٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
أولًا: مسئولية الحكام
 |
يتميز النظام السياسي الإسلامي عن غيره من النظم السياسية كافة بتقرير مبدأ (المسئولية) حيث لا يوجد في الإسلام من يمكن أن يكون بمنأى عنها؛ ذلك لأن عدم المسئولية يعني: أن غير المسئول يحتل مكانًا مقدسًا، أو كونه معصومًا، وليس في الإسلام من يحتل هذه المكانة سوى الأنبياء، والرسل، وكل مسلم مسئول عن تصرفاته وأفعاله سواء أكانت هذه التصرفات والأفعال متعلقة بالواجبات الفرضية التي خاطب بها المشرع الإسلامي كل مكلف، وحتم عليه القيام بها، أو كانت متعلقة مع نفسه، أو مع الغير، ففي كل هذه الأحوال يكون المسلم مسئولًا أمام الله عز وجل في الآخرة إلى جانب أنه مسئول في الدنيا أمام ضميره من ناحية، ومن ناحية أخرى أمام المجتمع الإسلامي. |
 |
ونحن إذا كنا نسلم مع فضيلة الشيخ أحمد هريدي بهذا المبدأ؛ لأنَّه من القواعد القطعية في الفقه الإسلامي، إلا أننا لا نسلم له القول، وتبدو مسئولية الفرد تارة أمام نفسه، وضميره، وتارة أمام ربه سبحانه وتعالى وتارة أمام الناس والمجتمع؛ لأنَّ هذا القول يومئ أنه في بعض الحالات يمكن أن يكون الفرد مسئولًا أمام نفسه وضميره، أو مسئولًا أمام المجتمع، ولا يكون مسئولًا أمام الله عز وجل وهذا ما لا نقبله، ونعتقد أن الشيخ لا يعارض في ذلك؛ لأنَّ المسئولية تتحدد أولًا وقبل كل شيء أمام الله عز وجل وفي كل الحالات. |
 |
ولذلك دلت مصادر المشروعية الإسلامية على تقرير قاعدة المسئولية، وعمومها؛ لتشمل جميع التصرفات، وكافة المخاطبين بأحكام الشريعة سواء الحاكم أو المحكوم على حد سواء، وهو ما يتضح من القرآن الكريم والسنة النبوية، والتطبيق العملي في عهد الخلافة الراشدة. |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
أساس مشروعية المسئولية في الإسلام
دلت مصادر المشروعية في الإسلام على قاعدة الشورى، كصرح متين يقوم عليه ليس فحسب النظام السياسي الإسلامي، وإنما النظام الإسلامي كله، ويتضح ذلك من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، والتطبيق العملي في عهد الخلافة الراشدة، وما أجمع عليه علماء الأمة.
 |
ففي القرآن الكريم يقول الله سبحانه وتعالى: ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه)) [الزلزلة: ٧، ٨] ويقول سبحانه وتعالى: ((وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)) [الأنبياء: ٤٧] ويقول سبحانه: ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)) [المدثر: ٣٨] ويقول تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) [الأنفال: ٢٧] ويقول سبحانه وتعالى أيضا: ((وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) [الجاثية: ٢٢]، ويقول سبحانه وتعالى: ((وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)) [التوبة: ١٠٥] ويقول سبحانه وتعالى: ((كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ)) [الطور: ١٢١] ويقول سبحانه وتعالى: ((يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا)) [آل عمران: ٣٠].
فهذه الآيات جميعها تقرر بنصوص قطعية قاعدة المسئولية بحيث تشمل المسئولية في الدنيا، والمسئولية في الآخرة.
|
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
 |
ومن السنة النبوية الشريفة نذكر ما روي عن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنه، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته}}، وعلى ذلك فليس في الإسلام من يمكن أن يكون بمنأى عن المسئولية بحيث تتدرج المسئولية لتتوازى مع السلطة ابتداء من رئيس الدولة حتى العبد في مال سيده. |
 |
وأيضًا ما جاء في خطبة الوداع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها}}. |
 |
ولم يكن مبدأ المسئولية مبدأ نظريًّا في الفقه الإسلامي في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أو في عهد الخلفاء الراشدين، وإنما أخذ مكانه في التطبيق مثل سائر النصوص القانونية، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو النبي المرسل المعصوم المنزه عن الخطأ، والهوى يقبل القصاص، والقصة كما يرويها ابن سعد: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- طعن سواد بن غزية بعود من سواك، فماد في بطنه -يعني: أثر في بطنه- فطلب سواد القصاص، ولما استنكر الأنصار ذلك من سواد بادرهم بقوله: ما لبشر على بشر من فضل، ولما كشف الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن جسده الطاهر؛ ليقتص منه، فقبله وقال سواد: أتركها لتشفع لي بها يوم القيامة يا رسول الله". |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
 |
وإذا أردنا أن نذكر السوابق لهذه المسئولية في عهد الخلفاء الراشدين فنقول تدل السوابق بصفة قاطعة أن الخلفاء الأول رضوان الله تبارك وتعالى عليهم، كانوا يعملون هذا المبدأ ويقررون مسئوليتهم عن كل ما يترتب على ممارسة السلطة العامة. |
 |
وسنوجز مسلك الخلفاء الأول في هذا الصدد؛ لنتبين كيف كفلوا تطبيق هذا المبدأ، وهو مسئولية الحاكم؟
أبو بكر الصديق: فأبو بكر -رضي الله عنه- يقول في أول خطبة له بعد توليته الخلافة: أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، وكأنه يشير بذلك إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: {{لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق}}، ويقول أيضًا: فإن رأيتموني استقمت، فاتبعوني، وإن زغت، فقوموني، وتقويم الخليفة لا يكون معترفًا به كقاعدة مقررة إلا إذا كان مبدأ المسئولية يأخذ مكانه في النظام الإسلامي ذلك أن التقويم لا يتحقق إلا لكون الخليفة مسئولًا، ويجب أن يخضع لحكم القانون.
|
 |
عمر بن الخطاب: وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يرى أنه مسئول ليس فقط عن تصرفاته الشخصية، وإنما عن تصرفات عماله، وولاته، وإعمالًا لما كان يراه عمر في مسئولية الحاكم، فإنَّ نطاق المسئولية يمتد في منهجه في الحكم ليشمل مختلف الأنشطة والأماكن والميادين في المجتمع.
