١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


العدالة هي نظام كل شيء، فإذا أقيم أمر الدنيا بالعدل قامت، وإن لم يكن لصاحبها في الآخر من خلاق، ومتى لم تقم بالعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة؛ ولذلك كان تنبيه الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى: ((وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: ٥٨] ورد هذا النص في مجال وجوب طاعة الله تعالى، وطاعة الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وأولي الأمر من ولاة وحكام المسلمين، فهو نص في الموضوع يتعين الالتزام به، وتمثله في كل أوجه الحكم والسياسة الإسلامية، بحيث لا يجوز التخلي عنه أو الإخلال به.
لذلك كان الحث عليه في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)) [النحل: ٩٠] وقوله تعالى: ((وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) [المائدة: ٨] فإن مقتضاها أن الحاكم مأمور أن يحكم بين الناس جميعًا بالعدل سواء في ذلك القوي والضعيف والغني والفقير والمسلم، وغير المسلم والصديق والعدو، ونظرًا لما له من أهمية في استقامة حياة الأمم والمجتمعات، وأنظمة الحكم والسياسة أيًّا كان نوعها، قيل: إن الله يقيم للدولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام.

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


إذا فقهت ذلك أيقنت أن كثيرًا من المساوئ التي تحل بالدول ناتج عن آفة الظلم بما يؤدي إليه من ضياع الحقوق، وفقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم، ومن تفشي مظاهر السلبية والأمراض الاجتماعية المقترنة بالسلطة الفاسدة، مثل الرشوة وخيانة الأمانة، والاتجار بمصالح الرعية وسيطرة الإحباط واليأس على النفوس، وقد يمهد هذا إلى أن يصبح المجتمع على حافة الانهيار، ويكون المجال مهيأ لحدوث الفتن واندلاع الاقتتال بين أبناء الدين والوطن الواحد.
لعل من أبرز مظاهر العدالة هو تطبيق العدل في علاقة الحاكم بالمحكوم، فهو من أقوى الدلائل على الالتزام بالعدالة، وإذا كانت الدولة تطبق ذلك، وتقره في سياستها، فلا شك أن من اليسير أن تستنتج أن هذه الدولة دولة عادلة في جوانب سياستها كلها؛ لأنَّ الالتزام بجريان العدالة بين الإمام، وأحد أفراد الشعب دليل ناطق على جريانه في المستويات الدنيا على مستوى الدولة.
وقد كانت العدالة تحتل جانبًا مهمًّا من جوانب المنهج الإسلامي على المستويات العليا والدنيا، وليس أدل على ذلك من تطبيق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك على نفسه، إذ يروى عنه، (أنه خرج في أثناء مرضه الذي توفي فيه، بين الفضل بن عباس وعلي بن أبي طالب حتى جلس على المنبر، ثم قال: {{أيها الناس، من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء من قبلي؛ فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إلي مَن أخذ مني حقًّا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس}}، ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر، فعاد لمقالته الأولى).

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


إن تحليل هذا القول من النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيان ما فيه من جوانب العدالة، يريك أن العدالة شاملة، وليست خاصة بجانب معين في علاقة الحاكم بأحد أفراد شعبه، فقد شملت العدالة النواحي الآتية:
العقوبات البدنية، وهذا ظاهر في قوله صلى الله عليه وسلم: {{من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه}}.
العقوبات المتعلقة بالشرف والعرض، وهذا يستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: {{ومن كنت شتمت له عرضًا، فهذا عرضي فليستقد منه}}.
العقوبات المالية، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: {{ومن أخذت له مالًا، فهذا مالي فليأخذ منه}}.
ثم إنك تدرك من قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- قمة الامتثال في أداء واجب العدالة، يتجلى ذلك في قوله: {{ألا وإن أحبكم إلي من أخذ مني حقًّا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس}}، وهذا يجعل المرء يستيقن من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يؤكد واجب المسلمين في اقتضاء حقوقهم أو العفو عنها إن كانت نفوسهم تسمح بذلك.

