... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


أولًا: القياس
القياس في اللغة هو التقدير، وأما القياس في الشرع: فهو حمل فرع على أصل في حكم بجامع بينهما، وقيل: هو حكمك على الفرع بمثل ما حكمت به في الأصل؛ لاشتراكهما في العلة التي اقتضت ذلك في الأصل، وقيل: هو حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بجامع بينهما من إثبات حكم أو صفة لهما أو نفيهما عنهما.
ومعاني هذه الحدود وتلك التعريفات متقاربة، فهي كلها عبارة عن بيان حكم أمر غير منصوص على حكمه، بإلحاقه بأمر معلوم حكمه بالنص عليه في الكتاب أو السنة، فهو عبارة عن إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بأمر آخر منصوص على حكمه للاشتراك بينهما في علة الحكم.
وأركان القياس أربعة، هي: المقيس وهو: الفرع الذي لم ينص على حكمه، والمقيس عليه وهو: الأصل الذي نص على حكمه، وحكم الأصل الذي ورد به النص، والعلة.
وقد نضرب مثالًا يوضح ذلك: فعندنا الخمر -على سبيل المثال- ورد النص في القرآن الكريم على حرمتها، في قول الله تبارك وتعالى: ((إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) [المائدة: ٩٠] فهذه الآية نصت على حرمة الخمر، فلو كان معنا نبيذ اتخذ من التمر -على سبيل المثال- حتى أصبح مسكرًا، يعني: إذا شربه الإنسان أسكر، فما حكم هذا النبيذ؟ هذا النبيذ لم يرد حكمه في القرآن أو في السنة صراحة، إنما الذي ورد صراحة هو حكم الخمر.

... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


ففي هذه الحالة عن طريق القياس نقيس النبيذ على الخمر، وحكم الخمر إنما هو الحرمة، فنعطي للنبيذ الحرمة إذا أصبح مسكرًا، والعلة بينهما هي الإسكار، فكأن عندنا الأصل وهو الخمر، والفرع وهو النبيذ، وحكم الأصل وهو الحرمة، والعلة وهي الإسكار الذي تحقق في المقيس، والمقيس عليه أو في الأصل والفرع، هذا هو معنى القياس، ولذلك -كما قلنا-: له أركان أربعة المقيس، والمقيس عليه وهو الأصل الذي نص على حكمه، وحكم الأصل الذي ورد به النص، والعلة. والعلة هي ما بني عليه الحكم في الأصل وتحقق في الفرع.
القياس دليل شرعي معتبر لدى جماهير علماء الفقه الإسلامي؛ لأن النصوص متناهية، والوقائع لا تتناهى، وحوادث الناس متجددة، فلذلك لا يمكن الاستغناء عن القياس كمصدر شرعي يعطي للأحكام الجديدة حكمها الشرعي، وينزلها المنزلة التي تستحقها عن طريق الاجتهاد بالرأي الذي يلحق الفرعيات بأصولها الكلية.
ولذلك قال عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري: الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق.
والقياس هو المصدر الرابع من مصادر الشريعة الغراء، المصدر الأول الكتاب والسنة والإجماع، ثم يأتي بعد ذلك القياس.

... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


ولكون القياس مصدرًا اجتهاديًّا كما ذكرنا فإنه لا يعتبر ملزمًا على وجه التحديد عند بقية المجتهدين؛ لأن العلة التي هي مناط القياس وعليها مداره ليست واحدة في نظر جميع المجتهدين؛ ولذلك كان الاختلاف في العلة هو السبب دائمًا في اختلاف المجتهدين في الآراء الفقهية التي تصدر عنهم.
فالقياس على ذلك مصدر تفسيري يختلف بحسب المجتهدين.
ولكن هل يعتبر القياس مصدرًا للأحكام السياسية والدستورية في الشرعية الإسلامية؟
نقول القياس -باعتباره مصدرًا شرعيًّا يلجأ إليه المجتهد عند إرادة إلحاق فرع لم ينص على حكمه بأصل منصوص عليه أو على حكمه لاشتراكهما في علة الحكم عند المجتهد- فإنه بذلك يصلح أن يكون مصدرًا لكافة الأحكام الشرعية، سواء كانت دستورية أم غير دستورية.

ثانيًا: الاستحسان
والاستحسان كمصدر للأحكام السياسة والدستورية في النظام الإسلامي هو من المصادر التبعية للتشريع الإسلامي، وهو نوع من القياس، وأحيانًا يطلق عليه القياس الخفي.

... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


وقد عرفه أبو الحسن الكرخي -من الحنفية- فقال: هو أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم بها في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول.
فالحكم في الاستحسان يجيء مخالفًا لقاعدة مضطردة لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة، فيكون الاعتماد عليه أقوى استدلالًا في المسألة من القياس.
والاستحسان قد أنكره بعض العلماء كالإمام الشافعي، وقال: من استحسن فقد شرّع، أي: جعل نفسه مشرع دون الله، فالشافعي يعتبره نوعًا من التشريع بالهوى والرأي بدون دليل، ولا شك أن ما هو كذلك مذموم عند الكل، أما ما ليس كذلك -وإنما كان وجه العدول عن القاعدة أقوى من التمسك بها- فهو اجتهاد ممدوح لا حرمة فيه.
وينقسم الاستحسان إلى قسمين:
الاستحسان القياسي: بمعنى: أن يعدل المجتهد عن مقتضى القياس الظاهر إلى قياس خفي تقتضي المصلحة.
استحسان الضرورة: بمعنى: مخالفة حكم القياس لضرورة أو مصلحة دفعًا للحرج وسدًّا للحاجة، ويكون ذلك عندما يؤدي تطبيق القواعد القياسية العامة إلى الوقوع في الحرج والمشقة.
وإذا تقرر لنا أن الاستحسان مصدر شرعي معتبر على المعنى الذي قدمناه فهو ينطوي على نوع من المصلحة؛ لأنه كثيرًا ما يؤدي إعمال القواعد القياسية العامة إلى إهدار بعض المصالح أو مخالفة بعض المبادئ الشرعية المقررة، فعندئذ يكون الاستحسان من ألزم اللزوميات للخروج من هذا المأزق؛ تحقيقًا للمقاصد الشرعية، واحترامًا للمصالح المرعية، بلا فرق في هذا الصدد بين أن يكون الحكم المأخوذ فيه بالاستحسان من قبيل الأحكام الدستورية والسياسية أو من غيرها؛ لأن الشريعة كما ذكرنا سابقًا لا تعرف فارقًا كهذا بين حكم شرعي وحكم شرعي آخر، وما دام المصدر يصلح كدليل يحتج ويستنبط منه الحكم فيستوي في ذلك جميع الأحكام، بل إننا نلاحظ: أن الاعتماد على الاستحسان في المجالات السياسية قد يكون أكثر مناسبة مراعاة للمصالح المتغيرة التي تختلف باختلاف الأزمان، وقد يؤدي إعمال القواعد القياسية أحيانًا إلى إهدار بعض هذه المصالح المعتبرة، كما ذكر.

... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


ومثال ذلك أن الأمين أو الوديع لا يضمن ما تلف بيده من غير تقصير، ومثله في ذلك المستعير والمستأجر والأجير، ولكن الحنفية فرقوا بين الأجير الخاص والأجير المشترك:
الأجير الخاص: هو الذي يعمل عند فرد بعينه.
أما الأجير المشترك: فيعمل عند عدد من الأفراد.
نقول الحنفية فرقوا بين الأجير الخاص والأجير المشترك وجعلوا الأجير المشترك كالصباغ والخباز والترزي ونحوهم جعلوه
ضامنًا لما بيده؛ على الرغم من أن ذلك يعارض القاعدة التي تقول: بأن المستأجر والأجير إنما هو أمين، خالفوا هذه
القاعدة استحسانًا؛ حتى لا يهمل هذا الأجير عمله ويؤدي ذلك إلى إتلاف السلعة، ما لم يكن الهلاك أو التلف لأمر
لا دخل له فيه، ولا يمكنه التحرز عنه كالحريق ونحوه.

ثالثًا: المصالح المرسلة

المصلحة هي عبارة عن جلب المنفعة أو درء المفسدة، وهي على ثلاثة أقسام:

... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


القسم الأول: شهد الشرع باعتباره، ويعرف بالمصالح المعتبرة، وهي عبارة عن اقتباس الحكم من معقول النص أو الإجماع.
القسم الثاني: شهد الشرع ببطلانه، وهو ما يعرف بالمصالح الملغاة، كإيجاب الصوم بالوقاع في رمضان على الملوك والحكام؛ لكون العتق سهلًا بالنسبة لهم، فلا ينزجرون به، والكفارة إنما وضعت للزجر، فهذه مصلحة باطلة؛ لمخالفتها الصريح المنصوص.
القسم الثالث: فهو ما لم يشهد له الشارع باعتبار أو بإبطال، وهو ما يعرف بالمصالح المرسلة، فهو نوع من المصالح يلائم مقاصد الشارع، وإن كان لم يشهد له أصل خاص بالاعتبار أو الإلغاء.
وقد حمل لواء هذا النوع من المصالح الإمام مالك -رحمه الله تبارك وتعالى- وفق شروط معينة.
والمصالح المرسلة على هذا: إنما تعتبر مصدرًا أساسيًّا من مصادر القواعد الدستورية بصفة خاصة؛ لأنَّ أكثر هذه القواعد لم يرد بها نص شرعي؛ فيكون باب المصلحة مفتوحًا أمام المجتهد؛ ليأخذ بما تقتضيه هذه المصلحة، وهو ما يقارب ما يعرف عن القانونين بفكرة القانون الطبيعي، وقواعد العدالة التي يعتمد عليها شراح القوانين الوضعية بصدد الموضوعات التي لم ينص على حكمها.
ومما يدل على جواز الأخذ بهذه المصالح في الأحكام الدستورية والسياسية ما ذكره ابن خلدون في (المقدمة) من أن الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان أول من فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية اعتمادًا على المصلحة، على الرغم من أنه لم يكن هناك فصل بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية أيام النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أيام أبي بكر -رضي الله عنه وأرضاه.

... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


يقول ابن خلدون: وأما القضاء فهو من الوظائف الداخلة تحت الخلافة؛ لأنه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسمًا للتداعي وقطعًا للتنازع، إلا أنه بالأحكام الفرعية المتلقاة من الكتاب والسنة، فكان لذلك من وظائف الخلافة ومندرجًا في عمومها، وكان الخلفاء في صدر الإسلام يباشرونه بأنفسهم، ولا يجعلون القضاء إلى من سواهم، وأول من دفعه إلى غيره وفوضه فيه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فولى أبا الدرداء معه بالمدينة، وولى شريحًا بالبصرة، وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة، وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاء.
ثم يقول ابن خلدون في موضع آخر: إن الخلفاء كانوا يقلدون القضاء لغيرهم، وإن كان مما يتعلق بهم لقيامهم بالسياسة العامة وكثرة أشغالها من الجهاد والفتوحات وسد الثغور وحماية البيضة، واستخلفوا فيه من يقوم به تخفيفًا عن أنفسهم، وهذا معنى هذا الكلام الذي نقلناه عن ابن خلدون في مقدمته.


... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


رابعًا: العرف
والعرف هو: ما يعتاده الناس في أمر ما، وتستقيم عليه أمورهم، وهو يختلف عن العادة، فهي أعم من العرف، إذ هي تطلق على كل أمر متكرر صادر من الأفراد أو من الجماعة، بينما العرف هو عادة جماهير الناس في قول أو عمل، فهي عادة غالبة على كثير من الناس، وهو أصل من أصول الفقه الإسلامي عند عدم وجود نص شرعي.
فالمقرر عند العلماء ولا سيما المالكية والحنفية: أن الثابت بالعرف كالثابت بالنص.
ويقول الشيخ أبو زهرة: ولعل معناه: أن الثابت بالعرف ثابت بدليل يعتمد عليه كالنص، حيث لا نص يعني: ما دام لا يوجد النص ولا اعتبار بالعرف إذا خالف نصًّا من كتاب أو سنة، كما لو تعارف الناس في بعض الأوقات تناول بعض المحرمات كالخمر والزنا وأكل الربا وأشباه ذلك، فهذا عرف فاسد، يؤدي اعتباره إلى إهمال نصوص الشريعة واتباع الشهوات، وتلك مفاسد ما جاءت الشرائع لمثلها أبدًا.
فعلى هذا يكون العرف قسمين:
الأول: عرف صحيح: لا يصادم نصًّا شرعيًّا، فيؤخذ به ما دام لا يوجد نص.
الثاني: عرف فاسد: فلا يصار إليه، وهو الذي يخالف نصًّا قطعيًّا من نصوص الشريعة الإسلامية.


... ٣.٧ مصادر الأحكام الاجتهادية التشريعية: القياس، الاستحسان، المصالح


شروط للعمل بالعرف

ويشترط للعمل بالعرف كأصل شرعي عند عدم وجود نص ما يلي:
أن يكون العرف مضطردًا وغالبًا، بمعنى: أن الناس يعملون به في أكثر الأحوال، فلو لم يكن العرف كذلك فإنه لا يكون مضطردًا، ويكفي أن يكون معمولًا به من أكثرية الناس سواء كان عرفًا عامًّا أو خاصًّا.
أن يكون العرف موجودًا وقت نشأة التصرفات التي يراد تحكيمه بشأنها، فيكون سابقًا عليها أو موازيًا لها، أما لو كان العرف ناشئًا بعد العقد أو التصرف ففي هذه الحالة لا يجوز الأخذ به.
ألا يعارض العرف تصريح بخلافه، فإذا كشف المتعاقدان عن رغبتهما في التعامل على نحو معين فإنَّ رغبتهما في ذلك تحترم، وتكون مقدمة على العرف؛ لأنَّ العقد شريعة المتعاقدين، وقد صرحا برغبتهما على نحو معين كما ذكرنا، فلا يكون للدلالة اعتبار في مقابلة التصريح.
ألا يترتب على العمل بالعرف مخالفة نص قطعي في الشرع؛ لأنه لا مجال لمعارضة نصوص الشريعة بالعرف؛ لأنه عند ذلك يكون فاسدًا لا يعتبر.

إذن: عند عدم وجود نص في المسألة يمكن أن يحكم بشأنها العرف على الشروط المتقدمة، ولذلك يجب على كل فقيه يتصدر للفتيا: أن يكون عالمًا بالأعراف ليفتي وفقًا لها إذا احتاج إلى ذلك.