربما أدّى إلى هلاكهم جميعًا، ...

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


... ويشهد له التجربة والفتن القائمة عند موت الولاة إلى موضعٍ آخر، بحيث لو تمادى لعطِّلت المعايش وصار كل واحد مشغول بحفظ ماله ونفسه تحت قائم سيفه؛ وذلك يؤدي إلى رفع الدين وهلاك جميع المسلمين، ففي نصب الإمام دفع مضرة لا يتصور أعظم منها. وإما أن دفع الضرر واجبٌ؛ فهذا متفقٌ عليه بين العقلاء جميعًا، ونرى العلماء بعد أن يقرروا الدليل هكذا يجيبون على ما يمكن أن يَعترض به معترض، فيقول المعترض: إنكم تقولون: إن نصب الإمام فيه دفع الضرر المظنون، ونحن نقول: بل في نصب الإمام ضرر مظنون، وهو منفي بقوله صلى الله عليه وسلم: {{لا ضرر ولا ضرار}}، وبيان أن في نصب الإمام أضرارًا من ثلاثة أوجه، أي أنهم يبيّنون أو أن جمهور الفقهاء يقولون بأن نصب الإمام فيه دفع للضرر المظنون؛ لأنَّ الناس لا يستطيعون العيش في مجتمع إلا إذا وُجد من يقوم على أمرهم، ويمنع الظلم -أي ظلم بعضهم لبعض- ويؤدي الحقوق إلى أصحابها.
هناك اعتراض من الذين يقولون بأنه لا يجب نصب الإمام، وهذا الاعتراض ينصب على أنه قد يكون في نصب الإمام ضَرَرٌ، وبيّنوا ذلك من وجوه:
الوجه الأول: قالوا إن الإنسان إذا وُلِّيَ غيره عليه في الأمور التي يهتدي إليها، والأمور التي لا يهتدي إليها، فيه من الإضرار ما هو ظاهر، يعني أنَّ الإنسان بطبعه لا يريد الرياسة.
الوجه الثاني: أنَّ بعض الناس قد يستنكفون عن تولية غيرهم عليهم، كما هي عادة الناس، وهذا يؤدي إلى التنازع وحدوث الفتن بين أفراد الأمة.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


الوجه الثالث :بما أنَّ الإمام معرض للخطر فيمكن أن يحدث الفسق، بل من الممكن أن يحدث منه الكفر، فإن لم تقم الأمة بعزله أضر بها بفسقه وكفره، وإن عزل أدى ذلك إلى تهييج الفتن والاضطرابات.
نقول: هذا ما يمكن أن يعترض به المعترِض على هذا الدليل، لكنّ أصحاب الرأي الأول -وهم جمهور الفقهاء- يجيبون على هذا بأن الإضرار اللازم من ترك نصب الإمام أكثر بكثير من الإضرار الحاصل من نصبه؛ ولذلك يقال: (ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان) ولا شك أن دفع الضرر الأعظم واجب؛ فنصب الإمام واجب.
يقول فخر الدين الرازي مجيبًا إلى أن هذه الأضرار وأمثالها قد تحصل: لا نزاع أن هذه المحظورات قد تحصل، لكن كلّ عاقلٍ يعلم أنه إذا قوبلت المفاسد الحاصلة من عدم الرئيس المطاع بالمفاسد الحاصلة من وجوده، فالمفاسد الحاصلة من عدمه أزيد بكثير من المفاسد الحاصلة من وجوده، وعند وقوع التعارض تكون العبرة بالرجحان، فإنّ ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير، يعني معنى ذلك يتحمل الضرر الأقل في سبيل دفع الضرر الأعظم.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


البرهان الثالث: ومن الأدلة أيضًا على وجوب نصب الإمام:
أن نصب الإمام لا يتمّ الواجبُ إلا به، وبيان ذلك أنه من المعلوم أن الشارع تبارك وتعالى أمر بإقامة الحدود على مستحقّيها، وتجهيز الجيوش للجهاد، وسد الثغور، وحفظ بيضة الإسلام، وذلك لا يقوم به فرد أو الأفراد، وإنما يقوم به سلطة عليا لها من الإمكانات الواسعة، وحق الطاعة على مجموع الأمة، ولها من قدرة التوجيه، ما يعينها على تنفيذ هذه الواجبات، وهذه السلطة العليا تتمثّل في الإمامة العظمى، فبها يُستطاع القيام بكل هذه الواجبات، وما يتمّ الواجب إلا به فهو واجب، فنصب الإمام واجب؛ ولذلك يقول البعض: والمسلمون لا بد لهم من إمام يقوم بتنفيذ أحكامهم، وإقامة حدودهم، وسد ثغورهم، تجهيز جيوشهم، وأخذ صدقاتهم، وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطريق، وإقامة الجمع والأعياد، وقطع المنازعات الواقعة بين العباد، وقبول الشهادات القائمة على الحقوق، وتزويج الصغار والصغائر الذين لا أولياء لهم، وقسمة الغنائم... كل ذلك يحتاج إلى إمام، إذا لم يوجد إمام فقد تعطّلت كل هذه الأشياء.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


