١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


أولًا: الحاكمية لله
من المسلمات في النظام الإسلامي أن الكون كله -بمن عليه وما عليه- ملك لله تعالى، كما قال سبحانه: ((وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) [المائدة: ١٧] فسبحانه وتعالى: ((وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ)) [الإسراء: ١١١].
وإذا كان الله سبحانه وتعالى هو المالك ولا شريك له، فهو وحده المستحق للعبادة بما شرع لنا من الدين؛ لأنه من التناقض: ألا يتصرف المالك في ملكه، فالتشريع الذي هو تصرف في الخلق ابتلاءً واختبارًا هو من لوازم الألوهية والمالكية، فالله وحده في ملكه هو الذي يحلل ويحرم، وقد قررت هذه الحقيقة دعوة التوحيد التي وردت على ألسنة الرسل -عليهم السلام- منذ آدم -عليه السلام- وحتى محمد -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)) [الأنبياء: ٢٥].
وكما هو معلوم: فإن ركن العقيدة في الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله، وهي تعني: أنه لا خالق لهذا الكون إلا الله سبحانه وتعالى.
وتفريعًا على ذلك: فلا يكون في الكون من تجب عبادته والخضوع إليه بحق إلا الله سبحانه وتعالى، والتسليم بمالكية الله للكون دون أن ينفرد بسلطة الحكم فيه ينطوي كما ذكرنا على نوع من التناقض.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


ولقد حاول الأستاذ المرحوم سيد قطب أن يصور ذلك فقال: فمن جهة الواقع نجد أن المشركين ما كانوا يشركون بالله الأصنام والأوثان وحدها، ولكن كانوا يشركون معه الجن والملائكة والناس، وهم ما كانوا يشركون الناس إلا في أن يجعلوا لهم حق التشريع للمجتمع والأفراد، حيث يسنون لهم السنن، ويضعون لهم التقاليد، ويحكمون بينهم في منازعاتهم وفق العرف والرأي، والإسلام يعتبر هذا شركًا، ويعتبر أن تحكيم الناس في أمور الناس تأليه لهم، وجعلهم أندادًا من دون الله، والله تعالى ينهى عن ذلك نهيه عن السجود للأصنام والأوثان، فكلاهما في عرف الإسلام سواء، شرك بالله ودعوة أنداد من دون الله.
ولقد نعى القرآن الكريم على الأمم السابقة أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله فقال عز وجل: ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)) [التوبة: ٣١].
وقد ذكر المفسرون أن معناه: اتخذوهم أربابًا فأطاعوهم في أمرهم لهم بالمعاصي وتحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله، كما تطاع الأرباب في أوامرهم.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


وفي العصور الحديثة نجد أن القوانين الوضعية تحتل لدى أنصارها والمدافعين عنها منزلة شبيهة بتلك التي كانت للأصنام والآلهة التي عبدت من دون الله تعالى، فهي عندهم بمنزلة النصوص الدينية، بل ربما كانت في مرتبة أعلى منها أحيانًا، وهذا ينطوي على إقرار بالحق في التشريع لغير الله تعالى، يجب ألا يكون في مجتمعاتنا الإسلامية أو الشرقية إلا بمقدار ما تمليه ضرورات الحياة فيما لم يتعرض له الشارع باعتبار أو بإلغاء، أما ما اعتبره الشارع فهو الحق الذي يجب اتباعه، ولا نستبدل به غيره، وكذلك ما ألغاه يجب أن نجتنبه، ولو فعله أهل الأرض جميعًا.
وإذا كان الناس يدافعون عن باطلهم ويعجبون به أفلا يجب علينا أن نستمسك بالحق الذي هو تشريع الله تعالى وندافع عنه؟!
وفي القرآن الكريم تنصيص صريح على تفرد الله تعالى بالحاكمية في المجتمع الإسلامي، بل في الكون كله ففي سورة المائدة اختتمت الآيات الكريمة (٤٤) إلى الآية (٤٧) بقول الله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ)) ثم: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ)) ثم: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ)).
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قول الله تعالى: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ)) و((الظَّالِمُونَ)) و((الْفَاسِقُونَ)) أن من جحد الحكم بما أنزل الله تعالى فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق، وليس بالكفر الذي ينقل عن الملة، ولكنه دونه، فهو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


يظهر لنا: أن النظام الإسلامي يقوم على الإقرار بحق الحاكمية لله تعالى لا يشاركه فيها أحد، وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى استقرار المجتمعات وخضوعها راضية لحكم الله تعالى فيما ينص عليه، ومستلهمة قواعد الوحي ومقاصده فيما لم ينص عليه.
أما حين تتجزأ هذه القاعدة، وتتوزع سلطة التشريع في المجتمع، فحينئذ يكون السلطان لله تعالى في الضمائر، والشعائر بينما تكون السلطة لغيره في القوانين والشرائع، وحين تكون السلطة لله في جزاء الآخرة بينما السلطة لغيره في عقوبات الدنيا -حينئذٍ- تتمزق النفوس والمجتمعات بين سلطتين مختلفتين، وبين منهجين مختلفين، وحينئذ تفسد الحياة البشرية ذلك الفساد الذي يشير إليه قول الحق تبارك وتعالى: ((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا)) [الأنبياء: ٢٢] وقوله سبحانه: ((وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ)) [المؤمنون: ٧١] وقوله عز وجل: ((ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [الجاثية: ١٨].
ولو أن المسلمين في مجتمعاتهم يؤسسون دولهم على قاعدة الحاكمية لله تعالى إذن: لترتب على ذلك احترام قواعد الشريعة أو القانون في الدول التي ترتكز على هذا المبدأ، سواء من قبل الحاكم أو المحكومين، لأنَّ الكل سواء أمام حكم الله تعالى، يمتثل ويطلب الثواب ويخشى العقاب، ويراقب ضميره دائمًا؛ لأنَّ الله ناظر إليه، ومطلع عليه، وهو سبحانه وتعالى يعلم المفسد من المصلح.
وهذا -بطبيعة الحال- يبرز سلطان القانون وهيبته في الدولة؛ لأنَّ قيمة أية شريعة إنما تقاس بمقدار ما لها في نفوس الأفراد من طاعة واحترام، وهذا أمر لم تصل إلى مستوى الشريعة الإسلامية فيه أي شريعة وضعية.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