ولا نرى حاكمًا في الشرق أو الغرب صور المسئولية كما صورها عمر
|
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
 |
ومما يروى عنه -رضي الله عنه- أنه قال: أيما عامل لي ظلم أحدًا، فبلغتني مظلمته فلم أغيرها، فأنا الذي ظلمته ولكونه كان يعتبر أنه مسئولًا عن عماله، وولاته فإنه كان يشتدد في اختيار الولاة، ولا يختار أحدهم لأي عمل من الأعمال، إلا إذا كانت قد توافرت فيه الشروط التي يتطلبها ذلك العمل في من يقوم به، وكان موثوقًا في أمانته وورعه؛ لذلك فإنه كان يتولى البت في الأمور بنفسه، وما لا يستطع أن يرفع إليه من مشكلات الأقاليم والولايات المختلفة، فإنه يختار لها أهل القوة والأمانة. |
|
 |
يروي ابن سعد عن عمرو بن العاص قال لعمر -رضي الله عنه- يا أمير المؤمنين: أرأيت إن أدب أمير رجلًا من رعيته أتقتص منه؟ فقال عمر: وما لي لا أقتص منه؟! وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقتص من نفسه.
وما يفهم من هذه الرواية أنَّ المسئولية لا تكون عن التأديب الذي يكون نتيجة لمخالفة الشخص لقواعد الشريعة، وإنما تنصرف المسئولية إلى حالة ما لو أدب الوالي رجلًا من الرعية بدون سبب، أو كان هذا التأديب قد تجاوز فيه الأمير السلطة، بأن تحقق عدم التناسب بين الفعل المخالف للقانون، وبين وسيلة التأديب، ففي هاتين الحالتين لا يكون تأديبًا، وإنما يكون ظلمًا لا يقره الشرع، ويجب القصاص مقابلة له، وهو ما يفهم من بقية القصة كما يرويها ابن سعد.
|
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
 |
كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يأمر عماله أن يوافوه بالموسم، يعني: موسم الحج، فإذا اجتمعوا قال: أيها الناس إني لم أبعث عمالي عليكم؛ ليصيبوا من أبشاركم، ولا من أموالكم، وإنما بعثتهم؛ ليحجزوا بينكم، وليقسموا فيأكم بينكم، فمن فعل به غير ذلك فليقم، فما قام أحد إلا رجل واحد، قال: فقال يا أمير المؤمنين: إن عاملك عمرو بن العاص ضربني مائة سوط، قال: فبم ضربته يا عمرو؟ ولما أيقن عمر أنه ضربه بلا مبرر، قال للرجل قم فاقتص منه أي: اقتص من عمرو بن العاص، فقال عمرو بن العاص يا أمير المؤمنين: إنك إن فعلت هذا يكثر عليك، ويكون سنة يأخذ بها من بعدك فقال: ما لي لا أقيد، وقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقيد من نفسه، قال عمرو بن العاص: فدعنا فلنرضه قال: دونكم فارضوه، فافتدى منه بمائتي دينار كل سوط بدينارين.
وهكذا كان عمر يتشدد في معاملة أو في محاسبة عماله حتى أنه أراد أن يكون رجل من عامة الناس، ومن الرعية قال: له اقتص من الوالي عمرو بن العاص، وهذا إن دل فإنما يدل على مدى العدالة التي كان يراعيها عمر بن الخطاب مع الرعية، ولقد كان عمر يتشدد في مسئولية الولاة عن تصرفاتهم، ويرى أنه مسئول عن تصرفاتهم طوال مدة حكمه.
|
|
 |
وكان يرى أنه مسئول عن كل شيء في الدولة الإسلامية؛ لذلك كان يتحسس البعير، ويقول: إني لخائف أن أسأل عما بك، وقال -رضي الله عنه: لو ند جمل ضياعًا على شط الفرات، لخشيت أن يسألني الله عنه؛ لأنَّ الدولة لم تمهد له الطريق، فهو يخاف أن يضيع جمل، فيكون مسئول عنه أمام الله تبارك وتعالى ... |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
|
... وإذا كان هذا موقف عمر، فإن هناك موقفًا مقابلًا له، وهو موقف المحكومين، فقد كانوا يرون أن الخليفة مسئول عن أفعاله وتصرفاته إلى جانب مسئوليته عنهم.
|
|
 |
يروي ابن الجوزي: أنَّ عمر بن الخطاب قال في أول خطبة له: إن رأيتم فيًّ اعوجاجًا فقوموني، ويرد أحد المسلمين على عمر بقوله: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد السيف، ويرد عمر بقوله: الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم عمر بحد السيف. |
|
 |
وترسم مواطنة مسلمة الفهم الإسلامي لحدود ونطاق مسئولية الخليفة بطريقة لم يعرفها في الماضي والحاضر أيَّ تشريع وضعي، يروى أن عمر بن الخطاب مر ليلًا بأعرابية، وهي تعلل صغارها بالموقد وضعت عليه قدرًا بماء خالص لا شيء فيه؛ لأنَّها ليس عندها طعام تطعمه أولادها، وهي تعلل صغارها بالموقد، ولما دنا منها سيدنا عمر وسألها ماذا تصنعين يا امرأة؟ وما بال الصبية يتضاغون، أجابته بأنهم يتضورون جوعًا، وهي تعللهم؛ فيناموا على ذلك، فقال لها: لم لا تذهبين إلى عمر -وكانت تجهل أنه المتحدث- ليساعد على إطعامهم؟ فقالت: الله بيننا وبينه، فخاف عمر خوفًا شديدًا، وقال لها -وقد استبد به الجزع والحزن-: وما يدري عمر بكم؟ فقالت: يتولى أمرنا، ويغفل عنا.