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


ونظرًا لهذه القيم العالية التي يغرسها العدل في الراعي والرعية، فإنَّ خلفاء المسلمين كانوا أحرص الناس على تطبيق العدل بين من ولوا أمرهم، وكانوا يتحرون ذلك مخالفين لداعي الهوى، واتباع ما توسوس به النفس البشرية للإنسان من ظلم من يبغضه، ومن الإفراط في التودد إلى من يحب، وكلاهما مجانب للعدل، والتمس ذلك في سيرتهم تجده واضحًا جليًّا لا خفاء فيه، وأن رصيدهم في تحري العدل، والتمسك به فاق أرصدة الدول الأخرى مجتمعة.
يروى في ذلك أن عمر بن الخطاب قال لأبي مريم السلولي، وكان هو الذي قتل أخاه زيد بن الخطاب: والله إني لا أحبك فقال له هذا الرجل: أفيمنعني ذلك حقًّا؟ فقال: لا، فقال له الرجل: فلا ضير، إنما يأسى على الحب النساء.
ففي هذه القصة نجد أن الحاكم رغم أنه موتور، ومتضايق بسبب قتل أخيه، ورغم حفيظة صدره عليه، فإن الرجل لم يعبأ بكل ذلك، فقد اطمأن إلى العدل كإحدى خصال المنهج الإسلامي، ولا يفتأ الحاكم إلا أن يقف أمامه موقف المتعبد في محرابه، الممتثل لأوامره، ولا يلبث الآخر إلا أن يجيب على الخليفة الذي بيده السلطة عندما صارحه بأنه يبغضه يرد عليه بلهجة الواثق إلى أن قضاء العدل أضمن له من قوة وسلطة الخليفة.
تعتبر العدالة مقصدًا عامًّا لكافة التشريعات التي يضعها الإنسان لحكم العلاقات الاجتماعية، وحكمة رئيسة تدور حولها مختلف القوانين؛ لذا يقال: بأن أي قانون لا بد، وأن يعتمد على شيء من العدالة.

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


ونجد أنَّ أجهزة تطبيق القانون تسمى بأجهزة العدالة، فيقال عن المحاكم أنَّها دور العدالة، ويقال وزير العدل، ولا يقال وزير القانون، وإذا كانت المحاكم تطبق القانون إلا أن هدفها هو تحقيق العدالة، ومن هنا فإنَّ القانون ليس في النهاية إلا وسيلة لتحقيق العدالة، وإذا حدث أنَّ التطبيق القانوني قد تجافى مع العدالة لسبب أو لآخر، فيجب أن يقوم القاضي بالتدخل لتخفيف وطأة الحكم القانوني أو لتكملة النقص فيه أو لطرحه في بعض الأحيان، ووضع الحل الذي يتفق مع العدالة.
ويختلف الأمر في الشريعة الإسلامية عنه في التشريعات الوضعية، فيما يتصل بوضع العدالة كهدف لا تؤثر فيه السياسة، ولا تؤثر فيه المنافع ولا تؤثر فيه الأهواء الشخصية للحكام؛ لأنَّ الله -سبحانه وتعالى- ألزم نفسه بالعدالة مع خلقه، وألزمهم بها في تعاملهم بعضهم مع بعض؛ لذا يتجلى الإعجاز القرآني في الآيات الكريمة التي تحدثت عن العدالة، فجعلتها قيمة مقدسة يجب دائمًا الوصول إليها أيًّا كان الضرر الذي يظن تحققه منها.