وأيضًا فإن انفراد الله -سبحانه وتعالى- بحق الحاكمية في المجتمعات الإسلامية يؤدي إلى ثبات الأنظمة واستقرارها كما أشرنا إلى ذلك سابقًا؛ لأنَّ الأشكال المختلفة للحكومات كالجمهوريات أو الملكية ستكون مرتبطة دائمًا بالدين الذي لا يتغير ولا يتبدل، والذي يؤمن به كل حاكم، ويستخدم له كل نظام.
فحين تعرف الأمة أنَّ تغيير شكل الحكومة لن يؤثر على قوانينها ونظمها؛ لأنَّ هذه القوانين، وتلك النظم هي فوق الحكومات، وفوق الأفراد، وعلى الجميع أن يحترموها، حين تعرف الأمة ذلك فإنها تنطلق في معترك الحياة واثقة الخطى، ثابتة العزيمة مطمئنة لمستقبلها، أما الأمة التي تقوم أمورها على غير ذلك فإنها تعيش القلق والاضطراب والحيرة والحذر والترقب من تغير الحكومات التي تختلف نظرتها إلى العدل والحق باختلاف انتماءاتها وأهوائها.

ثانيًا: الشورى
وتعتبر الشورى من القواعد الأساسية التي ينبني عليها النظام السياسي الإسلامي، وهي أصل من أصول الشريعة، ومن عزائم الأحكام فيها، وهي بهذا المعنى لا تقتصر على كونها من القواعد الأساسية للنظام السياسي الإسلامي فحسب، وإنما تمثل الإطار العام والنطاق الذي يجب أن تعمل في حدوده كافة السلطات الحاكمة في الدولة الإسلامية، سواء كانت هذه السلطات تشريعية أو تنفيذية أو قضائية.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


وهي بذلك تحول دون الاستبداد بالرأي، أو الانفراد به، الأمر الذي يؤدي إلى الوصول إلى الرأي الصواب، وتحقيق وحدة الأمة وتأليف القلوب بين أفرادها.
والشورى باعتبارها ركيزة من الركائز الأساسية للنظام الدستوري الإسلامي تعطي للأمة الحق في إدارة شئونها العامة، وتمثل ضمانًا من الضمانات الأساسية التي تحول دون مخالفة القانون، أو الانحراف في استعمال السلطة؛ لأنَّ القرار الذي ستقدم عليه السلطات الحاكمة لن يخرج إلى حيز التنفيذ إلا بعد بحث واستقصاء وتحري المصلحة العامة ومشاورة المختصين في هذا الأمر.
وهي بهذا المعنى تعتبر من الحقوق الأساسية التي كفلها المشرع الإسلامي للمسلمين جميعًا، بحيث تمثل حجر الأساس بين الحريات السياسية التي يتمتع بها المسلمون في الدولة الإسلامية، فوق أن الشورى تكفل للأمة دورًا أساسيًّا وفعالًا في إدارة شئونها العامة حسبما يقضي به الشرع الإسلامي.


١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


النقطة الأولى: أساس مشروعية واجب الشورى

أساس وجوب قاعدة الشورى مستمد من مصادر المشروعية الإسلامية، فقد حث عليها القرآن الكريم، كما أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حث عليها، وجعلها شرعة ومنهاجًا له في كثير من الأمور، إلى جانب أن الصحابة -رضوان الله عليهم- والخلفاء الراشدين عملوا بها واتبعوها في كثير من الأمور.

وسوف نتناول كل دليل من أدلة المشروعية الإسلامية التي حثت على الشورى، وأوجبتها على الأمة الإسلامية فيما يلي:
القرآن الكريم: يقول الله عز وجل: ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)) [آل عمران: ١٥٩] ويقول سبحانه وتعالى: ((وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)) [الشورى: ٣٨].

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


ويقرر بعض الفقهاء: أن وجود سورة في كتاب الله تعالى، وهي سورة الشورى تسمى باسم هذا المبدأ، وجعل الشورى من أوصاف المؤمنين، ثم الأمر بها صراحة في سورة أخرى إنما هو دليل على اهتمام الشارع بالشورى وجعلها من الأسس التي يقوم عليها نظام الحكم في الإسلام وما يتعلق بتدبير الشئون الإسلامية.
كما يذهب هذا الرأي إلى أن دلالة الآية الأولى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) أقوى في دلالتها على الشورى والدعوة لاستخدامها من الآية الثانية وهي التي تقول: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ))؛ لأنَّ الآية الأولى أمر للرسول -صلى الله عليه وسلم- في حين أنَّ الثانية لا تفيد سوى أن الشورى تعتبر من أوصاف المؤمنين الحميدة.
ويقرر الشيخ رشيد رضا أن الإمام محمد عبده يرى: أن في سورة آل عمران آية أخرى أقوى في دلالتها على وجوب الشورى وقيام الحكم عليها من آية: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) من السورة نفسها، وهذه الآية هي قوله تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ)) [آل عمران: ١٠٤].
وترجع قوة دلالة هذه الآية كما يذهب الإمام محمد عبده من دلالة الآية الواردة في سورة الشورى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ))؛ لأن دلالة الآية الأخيرة، وهي قوله تعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) إنما تعني: أن الشورى وصف خبري لحال طائفة مخصوصة أكثر مما يدل عيه أن هذا الشيء ممدوح في نفسه، ومحمود عند الله -تبارك وتعالى- كما أن دلالتها أقوى من دلالة قوله تعالى: ...