وهذه القصة على بساطتها ترسم ما كان عليه المسلمون الأُول، حكامًا ومحكومين، وكان عمر يرى أنه لكونه مسئولًا أعظم شأنًا، وأكثر خطورة عما سواه من الولاة والحكام، كان من المحتم من منطق عدل عمر أن يكون هو وأسرته قمة قدوة لأفراد المجتمع الإسلامي؛... |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
|
... لذلك ضاعف العقوبة على أهل بيته إذا ارتكبوا ما يخالف أوامر الشرع ونواهيه، وما أمر به عمر الرعية، وفي هذا الصدد يقول عمر: قد سمعتم ما نهيت، وإني لا أعرف أن أحدًا منكم يأتي شيئًا مما نهيت عنه إلا ضاعفت له العذاب ضعفين.
|
 |
عثمان بن عفان: أما التطبيق في عهد عثمان بن عفان -رضي الله عنه وأرضاه- فنقول: أما في عهد عثمان بن عفان فإنه -رضي الله عنه- وإن كان مسلكه الشخصي، وصدقه، وأمانته، وورعه، وتضحياته من أجل رفعة الإسلام والمسلمين، لا شك فيها، إلا أنه -رضي الله عنه- قتل شهيدًا لكون جمهور الثائرين يرون مسئوليته عن تسلّط بني أمية على رقاب المسلمين؛ ولأنه توانى في حقهم، واستعمل أقرباءه على الولايات المختلفة... إلى غير ذلك من المآخذ التي أخذها الثائرون عليه، والتي كانت سببًا لاستشهاده، وهذه الأسباب وإن كانت لا تطعن في ورع عثمان -رضي الله عنه- وتقواه وأمانته، وليس من شأنها أن تقلل من الدور العظيم الذي أدّاه عثمان، إلا أنها بلا شك تؤدّي إلى نتيجة مهمة، مؤداها أن الخليفة مسئول عن تصرفات ولاته وعماله، وممثليه في الولايات المختلفة، إلى جانب أنه -رضي الله عنه- لم ينكر حق المسلمين في مساءلته؛ فيروى عنه -رضي الله عنه- قوله: "إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوها". |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
 |
علي بن أبي طالب: وعليّ -رضي الله عنه- كان يرى مسئولية الخليفة عن كل ما يترتب على إعمال السلطة العامة، يروي ابن حزم عن الحسن -رضي الله عنه- أن عمر أرسل إلى امرأة معينة كان يُدخل عليها -أي كان يدخل عليها بعض الناس- فأنكرت ذلك، فقيل لها: أجيبي عمر. فقالت: يا ويلها! ما لها ولعمر؟ فبينما هي في الطريق فزعت، فضمها الطلق دارًا، فدخلت فألقت ولدها، فصاح الصبي صيحةً فمات، فاستشار عمر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم، فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيءٌ، إنما أنت والٍ ومؤدّب. قال: وصمت علي -أي علي بن أبي طالب- فأقبل عليه عمر فقال: ما تقول؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطأ رأيهم، وإن كانوا قالوا في هواك، فلم ينصحوا لك، أرى أن دِيّته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها وولدها في سبيلك، فأمر عليًّا أن يقسم عقلَه على قريش، وهم العاقلة عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه.
وبصرف النظر عن رأينا في مسئولية الخليفة عن هذه الواقعة، فهي تكشف بطريقة قاطعة عن أن عليًّا -رضي الله عنه- كان يرى أن الخليفة مسئول عن كل ما يتعلق بممارسة السلطة العامة.
|
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
ومن استعراض النصوص في القرآن والسنة، والتطبيق العملي في عهد الخلفاء الراشدين؛ نتبيّن أنَّ الخليفة مسئول:
 |
أولًا: باعتباره من آحاد المسلمين، ومسئوليته في هذا الصدد كمسئوليتهم تمامًا سواء بسواء. |
 |
ثانيًا: مسئول عن ممارسته الشخصية لمقتضيات السلطة العامة. |
 |
ثالثًا: هو مسئول باعتباره هو المهيمن على السلطة التنفيذية والحائز عليها، وكل الولايات الأخرى تتفرع من ولايته العامة، فإنَّ هذا يقتضي أن يكون مسئولًا عن كل أعمال ولاته ووزرائه وممثليه، في جميع الأصقاع والبلاد الإسلامية. |
فسلطة الخليفة وغيره من الحكام محددة تحديدًا دقيقًا في الفقه الإسلامي، وإذا ما أقدم أيّ شخص ممن يقبضون على زمام السلطة العامة على مخالفة القانون الإسلامي، أو أساء استخدام السلطة، أو انحرف بها عن المصلحة العامة للمجتمع الإسلامي؛ فإنه يكون مسئولًا عمّا أقدم عليه أمام الله من ناحية، ومن ناحية أخرى أمام القانون وأمام الرأي العام الإسلامي، ومن هنا فإن قواعد المسئولية تنطبق على الخليفة، وسائر الحكام مثلهم في ذلك مثل سائر المسلمين، ذلك أن الولاية أمانة في الإسلام، وكل مؤتمن مسئول عما ائتمن عليه؛ لذلك فالخليفة مسئول عما اؤتمن عليه من حقوق الأمة، إلا أن مسئولية الخليفة أوسع نطاقًا وأوسع مدى من مسئولية الأفراد جميعًا؛ لأنَّها ثقيلة، بقدر ثقل الواجبات الملقاة على عاتقه وتنوعها، فإنها أيضًا تشمل مسئوليته عن كفالة كل ما هو أساسي وحيويّ بالنسبة لكل المسلمين؛ ولهذا فإنَّ النصوص أكدت بأن أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام جائر؛ ولهذا نجد أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يضاعف مسئولية أهله عن مخالفة ما يسنّ للمسلمين من الأوامر.