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


ويقول الشيخ أبو زهرة في هذا المعنى: إن سمة الإسلام العدالة، وكل تنسيق اجتماعي لا يقوم على العدالة هو منهار، مهما تكن قوة التنظيم فيه؛ لأن العدالة هي الدعامة، وهي النظام، وهي التنسيق السليم لكل بناء، فالله سبحانه وتعالى سيعامل الناس يوم القيامة بعدالة كاملة، ولن يترك شيئًا لا يحاسب عليه، فيجازي المحسن، ويعاقب المسيء بالقسط؛ لقوله سبحانه وتعالى: ((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)) [الأنبياء: ٤٧] ويقول سبحانه: ((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه)) [الزلزلة: ٧، ٨] وأوصى الله سبحانه وتعالى رسله وعباده بأن يقيموا العدالة في الأرض فيقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)) [المائدة: ٨] ويقول سبحانه وتعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [النحل: ٩٠] كما يقول سبحانه وتعالى: ((وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) [الأنعام: ١١٢].

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


وهكذا تظهر الآيات السابقة العدل كقيمة أخلاقية سامية، يجب اتباعها في الحياة وفي المعاملات وفي استنباط الأحكام بشكل عام، وينبهنا الحق تبارك وتعالى إلى ضرورة الحكم بالعدل في الخصومات، والأقضية في العديد من الآيات الأخرى مثال ذلك قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)) [النساء: ٥٨] ويقول أيضًا: ((وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [المائدة: ٤٢].
وفي مجال العلاقة بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى يقول سبحانه وتعالى: ((لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)) [الممتحنة: ٤٢].

صور العدالة في القرآن
والواقع أن حصر ما ورد في القرآن الكريم بشأن العدالة، وضرورة الوصول إليها في أي نظام تشريعي، إنما هو من الأمور الصعبة، إذ لا أكون مبالغًا إن قلت: إن كافة الآيات الكريمة التي رسمت أسلوب الحياة للناس، ووضعت مناهج للسعي في الأرض ترتبط بالعدالة، وتجعلها مقصدًا رئيسًا لها؛ لذلك نكتفي بذكر أمثلة من هذه الآيات، وردت بالنسبة لبعض صور المعاملات.

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


فنتحدث عن العدالة الاجتماعية، فنقول: يعتبر تقسيم العدالة إلى عدالة التوزيع، وإلى عدالة التعويض أو التبادل، هذا التقسيم هو أهم التقسيمات المقررة للعدالة.
تنجلي الصورة الأولى في توزيع الجاه والمال، وكل ما يمكن قسمته بين هؤلاء الذين يعترف بهم الدستور، فيجب أن يقوم نوع من التوزيع النسبي للمزايا الاجتماعية، وللأعباء كذلك على كافة المواطنين بحسب قدرتهم، وإمكاناتهم، ودرجة مساهمتهم في تحمل أعباء المجتمع.
ونجد القرآن الكريم يعبر عن هذه الصورة من صور العدالة في العديد من الآيات الكريمة من ذلك قوله تعالى: ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)) [الحشر: ٧] وعلى أساس هذه الآية قام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- بمنع توزيع الأراضي المفتوحة على الفاتحين.
وتفصيل ذلك أنه عندما توسعت الدولة الإسلامية، وانضم إليها العديد من الأقاليم الجديدة بالفتح اختلف عمر -رضي الله عنه- مع الصحابة في طريقة التصرف في الأرض أي: الأرض التي غنمها المسلمون، وبينما مال الغالبية إلى قسمتها بين الفاتحين وفقًا لآية الغنائم: ((وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)) [الأنفال: ٤١]. فآية الغنائم إنما تعني: أن يكون الخمس لله وللرسول، والأربعة أخماس للغانمين.