البرهان الرابع: الدليل الرابع على وجوب نصب الإمام أن الصحابة بادروا بنصب إمام قبل قيامهم بدفن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعني أصحاب هذا الرأي القائلون بوجوب نصب الإمام يقولون بأن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اهتموا بأمر الخلافة، وحتى قبل أن يُوارى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الثرى -قبل أن يدفن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن الصحابة بادوار بنصب إمام قبل قيامهم بدفن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وذلك أن الصحابة قد اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة لاختيار من يخلف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وانتهى اجتماعهم إلى اختيار أبي بكر -رضي الله عنه- وكان ذلك عقب موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقبل أن يقوموا بدفنه؛ مما يدل على أنهم اعتبروا نصب الإمام أهم الواجبات، وإلا لما رضوا بدفن الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- وتقديم نصب الإمامة عليه.

هذه هي أدلة أصحاب الرأي الأول، وهم جمهور الفقهاء وجمهور أهل السنة القائلون: إنه يجب نصب الإمام، واستدلوا بالأدلة الأربعة التي ذكرناها، ولكن هذه الأدلة لم تسلم من الاعتراض عليها، ولم تسلم من المناقشة، فمن هذا المنطلق نقول:
على الرغم من أن الإجماع يعتبر أقوى دليل من الأدلة التي استدل بها أهل السنة ومن وافقهم فيما يرونه من وجوب نصب الرئيس الأعلى على الأمة، إلا أنّنا نجد أنَّ البعض قد أثار الجدل حول هذا الدليل، محاولًا إيجاد احتمال أن يكون الصحابة قد بادروا بنصب الإمام عند موت كل رئيس، نظرًا إلى ظرف خاصٍّ اقتضى مبادرتهم هذه.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


فيقول بعض المعترضين: إن ذلك يدل -إن كان دالًّا- على حسن إقامة الإمام، وجواز نصبه، ولا يدل على وجوب ذلك في كل عصر وزمان؛ لأنه لا يُمتنع أن يكون العاقدون لأبي بكر والمجتمعون للشورى، إنما بادروا إلى ما بادروا إليه وحرصوا عليه؛ لأنَّ الحال اقتضته -يعني هو الظروف اقتضت ذلك، وربما إذا لم توجد هذه الظروف لم يفعلوا ذلك- ولأنه غلب في ظنونهم أنَّ إهمال العقد فيه فساد وانتشار، وليس فيمن يخالف في وجوب الإمامة على كل حال من ينفي حسنها، ويدفع أن يقتضي بعض الأحوال الفزع إليها؛ ولذلك يقول هذا المعترض: إنَّ الإمام قد يجوز أن يُستغنى عنه في بعض الأحوال، التي تغلب في الظن أنَّ الناس فيها يلزمون فيها الصلاح والسداد في الأكثر، هذا الاعتراض ينصب على أنّ الإجماع الذي استدل به أهل السنة، أو غالبية الفقهاء، وجمهور العلماء، على وجوب نصب الإمام، وهو الإجماع، وهو أن الصحابة قد أجمعوا على خلافة أبي بكر، المعترض يرد على ذلك ويقول: ربما الذي دفع المسلمين إلى ذلك ظروف معينة، لكن إذا لم توجد ظروف في بعض الأوقات فإن ذلك ليس معناه وجوب نصب الإمام. فهذا النوع تشكيك في الإجماع.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


لكن الفقهاء ردوا على ذلك، فنقول ردًّا على هذا: بأن الظاهر من فعل الصحابة من إقامتهم إمامًا جديدًا عند موت كل إمام، وتكرّر ذلك منهم في أحوالٍ عديدةٍ، أنَّ ذلك لوجود الداعي في كل حال إلى إقامة هذا الإمام. فالرد عليه أو على هذا المعترض على الإجماع إنما نقول له: هذا الداعي موجود في كل وقت؛ ولذلك يجب نصب الإمام.