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
وفي هذا الصدد يروي ابن سعد عن عبد الله بن عمر: كان عمر إذا أراد أن ينهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله فقال: لا أعلمنّ أحدًا وقع في شيء مما نهيت إلا أضعفت له العقوبة. ولم يكن ذلك إلا لأن عمر كان يعتبر الخليفة هو القدوة الحسنة لكل المسلمين، وإذا لم يكن الخليفة وأهل بيته هم أول من يحترم القانون وينصاع إليه؛ فإن ذلك سيؤدي إلى استهانة كل المسلمين بقواعد القانون، وذلك يتفق مع قوله -رضي الله عنه: "إن الناس لم يزالوا مستقيمين ما استقامت لهم أئمتهم وهداتهم" قوله: "الرعية مؤدية إلى الإمام ما أدى الإمام إلى الله، فإذا رتع الإمام رتعوا" أي أنه إذا أطاع الله تبارك وتعالى أطاعته الرعية، وإذا عصى الله تبارك وتعالى عصته الرعية، فعلى قدر صلاح الإمام واحترامه لنصوص القانون وخضوعه له، تكون الرعية؛ لذلك فإن الشريعة الإسلامية تشددت في تقرير مسئولية الحكام؛ لأنه في حالة عدم احترام القانون، والإقدام على مخالفته من قبل الحاكم؛ فإن هذا يؤدي إلى خلل جميع الأجهزة في الدولة، وإلى أن يستشري الفساد في البلاد، وإلى عدم امتثال الرعية لحكم القانون.
ثانيًا: الحقوق والحريات في النظام الإسلامي
 |
تسعى الدول الحديثة إلى حماية الأفراد من عسف السلطة واعتدائها على حقوقهم، وذلك بتقرير مجموعة من الحقوق والحريات الفردية، التي تعتبر بمثابة حواجز منيعة أمام سلطان الدولة، لا يجوز لها أن تقتحمها أو أن تتخطاها، وإلا كانت دولةً موصومةً بالاستبداد وعدم الشرعية أو الدستورية. |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
 |
ومفهوم الحرية في الفكر الفردي الذي نادى به مجموعة من الفلاسفة، مثل (جان جاك روسو) و(جون لوك) و(فولتير)... وغيرهم، هذا المفهوم يختلف عنه تمامًا في الفكر الاشتراكي، الذي رفع لواءه (كارل ماركس) ومن سار على دربه؛ لأنَّ الحريات في نظر أصحاب الفكر الاشتراكي لا يمكن كفالتها إلا في ظل بيئة معينة، ومجتمع اشتراكي تقوم الدولة بتحقيقه؛ ومن هنا جاءت التجربة الشيوعية في روسيا لتطبيق تلك النظريات التي جاء بها رواد الفكر الاشتراكي. |
 |
وأما في النظام الإسلامي فالحقوق الفردية تتقرر على أساس رُوحي، قوامه: أنَّ الآدميين جميعًا مكرمون من قبل الخالق سبحانه وتعالى يقول تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)) [الإسراء: ٧٠] وهم جميعًا حكامًا ومحكومين مخلوقون لعبادة الله سبحانه وتعالى يقول تعالى: ((وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)) [الذاريات: ٥٦] والعبادة تعني الخضوع الاختياري لسلطان الله المطلق، وتعريف شئون الفرد أو الجماعة على حسب ما فصل سبحانه في شرعه، فالحقوق والحريات الفردية أو الجماعية بالنظام الإسلامي أساسها العقيدة، ونظامها الشريعة، وهي منح إلهية من الخالق سبحانه وتعالى الذي كرّم الجنس، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلًا؛ وبهذا وحّد الإسلامُ الغايةَ بالنسبة لكل من الفرد والدولة، فهي عبادة الله والخضوع لسلطانه، بتنفيذ شرعه في الحقوق والحريات؛ ومن ثم لا نجد في النظام الإسلامي عدوانًا على حقٍّ مهما كانت طبيعته، فحقوق الأفراد وحرياتهم محميةٌ ومرعيةٌ، ولكن ليس على حساب الجماعة، وكذلك العكس، ولكن مع عدم الاستبداد أو الطغيان الذي يؤدي إلى وأد مصالح الأفراد، فهناك إذن توازنٌ بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، بحيث لا تطغى مصلحة على الأخرى. |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
الحقوق والحريات الفردية في النظام الإسلامي
تشمل هذه المجموعة من الحقوق والحريات بالفقه الدستوري الحديث: الحريات الشخصية، وحريات الفكر، ثم حريات التجمع، والحريات الاقتصادية.
الحريات الشخصية
ويعتبر هذا النوع من الحريات من أهم ما يجب أن يتمتع به الفرد؛ لكونه يتصل بكرامته الإنسانية التي كفلها له الخالق سبحانه وتعالى وتشمل هذه الحريات في الفقه الدستوري ما يلي:
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
حرية التنقل:
بمعنى أن يكون الفرد حرًّا في الانتقال من مكان إلى آخر، والخروج من البلاد والعودة إليها بدون تقييد لحريته في ذلك، إلا بما يقتضيه النظام والقانون، وهذا حق للأفراد، قد أقره النظام الإسلامي الذي يدعو الإنسان إلى السعي في الأرض، والمشي في مناكبها؛ طلبًا للرزق، واعتبارًا بمصير الأمم السابقة.