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


ولكن مال الغالبية إلى قسمة هذه الأراضي بين الفاتحين وفقًا لآية الغنائم التي ذكرناها لكنه اعتمد هو أي: عمر بن الخطاب، وهو الذي كان يرى ألا توزع الأرض على الفاتحين أو المقاتلين، وإنما تبقى في يد أصحابها ويدفعوا عنها الخراج؛ ليكون موردًا ماليًّا للدولة الإسلامية تستطيع أن تنفق منه على المصروفات العامة في الدولة الإسلامية.
اعتمد هو على الآيات الكريمة التي ذكرناها، ورفض التقسيم ووضع قاعدة مؤداها ترك الأرض لأهلها، وفرض خراج عليها حتى يمكن الاستفادة منه في الصرف على المرافق العامة للمسلمين كافة، فقد فهم -رضي الله عنه- هذا النص على أنه يعني: ترجيح مصلحة الأمة الإسلامية التي تقتضي بعدم استئثار فئة من الناس بتملك الأراضي؛ لأنَّ ذلك مخالف للعدالة، وللنص القرآني: ((كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)) وللنص القرآني الذي أكمل الآية التي ذكرها عندما عدد فئات من يستحقون، وذكر في آخرهم: ((وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)) وأخذ عمر بن الخطاب يدافع عن وجهة نظره بقوله: (أرأيتم هذه الثغور لا بد من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام كالشام ومصر والكوفة لا بد لها أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إن قسمت هذه الأراضي؟ يعني إن قسمت بين الغانمين، وهكذا أعمل عمر بن الخطاب قاعدة العدالة التوزيعية، أو ما يطلق عليها حديثًا العدالة الاجتماعية، فقد رأى ضرورة حصول جماعة المسلمين على موارد تنفق على المحتاج منهم، وعلى رعاية المصالح العامة، وإدارة المرافق في الدولة الإسلامية، ورجح هذه المصلحة على مصلحة قلة من الغزاة والفاتحين وأبنائهم، فقد كان ريع هذه الأرض كلها سيذهب إليهم دون بقية المسلمين، ومن ذلك يمكن القول: إننا أمام نص محكم، يحدد ضرورة استفادة كل الناس بالأموال العامة، لا الذين يوجدون منهم وقت تكوينها فحسب بل الذين يأتون من بعدهم.

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


وبالنسبة للصورة الأخرى من صور العدالة أي: العدالة التعويضية أو التبادلية، فهي تلعب دورًا تصحيحيًّا في العلاقات التي تتم بين الأفراد وتتطلب ألا يأخذ أحد في العقود والمعاوضات أكثر مما يستحق، وعليها تم بلورة ضرورة قيام توازن مالي واقتصادي في العقود، والصفقات ونرى هذا المقصد واضحًا أيضًا بشكل معجز في القرآن الكريم والسنة الشريفة.
فالقرآن الكريم يمنع أيَّ استغلالٍ في التعامل، ويوجب أن تقوم العقود على أسس متوازنة، ولا شك أن حرص القرآن الكريم على سلامة التعامل والتوازن بين أطرافه لا يواتيه أي حرص لأي مشروع آخر في أي قانون، ولن ننظر طويلًا في التشريعات الإسلامية في هذا الشأن، وإنما سأكتفي بما ورد بشأن الربا في القرآن يقول سبحانه وتعالى: ((الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [البقرة: ٢٧٥].
ويشدد الله سبحانه وتعالى النكير على من يأكلون الربا، فيقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)) [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩].

١.٩ من قواعد النظام السياسي الإسلامي، العدالة


ويصل القرآن الكريم بالناس إلى قمة المسئولية في هذا المجال، فلا يجعل المال ينتج مالًا في حالة التأخر في السداد لعذر فيقول: ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) [البقرة: ٢٧٠، ٢٧١].
وهذا معناه أن العدالة التي ينشدها الإسلام هي عدالة في كل المجالات، عدالة من ناحية الحكم، عدالة من ناحية الاقتصاد في كل المجالات، فحرص الإسلام على أن تكون هناك عدالة بين المتعاملين، على ذلك فالذين يتعاملون بالربا ليس هناك عدالة، فالمرابي يأكل أموال الناس بالباطل، وليس هناك عدالة فيما يأخذه، وفيما يعطيه؛ ولذلك وجدنا موقف الإسلام حازمًا من أجل توجد تلك العدالة في كل صورها سواء في الاقتصاد، أو في الحكم.