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


... ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ))؛ لأن دلالة الأخيرة، وهي قوله تعالى: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) إنما تعني: وجوب المشاورة على الرئيس، ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله لهذا الوجوب، فبماذا يكون إذا تركه ولم يمتثل إلى ما أمر به الشارع؟ في حين أن هذه الآية، وهي قوله تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ)) نقول: في حين أن هذه الآية تفرض أن يكون في الناس جماعة مجدون أقوياء يتولون الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا الفرض عام ملزم للحكام والمحكومين على وجه اليقين.
السنة النبوية وموقفها من الشورى:
حتى يتسنى لنا الوقوف على مسلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بخصوص تطبيق هذه القاعدة أي قاعدة الشورى، ومدى التزامه بالأمر الوارد في الآية الكريمة ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) فإنَّ الأمر يقتضي أن نحدد مدى التزام الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مشاورة أصحابه فيما يريد أن يقدم عليه من الأمور.
وإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان من المحتم عليه أن يشاور فإنَّ الأمر يقتضي أن نوضح نقاط أو نطاق هذا الالتزام.
وترجع أهمية بيان ذلك إلى: أنه إذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان من المحتم عليه أن يشاور فإن هذا الالتزام يقع من باب أولى كواجب حتمي على من بعده من الخلفاء والحكام ...

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


... ولتوضيح هذه الأمور فإن ذلك يقتضي أن نذكر بعض السوابق التي حدثت في عهد النبوة، وعلى ضوئها يمكن أن يتحد نطاق هذا الواجب ومداه، وسوف نرى: أن هذه السوابق تدل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يعمل بالشورى في كل ما لم يجئ به نص في القرآن الكريم.
أولًا: سوابق الشورى في عهد النبوة شاور الرسول -صلى الله عليه وسلم- الناس عندما بلغه خروج قريش ليمنعوا عيرهم، وأخبرهم عما تزمع قريش الإقدام عليه، فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، وتلاه عمر بن الخطاب، ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله!! امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ((فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)) [المائدة: ٢٤] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إن معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجلدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خيرًا ودعا له به، ثم استوثق الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أمر الأنصار، فقال: {{أشيروا علي أيها الناس}}، فقال سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: {{أجل}}. قال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أنما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد.
وهكذا فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يقدم على هذا الأمر شاور الصحابة -رضوان الله تبارك وتعالى عليهم- ولما وجدهم قد وافقوه على ما يريد فعله وافقهم على ذلك ومضى على بركة الله -تبارك وتعالى.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


ثانيا: وفي غزوة بدر -أيضًا- نزل جيش قريش بالعدوة القصوى من الوادي وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبادرهم إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماء من بدر نزل به، فجاء الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال صلى الله عليه وسلم: {{بل هو الرأي والحرب والمكيدة}}، فقال الحباب: يا رسول الله!! فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالمنزل حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه ثم نبني عليه حوضًا فنملأه ماءً، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{لقد أشرت بالرأي}}، وفعل -صلى الله عليه وسلم- ما أشار به الحباب.
ويضيف ابن سعد على هذه الرواية بأن الوحي نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر، ومن هذه الرواية نتبين: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- تشاور وعمل برأي من شاروه.
ثالثا: وفي غزوة أحد شاور الرسول -صلى الله عليه وسلم- المسلمين، وبعد أن قص عليهم رؤيا رآها تنبئ بوقائع حدثت فيما بعد، فقال: {{فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا المدينة قاتلناهم فيها}}، فانقسم المسلمون إلى فريقين، الأول ويحبذ الخروج إلى قريش حبًّا في الشهادة؛ لأن بعضهم كان قد فاته ملاقاة العدو ببدر، وفريق آخر يرى عدم الخروج والبقاء في المدينة كما كان يرى -صلى الله عليه وسلم- ولما رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الأغلبية ترى الخروج لملاقاة العدو نزل على رأي الأغلبية ...

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


... وحين حاولوا بعد ذلك أن يثنوه عن الخروج عندما تبين لهم أنهم قد أكرهوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، قال لهم: {{ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل}}.
ويعقب البعض على ذلك فيقول على ما حدث في غزوة أحد: بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإن كان يرى أنه من الخير للمسلمين كما دلت الوقائع بعد ذلك عدم خروجهم لملاقاة قريش الذين كانوا يفوقونهم في العدد والعدة في ساحة المعركة المكشوفة، وأن يعسكروا في المدينة، ويدافعوا عنها إذا هوجمت، ولكن لما كانت الأغلبية ترى خلاف ما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والأقلية التي رأت رأيه فقد نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على رأي الأغلبية، ومن هذه الواقعة نتبين أيضًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- التزم بما انتهى إليه المتشاورون مع أن رأيه الشخصي كان خلاف رأيهم، حيث كان يرى أنه من الأفضل البقاء في المدينة والتحصن بها، فهذا أخذ بمبدأ الشورى في الإسلام إلى أقصى درجة.
رابعا: وهناك سابقة حدثت في عهد النبوة تعطي تأكيدًا قاطعًا لمسلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بصدد الشورى، وقد رواها البخاري وغيره من الفقهاء ومجمل القصة أن وفدًا من هوازن قدم إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يطلب منه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قد غزاهم وأخذ منهم الأموال والسبايا، وهم يريدون أن يستردوا هذه الأشياء، فلما جاءوا إليه -صلى الله عليه وسلم- وطلبوا منه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، قال لهم: ...