روي عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه كان يمنع بعض كبار الصحابة عن الخروج من المدينة؛ حتى يتيسر له الرجوع إليهم ومشاورتهم في شئون الدولة، ويعتبر هذا نوعًا من تقييد حرية التنقل للمصلحة العامة إذا رأى الإمام ذلك، وعلى كل حال فحرية السعي في الأرض باعتبارها حقًّا فرديًّا لا يسوغ ولا يجب أن تتقيد إلا لمصلحة أعلى منها، أما تقييدها لمجرد الرغبة في الانتقام من الفرد، كما يحصل في عالم اليوم، فهو عمل لا يقره النظام الإسلامي، الذي تقدر فيه الضرورة بقدرها دائما.
حق الأمن:
ويقصد بهذا الحق في الفقه الدستوري: عدم جواز القبض على أحد الأشخاص، أو اعتقاله، أو حبسه، إلا في الحالات المنصوص عليها في القانون، وبعد اتخاذ جميع الإجراءات والضمانات التي حددها القانون، كما يعني حصانة شخصه -أي حماية الشخص من أي اعتداء عليه- وفي النظام الإسلامي لا يجوز بطبيعة الحال القبض على أي إنسان وترويعه وحبسه، ما لم يكن ذلك بسبب شرعي يستوجب ذلك، والعقوبات في الإسلام بطبيعة الحال مضيق بابها، فلا جريمة ولا عقوبة بغير نصٍّ، ولا تثبت العقوبات بمجرد الرأي والاجتهاد؛ لأنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات كما هو معلوم، والأصل البراءة حتى يثبت العكس؛ ولهذا فإنَّ النظام الإسلامي يعتبر الاعتداء على حقّ الأمن للإنسان، سواء في جسده، أو في حياته العامة، يعتبر ذلك نوعًا من الظلم، ويتوعد عليه بأشد العقوبات، فالله تعالى يعتبر من يقتل نفس بغير حق كأنه قتل الناس جميعًا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ويتوعد القاتل عمدًا بالخلود في النار، والرسول -صلى الله عليه وسلم- جعل كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه. وفي حجة الوداع قال -عليه الصلاة والسلام: {{إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا قد بلغت، اللهم فاشهد}}.
حرمة المسكن:
بمعنى أنه لا يجوز اقتحام مسكن أحد الأفراد أو تفتيشه إلا في الحالات، ووفقًا للإجراءات التي نصّ عليها القانون، ويطلق اسم المسكن على المكان الذي يسكن فيه الفرد بشكل دائم أو مؤقت، فللمَساكن الخاصّة حرمتها التي لا يجوز انتهاكها إلا عند الضرورة، وغنيّ عن البيان أن هذا الحقّ مقررٌ بنصوص صريحة في كتاب الله تبارك وتعالى في (سورة النور) حيث تذكر الآيتان (٢٧ و ٢٨) من تلك السورة قول الحق تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)).
فقد تقرّرت حرمة المساكن بهذا النص الكريم؛ بحيث لا يجوز للشخص أن يدخل بيتًا غير بيته إلا بعد أن يستأذن، بل يستأنس، ويسلم على أهله، ولا يجوز دخول مسكن شخص في غيابه إلا بإذنه، وعند عدم الإذن في الدخول يجب الرجوع؛ وذلك أزكى وأطهر عند الله تعالى، وهو يعلم ما تخفيه الصدور من الحفاظ على حرمة المساجد، أو الرغبة في انتهاكها والاطلاع على عورات الناس.
.
سرية المراسلات:
بمعنى عدم جواز مصادرة أو اغتيال سرية المراسلات بين الأفراد؛ لما يتضمنه ذلك من الاعتداء على حق ملكية الخطابات المشتملة على هذه المراسلات؛ ولما في ذلك انتهاكٍ لحرية الفكر، وفي النظام الإسلامي لا يجوز الاعتداء على سرية المراسلات؛ لكونها مملوكةً لصاحبها، فيكون في الاعتداء عليها اعتداء على حق الغير، وهو لا يجوز شرعًا إلا بإذن صاحب الحق ورضاه، وأيضًا فالرسالة تعتبر بمثابة الوديعة حتى تصل إلى المرسلة إليه. ومن المعلوم أن الوديعة أمانة، وقد أمر الله تعالى بأدائها إلى أهلها؛ ومن ثم فلا يجوز المساس بها، أو التصرف فيها من قبل المودع لديه؛ لأنَّ ذلك ينطوي على تجسس، وتتبع للعورات، قد نهانا الشرع عنه وحذرنا منه.
وعلى كل حال فيجب أن نلاحظ دائمًا أن هذه الحريات لا يجوز بحال أن تمس المصالح العامة للمجتمع؛ ولذلك فمن الطبيعي أن الدولة تملك تقييد هذه الحريات الشخصية ببعض القيود لصالح الجماعة، وبخاصة عندما تطغى الأنانية الفردية، ويعم الفساد، وتفسد الذمم، وتضعف الضمائر، ففي هذه الحالة تملك السلطة الشرعية العادلة أن تتّخذ من الإجراءات والقيود ما يدفع الأخطار، ويوفر الأمن، ويحقق مصلحة المجتمع.