المذهب الثاني: القائلون بعدم وجوب تنصيب الإمام في كل حالٍ أو حالٍ دون حالٍ

بالنسبة للرأي الثاني القائل بعدم وجوب نصب الإمام مطلقًا، فإنهم استدلوا بما يلي:

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


يقولون إن نصب الإمام مثير للفتنة، أي يترتب عليه الفتنة، وكل ما كان كذلك فهو غير واجب شرعًا، فإذن نصب الإمام غير واجب شرعًا. فأما أن فنصب الإمام مثير للفتنة، فبيانه أن أهواء الناس مختلفة، فقد تريد مجموعةٌ من الناس اختيار واحد للإمامة؛ لأنَّه في نظرها أصلح الناس في ذلك، وتريد مجموعةٌ أخرى تنصيبَ آخر لها، فيقع التناحر والتشاجر بين جماهير الأمة بسبب ذلك، والتجارب العددية تؤيد ما نقول. وأما أنَّ كل كان مثير للفتنة غير واجب شرعًا فهو أمر ظاهر ولا يحتاج إلى دليل.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


الرد على استدلال أصحاب القول الثاني

لكن هذه الأدلة التي استدل بها أصحاب الرأي الثاني -القائلون بأنه لا يجب نصب الإمام مطلقًا- يُرد عليهم فيها:
فهم يقولون -كما قلنا في الدليل الأول- أن نصب الإمام يثير الفتن بين الناس، لكن نقول لهم: إن حال الناس عند إرادة نصب إمام لا تخلو من واحدٍ من اثنين: إما الاتفاق على شخص معين يرونه راجحًا غيره؛ لصفاتٍ انفرد بها عن سائر من ينافسونه في هذا المنصب، وإما أن يقع الاختلاف بينهم. فأمّا الحال الأولى -وهي حال اتفاقهم على شخص الإمام- فلا مجال للادعاء بأن ذلك مثير للفتن بين الناس، بل هو من وسائل إخماد الفتن، وأما الحال الأخرى -وهي حال اختلافهم في تعيين شخص الإمام- فلم يترك الشارعُ الحكيمُ الأمرَ بدون ضوابط تكون هي المرجع في فض هذا الخلاف، وإنما نقول: إنه في هذه الحال يجب على أهل الحل والعقد في الأمة أن يقدِّموا للإمامة أعلم المرشحين لها، فإن تساويا في العلم فيجب تقديم الأورع، فإن تساويا فيجب تقديم الأسن، وكل ذلك ممّا تندفع به الفتنة والخلافة.
فهذا الرد يتبيّن لنا منه أن ما استدلّ به أصحاب الرأي الثاني القائلون بعدم وجوب نصب الإمام، لا مجال لهم في هذا الدليل، وأن دليلهم ساقط؛ فلا يعتدّ به.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


وأما قولهم -أي القائلون بعدم وجوب نصب الِإمام-: إن دين الناس وطباعهم مما يحثّهم على رعاية مصالحهم الدينية والدنيوية. فنقول: إن هذا وإن كان ممكنًا عقلًا إلا أنه ممتنع عادة، وليس أدلّ على ذلك من انتشار الفتنة والاختلاف بين الناس عند موت السلاطين والحكام، ودعوى انتظام أحوال البوادي والعُربان دعوى غير مسلمة؛ إذ إننا نراهم كالذئاب الشاردة والأسود الضارية، لا يُبقي بعضهم على بعض. فهذا أيضًا دليل ساقط للذين قالوا بعدم وجوب نصب الإمام؛ لأن قولهم: إن طبائع الناس تحملهم على رعاية مصالحهم الدينية والدنيوية. نقول: هذا أمر غير مسلّم؛ لأن الواقع يخالف ذلك؛ وهذا يظهر عندما يسقط نظامٌ من الأنظمة، أو رئيس من الرؤساء، يحدث خلافٌ بين الناس وتشاجرٌ، ولا يمكن القياس على أحوال البوادي؛ لأن حالهم يخالف ذلك.

المذهب الثالث و المذهب الرابع

ونأتي الآن إلى القائلين بوجوب نصب الإمام في حالٍ دون حالٍ:
ونبيّن دليلَهم والردَّ عليهم، فهناك رأي يقول بأنه يجب نصب الإمام عند ظهور العدل، ولا يجب نصبه عند ظهور الفتن، ونرى بعض الآراء يرى عكس ما يراه هذا الرأي -أي أنه يجب نصب الإمام عند ظهور الظلم، ولا يجب نصبه عند ظهور العدل والإنصاف- إذن الرأي الثالث والرأي الرابع كلٌّ منهما يناقض الآخر.


٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


وقد احتجّ الذاهب إلى أنه يجب نصب الإمام عند ظهور الفتن، ولا يجب عند ظهور العدل وإنصاف الناس بعضهم بعضًا؛ بأن وقوع الفتن والظلم بين الناس فيه ضرر، وكل ضرر يجب إزالته، فالنتيجة أن وقوع الفتن والظلم بين الناس يجب إزالته، ثم إنه لا يتأتّي إزالة ذلك إلا بسلطة قادرة عامة، لها حق أمر الناس ونهيهم، وهي سلطة الإمامة، فيجب إقامة الإمامة عند ظهور الظلم والفتن، وأما عند ظهور العدل والتناصف بين الناس، فلا ضرر واقع بين الناس حتى نقول بوجوب رفعه.
ويمكن أن نردّ على دليل من يقول بوجوب نصب الإمام عند ظهور العدل، ولا يجب نصبه عند ظهور الفتن، بأنه على العكس مما تقول؛ فإن وقوع الفتن بين الناس داعٍ من أعظم الدواعي لظهور سلطة قاهرة، تستطيع أن تعيد الحق إلى نصابه، وتمنع الفتن؛ حتى يعم العدل، وينتشر الأمان؛ لأنَّ عدم وجود إمام في هذه الحال لَمِمّا يشجع القائمين بالفتن على التمادي في غيّهم وظلمهم، لا تخيفهم قوة، ولا يرهبهم سلطان، ولكنّ الواجب في هذه الحال هو إقامة الرئيس، والتفاف جماهير الأمة حوله؛ حتى يستطيع بمعاونة أهل العدل من إقامة حكم الله، والقضاء على أسباب الفتن والاختلاف. هذا ردٌّ على من يقول بوجوب نصب الإمام عند ظهور العدل، ولا يجب نصبه عند ظهور الفتن.

٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


ويمكن أن نردّ أيضًا على من ادعى وجوب نصب الإمام عند ظهور الفتن، وعدم وجوب نصبه عند ظهور العدل وإنصاف الناس بعضهم بعضًا، بأن الأدلة الصحيحة قد قامت على وجوب نصب الإمام مطلقًا، ولم تفرِّق بين حالي الأمن والفتنة، فالتفريق بين حال الأمن والفتن تفريق بلا دليلٍ؛ لأنَّ الضرر كما يقع في حال الفتن يقع أيضًا في حال الأمن، فتظالم الناس لا يمكن أن يدّعي مدّعٍ أنه مقصورٌ على حال وقوع الفتن بين الناس؛ لأنَّ ظلم الناس بعضهم بعضًا واقع مستمرّ في كل حال، لا فارق بين حال الأمن ولا فارق بين حال عدم الأمن، هذا واقع -ظلم الناس بعضهم بعض واقع- متسمرّ في كل حال، كما يؤيّده جريان العادة منهم على مرّ العصور، وإذا ما وقع التظالمُ في حال انتشار الأمن بين الناس، احتاج إلى إمامٍ لرفعه؛ لأنه ضررٌ يجب إزالته؛ ولأن وجوه الحاجة إلى الإمام ليست قاصرةً على حال وقوع الفتن؛ إذ إن الإمام يُحتاج إليه للنظر في مصالح الناس، والحكم بينهم بالحق؛ وليقيم حدودهم، ويجهز جيوشهم، وذلك غيرُ مقصورٍ على حالٍ دون حالٍ، بل هو عامٌّ في كلّ الأحوال.
ثم هل يمكن أن يدّعي مدّعٍ أنّ الحال التي أجمعَ فيها الصحابة -رضي الله عنهم- على اختيار أبي بكر خليفةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت حال وقوع فتن بين الناس؟! الجواب طبعًا بالنفي؛ فإنه لم تكن آنذاك بينهم حروب أهلية، وانتشار فتن؛ حتى يمكن أن يقال بضدِّ ذلك، وإذا ما بان أن حال الصحابة عندئذٍ لم تكن حال وقوع الفتنة، وقد أجمعوا فيها على نصب الإمام؛ دلّ ذلك على أن نصب الإمام ليس مختصًّا بحال الفتنة فقط، بل نصبه واجبٌ في كل حال، لا فارق بين حال الفتنة وحال الأمن والاستقرار.


٣.١٠ معاني: الخلافة، وأمير المؤمنين، والإمام


الرأي الراجح

الرأي الراجح هو رأي أهل السنة، القائل بوجوب نصب الرئيس الأعلى للدولة، وأن هذا الوجوب مصدره الشرع، لا العقل كما يدّعي البعض، لأنَّ الكلام هنا -كما قال أهل السنة- بالوجوب، بمعنى استحقاق الثواب عند الفعل والعقاب عند الترك؛ ولأنَّ الإمام إنما يُراد لأمورٍ سمعيةٍ، كإقامة الحدود -أي العقوبات التي حددها الشرع- كقطع يد السارق... وغير ذلك، وتنفيذ الأحكام وما شاكلها، وإذا كان ما يراد له الإمام لا مدخل للعقل فيه؛ فبألا يكون له مدخل في إثبات الإمام يكون من باب أولى.
فإذا اخترنا مذهب أهل السنة القائل بالوجوب -أي وجوب نصب الإمام في كل حال- فإنما يعني ذلك أننا نقول بالوجوب مطلقًا، أي أن حكم الوجوب قائمٌ ملزِم للمسلمين في كل حال، سواء أكان ذلك حال الأمن أم حال ظهور الفتن بين الناس.