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


... {{إِنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَىَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إِمَّا الْمَالَ، وَإِمَّا السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ}}. يعني: كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: معي الصحابة سوف آخذ رأيهم في هذا الموضوع، ولن أستطيع أن أبدي رأيًا دون الرجوع إليهم، قال لهم: معي من ترون وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبي وإما المال.
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لهم: لن تأخذوا السبي والمال معًا، لكن اختاروا إما السبي وإما المال، وقال لهم: {{كنت قد استأنيت بكم}}، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أنذرهم بضعة عشرة ليلة حين قفل ورجع من الطائف، ولما تبين لهم أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لن يرد إليهم إلا إحدى الطائفتين اختاروا السبي، فقام الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقال أما بعد: {{فإن إخوانكم قد جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم فمن أحب منكم أن يطيب ذلك، فليفعل}}. أي: من أحب منكم أن يرد إليهم السبي الذي أخذه فليفعل -يعني يرده إليهم، وله الثواب من الله تبارك وتعالى، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل.
أي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للصحابة من كان عنده شيء من السبايا فإن اختار أن يرد ذلك إلى هؤلاء القوم، أي إلى اليهود بدون مقابل فليفعل، أما من كان عنده شيء من السبايا ولا يريد أن يرده بدون مقابل فليرده وسوف نعطيه ما يقابل ذلك عندما يفيء الله علينا يعني عندما يمن الله علينا بالمال، فقال الناس: قد طبنا ذلك يا رسول الله...

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


... يعني: وافقنا يا رسول الله على ما تقول وسوف نرد هذه السبايا بدون مقابل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن}}، يعني: كأنه -صلى الله عليه وسلم- يقول لهم: أنا لم أتأكد من الذي أذن ورضي، ومن الذي لم يأذن ولم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم.
فهذه الواقعة تبين من ناحية أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يشاور المسلمين فيما يعرض عليه من حوادث ووقائع، ومن ناحية أخرى فإنها تدل على الأخذ بنظام التمثيل والنيابة وهو ما يستدل من قوله -صلى الله عليه وسلم- حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم يعني أناس تختارونهم يوصلون إلينا أمركم.
خامسا: ولم يقتصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على المشاورة في الأمور العامة والخطيرة التي تهم المسلمين جميعًا، وإنما شاورهم في أخص أموره الشخصية، كما حدث عندما أخذ يشاور كبار الصحابة فيما يتخذه مع أم المؤمنين عائشة، عندما رماها أهل الإفك من المنافقين بتهمة باطلة وكان القصد من ذلك الإساءة إلى الإسلام والمسلمين على النحو المعروف في القصة الشهيرة بقصة الإفك، ولما كان البت في مثل هذه المسألة له تأثير كبير على نفوس المسلمين، فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يستقل فيها برأي، وإنما طرح المسألة على المؤمنين، ليأخذ رأيهم وقد نزل القرآن بعد ذلك يثبت براءة عائشة رضوان الله تبارك وتعالى عليها.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


سادسا: أيضًا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يمدح الشورى ويحث المسلمين على تحقيقها ويشاور المسلمين في معظم الأمور التي تعرض له كما بينا، وقد أكد أبو هريرة -رضي الله عنه- ذلك بقوله: لم يكن أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وقد روى الفقهاء أحاديث كثيرة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الشورى منها: {{المستشار مؤتمن}}، ومنها: {{إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا}} قال أيضًا: {{ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمورهم}}، وقال: {{ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار}} وقال: {{ما شقي قط عبد بمشورة}} وقال أيضًا: {{من أراد أمرًا فشاور فيه امرأً مسلمًا وفقه الله لأرشد أموره}} وقال: {{رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس}} وقال: {{وما استغنى مستبد برأيه، وما هلك أحد عن مشورة}} وفي رواية: {{وما يستغني رجل عن مشورة}} وقال: {{أما إن الله ورسوله لغنيان عنها -أي: المشاورة- ولكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، ومن تركها لم يعدم عناء}}، ويعقب الشيخ رشيد رضا على ذلك بقوله: أي: شرعها الله سبحانه وتعالى لتحقق الرشد في المصالح ومنع المفاسد؛ فإن الغي هو الفساد والضلال، وقال صلى الله عليه وسلم: {{استعينوا على أموركم بالمشاورة}}...

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


... وفي كثير من الأمور الدنيوية كان -صلى الله عليه وسلم- يرجع إلى المسلمين، وفي هذا النطاق يروى عنه -صلى الله عليه وسلم- قوله: {{أنتم أعلم بأمر دنياكم}}، وقوله: {{ما كان من أمر دينكم فإليّ، وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به}}، ومن هنا فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان ينزل على آرائهم في أمور الدنيا.
وبعد عرض هذه السوابق التي حدثت إبان عصر النبوة، فنأتي إلى الإجابة عن السؤال الذي طرحناه في بداية حديثنا عن الشورى، وهو هل كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- ملتزمًا بمشاورة الصحابة، فيما يريد أن يقدم عليه من الأمور.