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
 |
وقال سبحانه: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ)) [الأنعام: ٥٠]. |
 |
وغير ذلك كثير في آيات الكتاب العزيز يحض على التفكير في خلق الله، وينعي على تعطيل العقل عن وظائفه، واتباع الآباء، والتقليد الأعمى، وقد مارس سلفنا -معشر المسلمين- الحرية الفكرية كأعظم ما تكون؛ ولذلك أُثِرَ عنهم نتاج تفكيرهم في تلك العلوم النافعة المفيدة، ولعل أبرز مثال على ذلك تلك المدارس الفقهية المختلفة، التي تقرّرت في الفقه الإسلامي وفقًا للقواعد والأصول المسلَّمة لدى أئمة المذاهب في الاستنباط، وسوف نذكر مشتملات هذه الحرية الفكرية على التقسيم المعمول به في الفقه الدستوري الحديث. |
حرية العقيدة
 |
ويقصد بها في الفقه الدستوري الوضعي حرية الشخص في أن يعتنق الدين، أو المبدأ الذي يريده، وحريته في ألا يعتنق الدين أو المبدأ الذي يريده، وحريته في أن يمارس شعائر ذلك الدين، سواء في الخفاء أو علانية، وحريته في ألا يعتقد بأيّ دين، وحريته في ألا يفرض عليه دين معين، أو أن يجبر على مباشرة المظاهر الخارجية، أو الاشتراك في الطقوس المختلفة للدين، وحريته في تغيير دينه. كل هذا في حدود النظام العام والآداب، هذا بالنسبة للقوانين الوضعية وتفسيرها لحرية العقيدة. |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
 |
ولكن الدعوة شيء والإكراه على الدخول في الدين شيء آخر، فالمقرر في الإسلام أن نتركهم وما يدينون، فلا تتعرض الدولة الإسلامية لغير المسلم في عقيدته وعبادته، ومن المقرر في النظام الإسلامي مشروعية القتال للدفاع عن حرية العقيدة؛ نظرًا لأنَّ المشركين كانوا يقفون للمسلمين بالمرصاد، فيمنعونهم من ممارسة شعائرهم، ويضطهدونهم بسبب ذلك، كما قال تعالى: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)) [الحج: ٣٩، ٤٠]. |
 |
وإذا رجعنا إلى تاريخ أهل الذمة الذين كانوا يعيشون في كنف الدولة الإسلامية؛ لوجدنا أنهم كانوا يعامَلون معاملةً كريمةً لا اضطهاد فيها ولا إكراه، وكثيرًا ما كان الخلفاء المسلمون يقرّبونهم إليهم في كثير من الأمور، ويحسنون معاملتهم، ويسندون إليهم مناصب مهمّةً في الدولة، حتى إن الخليفة هارون بن الرشيد وضع جميع المدارس تحت مراقبة (يوحنا بن ماسويه) وهذا دليل على أنهم كانوا يعامَلون معاملةً طيبةً؛ وبناء على ذلك فما يوجد أحيانًا من اضطهاد لغير المسلمين، أو معاملتهم بغير كرم، يعتبر تجاوزًا لأحكام الإسلام وخروجًا عليها، وهو يرجع في المقام الأول لأسباب سياسية لا دينية؛ لأنَّ أوربا المسيحية نفسها هي التي بدأت واستثارت حفيظة المسلمين منذ تلك الحروب المدمرة، التي نظمتها تحت راية الصليب، وانتهكت بها حرمة المسلمين ومقدساتهم. |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
 |
لذلك تقرر في النظام الإسلامي عقوبة الردة، وأنها القتل بعد الاستتابة؛ دفعًا لما يلحق الجماعة الإسلامية من الضرر بسببها، ولقد تأسست هذه العقوبة في النظام الإسلامي على أساس أن المرتدّ بخروجه عن الإسلام يخل بالتزام كان قد رتبه على نفسه، مختارًا مريدًا، ويسيء إلى الدولة في عقيدتها ونظامها؛ ولذلك يستوجب القتل جزاء الإخلال بهذا الالتزام، كما هو مقرّر في الشرائع السماوية والوضعية على حد سواء، وإذا كان أعداء الإسلام يتهمون المسلمين بالتعصب الديني، فإنَّ التاريخ المدون والثابت يؤكد لنا بشكل قاطع أنَّ غير المسلمين كانوا يعامَلون في الدولة الإسلامية أكرم معاملة، ويعترف لهم بحقوقهم، فتصان حرياتهم الدينية والفكرية، في الوقت الذي كانت فيه أوربا المسيحية في الأندلس تذيق المسلمين ألوان العذاب، وتضطهدهم بأبشع أنواع الاضطهاد، وتحملهم على ترك دينهم والدخول في النصرانية، وتعذّب بأقصى ألوان التعذيب مَن يتأبّى عليها فيبقى على إسلامه؛ حتى استحالت بلاد -أي تحولت- بلاد الأندلس في فترة وجيزة تحت سياط التعذيب والبطش المسيحي، تحولت بلادًا مسيحيةً لم يبقَ فيها من المسلمين أحد ولم يحدث إطلاقًا أن أكره المسلمون أحدًا على ترك دينه، أو اضطهدوه بسبب عقيدته، وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)). |
|
 |
قال ابن كثير في تفسيره: أي لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام؛ فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه، لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونوّر بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره؛ فإنه لا يفيده الدخول في الدين مُكرهًا مقصورًا. |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
 |