مدى التزام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالشورى

اختلف الفقهاء في الإجابة عن هذا التساؤل.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


فذهب رأي إلى أن هذا الأمر ليس ملزِمًا للرسول -صلى الله عليه وسلم- أي: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس ملزمًا بأن يستشير الصحابة في الأمور التي تحدث له-، على سبيل الإيجاب وإنما هو من قبيل الاستحباب؛ لتطييب خاطر المسلمين وتألفًا لقلوبهم، ولأن ذلك أعطف لهم وأذهب لأضغانهم كما أن ذلك من باب التكريم والاعتبار لهم وتألفًا لهم على دينهم، وإن كان الله سبحانه وتعالى قد أغناه عن هذه المشاورة بتدبير أموره وسياسته إياه.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


نقول: وأما نطاق هذا الواجب، وهو واجب المشاورة، فهو ما لم تتفق عليه الآراء:
رأي يذهب إلى أن ذلك قاصر على المسائل الدنيوية كأمور الحرب وغيرها، أما المسائل الدينية فهي تخرج عن نطاق المشاورة، وليس الرسول ملزمًا بمشاورة المسلمين فيها، حتى في الأمور التي لم ينزل عليه -صلى الله عليه وسلم- فيها وحي؛ لأن هذه الأمور مرجعها إلى الله عز وجل ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بجميع أقسامها وجوبًا وندبًا وإباحة وكراهة وتحريمًا، ولم يكن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ملتزمًا بالمشاورة في هذه الأحكام الدينية؛ لأن الرأي فيها لله عز وجل وحده عن طريق الوحي؛ لذلك فإن بعض الفقهاء يفسر اللفظ الوارد في آية الشورى، وهي قوله تعالى: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) [الشورى: ٣٨] واللفظ الوارد في سورة آل عمران: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)) [آل عمران: ١٥٩] بأن المراد هو الأمر الدنيوي الذي يقوم به الحكام عادة، لا أمر الدين المحض، الذي مداره الوحي دون الرأي.


١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


مدى التزام الرسول -صلى الله عليه وسلم- باتباع ما انتهى إليه المتشاورون

ثم نتحدث عن موضوع آخر وهو مدى التزام الرسول -صلى الله عليه وسلم- باتباع ما انتهى إليه المتشاورون إذا قلنا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يرجع إلى الصحابة ويستشيرهم في الأمور فإذا اتفقوا على رأي معين فهل يأخذ بهذا الرأي أم أن من حقه أن يخالف هذا الرأي ويأخذ برأي يراه هو.

نقول: يبقى سؤال أخير فيما يتعلق بالأمر الوارد للرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمشاورة ومؤداه، هل كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإن كان ملزمًا بالمشاورة على التفصيل الذي بيناه؟ هل كان عليه أن يعمل بما ينتهي إليه أغلبية المتشاورين؟ أي: هل كان ملزمًا بأن يعمل بما انتهى إليه رأي الأغلبية أم لا؟ نقول لم يتفق الفقهاء على إجابة محددة حول هذا السؤال والسبب الذي أدى إلى عدم الجزم بإجابة محددة هو عدم اتفاقهم على تفسير قوله عز وجل: ((فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)) [آل عمران: ١٥٩].

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


يذهب رأي إلى أن الأمر الوارد في الآية ينصرف إلى وجوب المشاورة فإذا انتهت وعزم الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أمر من الأمور فله أن يمضي فيه ويتوكل على الله تعالى لا على مشاورتهم، أي: أنَّ الشورى واجبة ابتداء لا انتهاء؛ أي: أنه كان يشاورهم في ابتداء الأمر لكن نتيجة المشاورة لم يكن ملزمًا بها النبي -صلى الله عليه وسلم.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


المفاضلة بين الرأيين

في نطاق المفاضلة بين هذين الاتجاهين وهذين الرأيين نرى أن ما رواه الذين يقولون بأن المشاورة ملزمة ابتداء وانتهاء؛ أي أنه يجب العمل بالرأي الذي انتهى إليه المتشاورون هو الأولى بالقبول والراجح، وإذا كان الاتجاه الأول يتلاءم مع عصر النبوة باعتبار أنه -صلى الله عليه وسلم- معصومًا عن الخطأ ومنزهًا عن الهوى، ومن ثم فإنه إذا أقدم على رأي حتى ولو كان يخالف ما انتهى إليه المتشاورون فإنه سيكون الرأي الصواب، وإن لم يكن كذلك فإن الوحي كفيل بأن يوجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أما بعد عصر النبوة وانتهاء الوحي فإن القول بأن المشاورة إن كانت واجبة في البداية فهي ليست واجبة انتهاء بحيث يكون للحاكم أن يعزم على رأي حتى ولو كان مخالفًا لما انتهى إليه المتشاورون، نقول هو قول لا نقبله من ناحيتين:

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


لأنه من ناحية يجعل الشورى أمرًا صوريًّا ووهميًّا بحيث يكون الحاكم قد امتثل إلى هذا الواجب بمجرد المشاورة، حتى ولو كان قد عزم مسبقًا على رأي محدد يخالف رأي الأغلبية من الأمة.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


تطبيقات الشورى في عصر الخلفاء الراشدين
وإذا ألقينا بعض النظر على هذا المبدأ بعد عصر النبوة فإننا نجد بعض الفقهاء يوسع من نطاق الشورى ويجعلها واجبة في كل المسائل التي لم ينزل فيها وحي، بعد أن يخرج المسائل الدينية المتعلقة بالعقيدة؛ لأن النصوص قد بينتها على سبيل الحصر، ولا مجال فيها للمشاورة.
أما عدا هذه المسائل سواء تعلقت بمسائل الحرب أو غيرها من المسائل التي تدخل في نطاق السلطات السياسية إن كانت متعلقة بالأحكام فالشورى فيها واجبة ابتداء على رأي وابتداء وانتهاء على رأي آخر على التفصيل الذي بيناه في الشورى في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهذا الرأي يجد سنده في السوابق التي حدثت في عصر الصحابة، فقد تشاورا في الخلافة، وفيما يجب اتباعه مع أهل الردة وتشاورا في الجد وميراثه، وفي حد الخمر وعدده وتشاورا في مسائل الحروب وغيرها.
كان أبو بكر رضي الله عنه إذا ما عرضت عليه مسألة من المسائل فإنه يبحث عن حكمها أولًا في القرآن الكريم، فإن وجد ما يقضي به فإنه يحكم به، وإن لم يكن في القرآن حكم لهذه المسألة رجع إلى السنة، فإن وجد حلًّا لها فيها كان به، فإن أعياه الوصول إلى حكم المسألة من القرآن أو السنة، سأل الناس هل علمتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى فيه بقضاء، فإذا أرشده واحد منهم إلى حكم من النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه المسألة قضى به، وإلا جمع الناس فاستشارهم فإذا اجتمعوا على رأي قضى به.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


نفس الطريقة كان يلتزم بها عمر بن الخطاب، إلا أنه كان يضيف إلى القرآن والسنة ما كان يسلكه أبو بكر رضي الله عنه، فإن لم يجد حكمًا للمسألة في هذه المصادر استشار الناس واتبع ما ينتهي إليه المتشاورون، وكان يأبى أن ينفرد بالرأي في أي مسألة تعرض له، وإنما كان يجمع لها كبار الصحابة من أهل بدر، ويشاورهم فيها.
قد سار عثمان رضي الله عنه على هذا المنهج فكانت الشورى لها مكانتها خلال ست سنين من خلافته إلى أن تم لبني أمية الاستيلاء على مقادير الأمور في عهده، الأمر الذي أدى إلى عدم مراعاة هذا الواجب، وظل الأمر كذلك حتى قتل عثمان رضي الله عنه، وبعد استشهاده وتولي علي الخلافة بمقتضى البيعة العامة للمسلمين عادت للشورى مكانتها، فعمل على كفالة هذا الواجب.

النقطة الثانية: تحديد أهل الشورى والشروط الواجب توافرها فيها
أهل الشورى يجب أن تتوفر فيهم مجموعة من الشروط، وقد بين الفقهاء هذه الشروط وذلك حينما تكلموا عن أهل الحل والعقد، وما يجب أن تتوفر فيهم من شروط، وأهم هذه الشروط ما يلي:
الإسلام: وهو شرط حتمي وذلك؛ لأنَّ الدولة الإسلامية مؤسسة على وحدة العقيدة ولا يجوز أن يشارك في تسيير دفة أمورها أو في كفالة تحقيق مقاصد الشارع من الخلق من لم يؤمن بالإسلام، وهذا الشرط مجمع عليه ويعد من الشروط المتعلقة بالنظام العام في الدولة الإسلامية.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


العقل: وهو شرط بدهي في كافة التكاليف الشرعية كما أنه شرط لكافة الولايات العامة أو الخاصة على السواء.
الجنس: ويرى جمهور الفقهاء أنه تشترط الذكورة في أهل الحل والعقد، ومنهم أهل الشورى، غير أننا لا نرى ذلك؛ لأن المنع قاصر على منصب الخلافة، ولا يجوز أن يكون في سائر الولايات.
العلم: بمعنى أن يتوفر في أهل الشورى درجة معينة من العلم تؤهلهم لأن يكونوا أهلا للشورى، وتوفر لديهم القدرة على تمييز الآراء المختلفة في نطاق الأمر المتشاور فيه.
الرأي والحكمة: يجب أن يتوفر في أهل الشورى الرأي والحكمة لكي يتوصل برأيه وحكمته إلى أنسب القرارات التي تحقق مقصود الشارع، ومصلحة المجتمع الإسلامي.
العدالة: وهي تعني التقوى والورع وتحقق بالاستقامة والأمانة والمحافظة على شعائر الإسلام والتمسك بأهدافه؛ لذلك ينقل القرطبي عن سفيان الثوري ضرورة توفر التقوى، والأمان في أهل الشورى، إلا أنه يلاحظ أنه ليس معنى تقرير وجوب الشورى أنه يجب إعمالها في كل مسألة من المسائل أيًّا كانت طبيعتها بحيث يتحتم أن يستشار جميع أهل الحل والعقد، وإنما الوجوب ينصرف إلى مشاورة المختصين في المسألة المعروضة، وهو ما وضحه القرطبي حيث يذكر رأيًا مؤداه: بأن الولاة يجب عليهم مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين، والمختصون بأمور الجيش والحرب في المسائل العسكرية، والمختصين بالنواحي الإدارية في المسائل المتعلقة بها.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


يقول القرطبي: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وما أشكل عليهم من أمور الدين ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجهوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها، كما يقرر القرطبي، بأن صفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلًا مجربًا وادًّا في المستشير، كما يجب أن يكون من أهل الفتوى والأمانة وكان الفقهاء يستعينون بمجالس تضم العلماء في الفقه والفلسفة والعلوم والتاريخ وأهل الخبرة في المجالات المختلفة.
أما إذا كانت المسألة محل الشورى تتعلق بالمسلمين جميعًا ولا تحتاج إلى نوع من الخبرة والتخصص في ناحية من النواحي فلا مناص من الرجوع إلى المسلمين جميعًا، فدائرة من يستشارون يتسع نطاقها كلما تعلق موضوع الشورى بأمر يتعلق بمصلحة أساسية من مصالح المسلمين، وهذا الرأي يجد سنده فيما سلكه عمر -رضي الله عنه- حينما استشار المهاجرين والأنصار في قسمة ما أفاء الله به على المسلمين من أرض العراق والشام.

هل يشترط الإسلام في أهل الشورى؟
أجملنا فيما سبق الشروط التي يجب أن تتوفر في أهل الشورى وقلنا: إن من المسلم به أن شرط الإسلام من الشروط الضرورية التي يجب توفرها في أهل الحل والعقد، كما أنه أيضًا من الشروط الحتمية المطلوبة في كل من يمارس الولاية العامة في الدولة الإسلامية غير أنه قد يقتضي الأمر الاستعانة بخبرة أجنبية، فهل يعد ذلك خرقًا لقواعد القانون الإسلامي يجب هنا أن نميز بين أمرين:

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


في مجال التشريع، فإنَّ شرط الإسلام من الشروط الضرورية والحتمية التي يجب توفرها في أهل الشورى لتعلق هذا الشرط بالنظام الأساسي للدولة الإسلامية، ومن ثم لا يجوز أن يشترك غير المسلمين في نطاق الشورى التي يكون الهدف من إعمالها وضع قواعد قانونية، وذلك في الأحوال التي لا يوجد فيها نص؛ لأنه لا اجتهاد مع النص، ومن ثم يستبعد غير المسلم من نطاق الشورى في المسائل التشريعية.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


كيفية إعمال واجب الشورى، وطريقة اختيار أهل الشورى
أما كيف يطبق واجب الشورى الذي حتمه الشارع الإسلامي فإنه لكي نوضح ذلك فيجب علينا أن نميز بين وجوب هذا المبدأ وحتمية كفالته وبين أسلوب تنفيذه، فيجب أن نميز بين المبدأ وأسلوب تنفيذه، فإذا كان الإسلام قد أوجب الشورى وكفل بمقضى إيجابها حق الأمة في المشاركة في الحكم وفي البت في أمورها العامة وأمر بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن ثم يلتزم بها خلفاؤه من بعده إلى جانب أنه جعلها صفة من صفات المؤمنين بشرعته الملتزمين بأحكامها، فإن هذا لا يؤدي مطلقًا إلى أن نخلط بين هذه القاعدة التي تقرر المبدأ الواضح والصريح والتي تمثل ركيزة أساسية من الركائز التي يقوم عليها النظام السياسي الإسلامي، وبين أسلوب التنفيذ وصورة التطبيق التي نتجت عن إعمال هذا المبدأ، فالشريعة الإسلامية قد تجنبت التفصيلات التي يقتضيها تنفيذ مبدأ الشورى، وهذا مسلك يقتضيه سمو الشريعة وصلاحيتها لكي تجابه كافة التطورات التي تقتضيها ظروف الزمان والمكان.
إذ إن صور التطبيق ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتغيرات التي تطرأ على المجتمع، ولو أنَّ الشريعة الإسلامية قد نهجت إلى التفصيل في صور التطبيق لظهرت أمام الباحثين جامدة لا تقوى على الوقوف في مواجهة ما يطرأ على المجتمع من تطور، إلى جانب أنَّ القاعدة التي تتواءم مع زمن معين لا يجوز القول بأنها صالحة لكل زمان، والتي تصلح للمسلمين الأول مع بساطة البيئة وسذاجتها، لا يمكن أن تكون صالحة للتطبيق بعد أن نما الإسلام، وتطور وواجه ظروفًا وأوضاعًا تختلف كلية عن الظروف التي واجهها المسلمون في البداية، ...

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


... ومن هنا اكتفى القرآن الكريم بالنص على وجوب المبدأ، وحتميته، أي: مبدأ الشورى، كما أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لو وضع قواعد للشورى، بحسب ما يتلاءم مع البيئة وظروف عصره لاتخذها المسلمون دينًا وحالوا العمل بها في كل زمان ومكان، وما هي من أمر الدين، فكان الأحكم والأصلح أن يترك النبي -صلى الله عليه وسلم- وضع التفصيلات الخاصة بمبدأ الشورى للأمة، تضع منها في كل حال ما يليق بها، ويصلح لها.
والسبيل إلى ذلك لا يكون أيضًا إلا بإعمال مبدأ الشورى، فالوسيلة التي تتمسك في صورة وتفصيلات الشورى يمكن أن يعاد فيها النظر دائمًا، حسب ما يتفق مع ظروف العصر ومقتضيات الزمان، دون أن يكون ذلك ماسًا بأصل الشورى؛ لأن القواعد التي أتى بها القرآن والسنة في هذا النطاق غير قابلة للتعديل؛ لأنها تمثل المبدأ العام والقاعدة العريضة التي لا تختلف باختلاف الزمان أو المكان.
لهذا فإن محاولة النيل من الشريعة الإسلامية لأنَّها لم تضع قواعد محددة ونماذج تفصيلية لصيغ وتطبيقات الشورى، تكشف عن جهل فاضح بطبيعة النظام الإسلامي، وحقيقته؛ لأنه يتعين أن نميز بين المبدأ وأسلوب وصيغ إعمال هذا المبدأ وتطبيقه، فالله عز وجل أراد أن يجعل من الإسلام الدعوة الخالدة والرسالة الأزلية إلى البشر جميعًا، فكان من المطلوب بل ومن المحتم أن تقتصر الشريعة في نطاق المعاملات، وما يتعلق بتنظيم المجتمع على وضع قواعد كلية ومبادئ شاملة ثابتة، لا تتعدل ولا تتبدل، ولكنها في مجال التنفيذ وصيغ التطبيق تسمح بأن تتواءم مع كل ما يجد على المجتمع من تطور، ...

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


... فهي لا تقتصر على أسلوب واحد في التنفيذ لا تتعداه إلى غيره دائمًا، وإنما تضع القاعدة العامة والمبدأ العريض الذي يسمح دومًا وأبدًا بالوفاء بحاجة المجتمع، وهو ما نلاحظه بالنسبة للتعاليم التي قررها الشارع بالنسبة لتنظيم المجتمع في أوضاعه السياسية والاقتصادية والدولية.
فقد اكتفى المشرع بوضع توجيهات عامة جاءت في شكل قواعد كلية غير مفصلة حتى لا تتقيد الأجيال بهذه التفصيلات والتطبيقات، بل تركها المشرع للأمة كي تكون حرة تضع ما يلائمها بحسب حاجة الزمان والمكان ما دامت في نطاق ما رسمته الشرعية من قواعد وأحكام.

ويترتب على منحى الشريعة في هذا النطاق أمران:

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


أنَّ التعاليم التي جاء بها الشارع في نطاق تنظيم المجتمع، ومنها ما يتعلق بتنظيم الحكم في الدولة الإسلامية، ليست تعاليم منصبة في قوالب جامدة، لا تقبل التطبيق، إلا على أسلوب واحد، بل الأمر على خلاف ذلك فالهدف واضح ومحدد، ولا مجال لتغييره وتبديله إلا إن أسلوب التنفيذ وصيغ التطبيق قابلة لهذا التغير والتطور، وواجب كل جيل أن يستبين الهدف، ثم يتخير الأسلوب الذي يتواءم معه على ضوء ظروف البيئة، وما يقتضيه العصر، مستفيدًا في ذلك بكل ما استحدثه العلم الذي أمرنا الله عز وجل باجتلاء آفاقه مع مراعاة الظروف التي تحيط بالدولة الإسلامية، وأي جيل في أي زمن سيجد دائمًا النصوص تتسع لتنظيم المجتمع، وفقًا لحاجاته المستجدة، وما انتهى إليه التطور.

يبقى أمامنا أن نحدد طريقة اختيار أهل الشورى على ضوء ما أوضحنا من ضرورة التفرقة بين المبدأ وأسلوب التنفيذ، فالشورى قد أكدت حق الأمة في المشاركة في الحكم، وفي إدارة شئونها العامة وإقامة الصلة الوثيقة بين طرفي المجتمع الحكام من ناحية والمحكومين من ناحية أخرى بتقرير ذلك المبدأ، فكان من الطبيعي أن يشترك الشعب كله في إدارة شئونه العامة، إلا أن ذلك لا يمكن تحقيقه لسببين:
ووجوب المشاورة ككل الواجبات التي فرضها الشارع لا مدخل فيه للعصبية أو التعصب لرأي، اللهم إلا إذا اعتقد أنه هو الرأي الصواب، ولا بد أن ينزل على حكم الأغلبية، ويقف حيث تقف الجماعة وفي مجلس الشورى، لا مدخل للحزبية، والطائفية فيه؛ لأنَّ الإسلام يأبى أن يتحزب أهل الشورى، ويكون مع أحزابهم في التمسك بالرأي الباطل، وإنما الذي يقتضيه النظام الإسلام هو أن يدوروا مع الحق حيث دار ولا يحيد عنه، ولا بد أن ينزل الواحد عن رأيه إذا تبين له أنه غير صواب وأنه مخالف ولا تثريب على مجلس الشورى إذا ما توصل إلى قرار أن يعدل عنه إذا تبين بعد ذلك أن هذا الرأي كان خطأ، إلا أن النزول على رأي الأغلبية، لا يكون واجبًا إذا خالف نصًّا أو قاعدة كلية من قواعد الشرعية أو أي دليل من أدلة المشروعية إلا وفقًا لما تضعه قواعد المشروعية الإسلامية في هذا الصدد.

١.٨ قواعد النظام السياسي الإسلامي


أنَّ الإسلام لا يهتم بالكثرة، إلا قدرة إيمانها وتقواها وعلمها وثقافتها وإحاطتها، بالقانون الإسلامي، ومن ثم فقد يكون رأي قلة من العلماء، أفضل من رأي أكثرية جاهلة، وهو ما يستدل من قوله عز وجل: ((قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ))
[المائدة: ١٠٠] والسرخسي يقرر أن محمد بن الحسن يرى أن الترجيح يكون على قدر أكثر الآراء اتفاقًا ويخالف السرخسي
ما ذهب إليه محمد بن الحسن بقوله: وهذا خلاف ما هو المذهب الظاهر لأصحابنا في الترجيح، أنه لا يكون بكثرة العدد،
وعليه دل ظاهر قوله تعالى: ((إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) [هود: ١١] وقوله تعالى: ((وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ))
[يوسف: ٢١] وقوله تعالى: ((وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)) [يوسف: ١٠٣].