وقال بعض المفسرين: أي لم يجد الله تعالى أمر الإيمان على الإجبار والقصر، ولكن على التمكين والاختيار ونحوه، يقول تعالى: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)) أي لو شاء لقصرهم على الإيمان، ولكن لم يفعل وبني الأمر على الاختيار. |
حرية الرأي والتفكير
 |
من المقرر في النظام الإسلامي أن أعظم ما يتميّز به الإنسان عن سائر المخلوقات هو العقل؛ ولذلك نجد القرآن الكريم يشجّع الناس على إعمال العقل باستمرار؛ ليقودهم إلى الحق والصواب، ففي آيات القرآن كثيرًا ما ترد عبارات: ((يَعْقِلُونَ)) [العنكبوت: ٣٥] ((يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم: ٢١] ((يَعْلَمُونَ)) [البقرة: ٢٣٠] ((يَتَدَبَّرُونَ)) [النساء: ٨٢] ((يَفْقَهُونَ)) [الأنعام: ٦٥] ((لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَاب)) [الزمر: ٢١]. |
 |
والقرآن الكريم بذلك إنما يريد أن يقيم حياة الإنسان دائمًا على أساس من العلم والمعرفة، القائمة على النظر والاستنباط، والتفكير في مخلوقات الله في السماوات والأرض؛ ولذا فحرية التفكير للإنسان مكفولة في الإسلام منذ نشأته، ما دام يعتصم بسياج الدين والشرع دائمًا، وصحيح أن هذا الحق كان مكفولًا دائمًا للإنسان في القرنين الأول والثاني من الهجرة، وهو إن كان قد تعرض بعد ذلك لبعض أنواع الاضطهاد، وخصوصًا في عصر العباسيين؛ حيث اضطهد الإمام أحمد بن حنبل بسبب مخالفته المأمون في مسألة خلق القرآن، ... |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
... واضطهد الإمام مالك في عهد أبي جعفر المنصور؛ بسبب فتواه بعدم صحة بيع المكره، واضطهد الإمام أبو حنيفة؛ لعدم توليه القضاء، واضطهد ابن رشد وابن حزم ... وغيرهما، ولكن على كل حال لم يكن هذا الاضطهاد الفكري معبّرًا عن رأي الإسلام، فهو واقع مغلوط، أملته بعض الأهواء، ولا يصح أن يكون حجةً على الإسلام. |
 |
ومن الأمور التي مُنِيَتْ بها حرية التفكير في النظام الإسلامي، وبخاصة في المجال الفقهي: إغلاق باب الاجتهاد، ومنع العلماء من ممارسته، وكان هذا كالمقدّمة لفترة الجمود التي عانى منها الفكر الإسلامي بعد القرن السادس الهجري؛ حيث اقتَصر عمل العلماء والفقهاء على مجرد ترديد أقوال السابقين، أو تخريجها، ووضع الحواشي عليها، دون أن يكلف الفقهاء أنفسهم معونة البحث والنظر لاستنباط أحكام الوقائع المستحدثة؛ ولذا فمن اللّائق أن تمارس الحرية الفكرية، ولا سيما في المجال الفقهي، لكل من يقدر على ذلك؛ ليستطيع الفكر الإسلامي أن يواكب الأحداث المتطورة، لكن يجب دائمًا ألا يتصدّى للاجتهاد إلا من توافرت فيه الشروط الشرعية المعروفة في الوصول؛ لئلا ينفتح المجال أمام الجهلة للعبث بأحكام الشريعة. |
 |
ولكن حرية الرأي في النظام الإسلامي يجب أن تكون مقيدةً بما يلي: |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
 |
أن يكون القصد من ذلك النصيحة لله، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، كما صحت بذلك السنة؛ ففي الحديث الشريف: {{الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم}}.
أما أن يكون إبداء الرأي لمجرد التشهير بالحكام، والإساءة إليهم، والانتقام منهم، وحمل الناس على التجرؤ عليهم... ونحو ذلك من الأغراض غير الصحيحة، التي لا يراد بها وجه الله تعالى، ولا الخير للمنصوح، ولا تحقيق المصلحة العامة، فذلك شيء ليس من الدين، بل هو وقوع في أعراض الناس قد حرّمه الدين وحذر منه.
|
|
 |
أيضًا يجب باستمرار أن نلتمس العذر للمخالف فيما هو مجال للاختلاف؛ لأنَّ رأينا ليس أولى من رأيه، ما دامت المسألة اجتهادية؛ وبناء عليه فليس من الإسلام أيضًا حمل الناس وقصرهم على اتباع بعض الآراء والمعتقدات الشخصية، فلا إلزام إلا بحكم الشرع، ولا يستطيع أي فرد كائنًا من كان أن يلزم برأيه إذا كان على خلاف حكم الشرع. فلينتبه لهذا؛ فإنه من المزالق التي يقع فيها بعض الناس أحيانًا بحسن النية. |
|
 |
أيضًا يجب أن يكون المرء وهو يبدي رأيه دائما متخلقًا بأخلاق الإسلام وآدابه، فلا يخوض في أعراض الناس، ولا يسبهم، أو يلصق النقائص بهم، بحجة حريته في إبداء رأيه، فالإنسان حرّ دائمًا ما لم تتحول حريته إلى فساد وإضرار؛ لتكون الحرية بنّاءة؛ ليترتب عليها أثرها، ولا تنقلب الأمور إلى فوق. |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
 |
حرية الاجتماعات: حق الأفراد في أن يتجمعوا في مكان ما فترة من الوقت؛ ليعبروا عن آرائهم سواء في صورة خطب، أو ندوات، أو محاضرات، أو مناقشات جدلية... إلى آخره. |
 |
حريّة تكوين الجمعيات: فيقصد بها تشكيل جماعاتٍ منظمةٍ لها وجود مستمر، تستهدف غاياتٍ محددةً، ويكون لها نشاط مرسوم مقدمًا، وتتضمن هذه الحرية أن يكون للشخص حرية الانضمام إلى ما يشاء من الجمعيات، ما دامت أغراضُها سليمةً، وعدم جواز إكراهه على الانضمام إلى جمعية بعينها، ولا مانع في النظام الإسلامي بطبيعة الحال من تقرير هذه الحريات للأفراد، ما دام هدفها لا يتعارض مع النظام العام؛ لكونه يصطدم بنصٍّ شرعيٍّ، أو قاعدة كلية في الشريعة، فإن كان التجمع لغرضٍ دينيٍّ، كأداء الجمعة، أو العيد، أو الصلاة في جماعة ... ونحو ذلك؛ فإنه يأخذ الغرض الذي يحصل من أجله، وإن كان التجمع لغرض غير معتبر شرعًا، كلعب القمار، أو التواطؤ على الشر ... ونحو ذلك، فإنه يكون حرامًا؛ لكونه يتعارض مع النظام العام الإسلامي -كما ذكرنا. |
الحريات الاقتصادية
وهذا في النظام الدستوري يقصد بها: حرية العمل والكسب، وحرية التملك، وإنما تقرّرت هذه الحريات للإنسان؛ لينطلق بكل جهده وطاقته للعمل البنّاء المثمر، الذي يعود نفعه عليه وعلى مجتمعه الذي يعيش فيه:
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
 |
ويجوز للدولة بطبيعة الحال أن تفرض من القيود على حرية الأفراد في اختيار أعمالهم ما تضمن به الحفاظ على المصلحة العامة في المجتمع، فتنظم الزراعة بغرض زراعة بعض المحاصيل التي تحقق الربح، فينتعش اقتصاد الدولة، أو تحتاج إليها الأمة في غذائها... ونحو ذلك، ولها أن تمنع زراعة المحصولات المضرة بالمصلحة العامة، كزراعة الحشيش، والقات... ونحو ذلك، ولها أن تنظم الصناعة على هذا النحو، وكذلك التجارة، وليس هذا فقط، بل على الدولة للأفراد أن توفر لهم فرص العمل المناسبة، وتسهل لهم أسباب العيش الكريم، وتقضي على البطالة، وتقي المجتمع من شرورهم. |
 |
حرية التملك: |
|
 |
بينما نجد المذهب الفردي يطلق العنان للملكية الفردية، ويسمح للمالك بأن يتصرف في ملكه كيفما يشاء بغير قيد أو حد، ولو أدى ذلك إلى الإضرار بالآخرين، اعتمادًا على السلطة المطلقة التي يخولها حق الملكية لصاحبه، فإننا نجد في الطرف الآخر المقابل ذلك المذهب الجماعي الذي يلغي الملكية الفرية إلغاءً مطلقًا، ويعتبر القائم عليها مجرد موظف لدى الدولة يتصرف فيها تصرف الوكيل عن موكله. |
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
|
 |
وكذلك يظهر معنى الملكية الجماعية في نظام الوقف، الذي هو قربة خاصة بالمسلمين، حيث تحتبس العين على ملك الله تعالى -أي لجماعة المسلمين- ويقتصر حق الموقوف عليهم على اجتناء الغلة أو الثمر فقط، دون التصرف في العين الموقوفة. |
|
 |
ويظهر معنى الملكية الجماعية أيضًا فيما حماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الأرض لخيل المسلمين الذين يحملون عليها حين يغزون في سبيل الله تعالى، وهذا هو شأن الفيء والغنائم قبل قسمتها في الناس. |
|
 |
وأما تقييد الشريعة في حق الملكية الفردية، بما يضمن لها أداء وظيفتها الاجتماعية، في نفع صاحبها وعدم الإضرار بالآخرين، فقد تكلفت الشريعة الإسلامية بهذه القيود، فإذا كانت الشريعة تقر حق الملكية إلا أن هذا الحق ليس مطلقًا، وإنما هو مقيد بقيود، هذه القيود تهدف ألا يخرج صاحب الملكية عن الحدود الشرعية، وأن يكون تصرفه وفق الحدود الشرعية. |
ثانيا: الحقوق والحريات الاجتماعية في النظام الإسلامي
بعد أن قامت الثورة الصناعية في أوربا في نهاية القرن الثامن عشر، وظهرت الرأسماليات الضخمة، وقامت المشروعات الكبرى، وبرز التفاوت بين طبقة الملاك وطبقة الأجراء، كان من اللازم أن تتدخل الدولة الحديثة؛ ...
٢.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي (مسئولية الحكام) و الحقوق والحريات
... لتحمي العمال والضعفاء اقتصاديًّا تجاه الملاك وأرباب العمل، بما يضمن تحقيق مستوى معيشي كريم لهؤلاء العمال، وخصوصًا في فترات مرضهم، وعجزهم، وبطالتهم، وتطلق الدساتير الحديثة على هذه المجموعة من الحقوق اسم (الحقوق الاجتماعية) وقد حظيت هذه المجموعة من الحقوق بعناية الشارع الإسلامي منذ نشأة الإسلام، وقبل أن تعرفها الدساتير الحديثة بمئات السنين؛ وذلك لأنَّ التشريع الإسلامي تشريعٌ متكاملٌ، يواكب الأحداث والمستجدات، فهو يشرع منذ ما يقرب من قرن ونصف من الزمان ما تهتدي إليه البشرية اليوم، وتتأسس قائمة الحقوق الاجتماعية في النظام الإسلامي على اعتبار أن المؤمنين جميعًا كالجسد الواحد، فيجب لذلك أن يكون مجتمعهم متآخيًا، متعاطفًا، متحابًّا، متراحمًا، تسوده العدالة الاجتماعية والاقتصادية، ويتعامل بالأخلاق والمثل، ويسوده الرباط الإيماني بين أفراده، ويكون مسئولًا أفرادًا ودولةً عن كل فرد فيه: يمرض، أو يجوع، أو يعرى، أو يعجز عن العمل، أو يقع عليه أي شيء من ظلم اقتصادي أو اجتماعي، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، ما دام آدميًّا يقيم في دولة المسلمين.
بعض النماذج التي تحقق مجالات العدالة الاجتماعية في لنظام الإسلامي
وسوف نذكر فيما يلي بعض النماذج التي تحقق مجالات العدالة الاجتماعية في لنظام الإسلامي: