٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


أولًا: القرآن الكريم، كمصدر للأحكام السياسية، والدستورية

القرآن الكريم هو كلام الله -سبحانه وتعالى- الذي نزل به جبريل الأمين -عليه السلام- على نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو ما نقل إلينا بين دفتي المصحف نقلًا متواترًا، وقد اهتم الصحابة -رضوان الله عليهم- بنقله وتجريده عما سواه، وبالغوا في ذلك؛ حتى أنهم كرهوا التشكيل، والنقط؛ كي لا يختلط بالقرآن غيره، فالمكتوب بين دفتي المصحف هو القرآن كاملًا غير منقوص؛ إذ يستحيل في العرف، والعادة -مع توفر الدواعي على حفظ القرآن ونقله- أن يهمل بعضه؛ فلا ينقل، أو يخلط به ما ليس منه.

ويبلغ مجموع سور القرآن ١١٤ سورة، ومجموع آياته: ٦٣٤١، وهذه الآيات، والسور مرتبة، والأكثر من أهل العلم على أنها ترتيبها توقيفي، لا رأي للصحابة فيها، ثم توالت جهود المسلمين بعد ذلك -وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- على العناية بالمصحف الشريف كتابة، وطباعة، وحفظًا، وشرحًا، وصدق الله العظيم الذي يقول: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر: ٩].


٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


أحكام الأحكام الواردة في القرآن الكريم

تنقسم الأحكام الواردة في القرآن الكريم إلى:
أحكام اعتقاديه تهدف إلى تصحيح عقيدة الإنسان من حيث إيمانه بالله تعالى، وبما جاء من عنده مما أخبر به الرسل -عليهم الصلاة والسلام.
أحكام خلقية تتعلق بفضائل الأعمال، ومحاسن الأخلاق.
أحكام عملية تتعلق ببيان حكم الله تعالى فيما يصدر عن المكلف من الأقوال، والأفعال، والتصرفات، وهو ما يطلق عليها اسم: الفقه، أو التشريع الإسلامي.

وآيات الأحكام في القرآن لا تزيد عن خمسمائة آية، وتنقسم إلى أحكام العبادات، ويقصد بها تنظيم العلاقة بين الإنسان، وربه، وتشمل ١٤٠ آية، وأحكام المعاملات، وهي التي تعني ببيان التنظيم التشريعي لكافة علاقات الأفراد فيما بينهم، أو فيما بينهم وبين الحاكم، أو فيما بينهم وبين الدول الأخرى، وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب خلاف أن هذا النوع من الأحكام ينقسم إلى عدة أقسام:

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


أحكام الأحوال الشخصية، أو أحكام الأسرة: وتشمل أحكام الزواج، والطلاق، والإرث، والوصية، والحجر، وتشمل نحو سبعين آية.
الأحكام المدنية: وهي التي تتعلق بمعاملات الأفراد، ومبادلاتهم من بيع، وإجارة، ورهن، وكفالة، وشركة، وما إلى ذلك، وتشمل نحو سبعين آية.
الأحكام الجناية: وهي التي تتعلق ببيان ما يرتكبه المكلف من الجرائم، وما يستحقه عليها من عقوبات، وتشتمل على نحو ثلاثين آية.
أحكام المرافعات: وهي التي تتعلق بتنظيم الإجراءات التي تتخذها المحاكم للنظر في حقوق الناس، وبيان أحكام الدعاوى، والبينات، وتشمل نحو ١٣ آية.
الأحكام الدستورية: وهي التي تتعلق بنظام الحكم، وأصوله؛ أي: تحديد العلاقة بين الحاكم والرعية، وبيان ما لكل منهما من الحقوق، وما عليه من الواجبات، وتشمل نحو عشر آيات.
الأحكام الدولية: وتتعلق ببيان علاقة الدولة الإسلامية بغيرها في حالة السلم، وفي حالة الحرب، وتشمل آياتها نحو ٢٥ آية.
الأحكام الاقتصادية، والمالية: وهي التي تقوم بتنظيم العلاقات المالية من موارد، وطرق إنفاق، وغير ذلك، وتشمل نحو عشر آيات.


٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


والذي يهمنا في هذا الصدد أن نقرر أن القرآن الكريم -بالنسبة لمسائل الحكم، والنظم الدستورية- إنما اقتصر على الأحكام العامة، أما التفصيلات؛ فقد تركها، ولم يفصلها، لماذا؟ لأنَّ شريعة الإسلام إنما هي الشرعية الخاتمة، ولذلك هي باقية إلى أن تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها؛ ولذلك حرص القرآن الكريم على أن يترك للناس مساحة من التفكير -خصوصًا مع تطور المجتمعات، وكثرة الوقائع والأحداث- ولذلك ترك لهم التفصيل، ووضع لهم الضوابط لنظام الحكم سواء من الناحية الدستورية، أو غيرها، أو بعد ذلك ترك لهم التفصيل؛ فلهم أن يفصلوا هذه الأمور التي استجدت، وفق الضوابط الشرعية، ووفق الأحكام الكلية التي ذكرها القرآن الكريم.
نضرب مثالًا لذلك بالشورى؛ الله تبارك وتعالى يقول: ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)) [الشورى: ٣٨] ويقول: أيضًا: ((وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر)) [آل عمران: ١٥٩] فقد نص القرآن الكريم على قاعدة الشورى، لكنه لم يبين لنا كيفية ممارسة هذه الشورى؛ ولذلك ترك هذا التفصيل للأفراد، وهذا التفصيل سوف يختلف من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، المهم أن يتم ذلك، وفق الضوابط العامة التي رسمها القرآن الكريم.



٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


وفي ضوء ما تقدم- يمكننا أن نقرر أن القرآن الكريم هو مصدر النظام السياسي الإسلامي الأول، وأن قلة الآيات التي تتعرض لبيان أحكام هذه المسائل فيه؛ لأن القرآن الكريم اقتصر على بيان القواعد الكلية فقط، وترك ما وراء ذلك من التفصيلات، والجزئيات لظروف كل مجتمع بحسب ما يستجد من المستحدثات، والوقائع بما لا يخرج عن أسس الشرعية، ومقاصدها، ولم يكن هذا عن قلة عناية من الشارع بهذه الأحكام -كما حاول البعض من المؤلفين المحدثين أن يفهمه خطأ، أو عن حسن قصد منه؛ لتأثره بالمنهج الوضعي من ناحية، وقلة دربته وأنسته بقواعد الشرع الإسلامي وخصائصه من ناحية أخرى- وصدق الله العظيم إذ يقول: في وصف كتابه: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)) [النحل: ٨٩].

ثانيًا: من مصادر التشريع الإسلامي: السنة

السنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة، وقيل: هي مأخوذة من سن بمعنى بيّن، وسميت السنة كذلك؛ لأنها مبينة للقرآن الكريم، وأما السنة في الاصطلاح فيقصد بها أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريراته.
فالسنة القولية: هي ما صدر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأقوال، وهي أكثر السنة، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: {{صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته}}، وقوله صلى الله عليه وسلم: {{إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى}}، وقوله صلى الله عليه وسلم: {{لا ضرر ولا ضرار}}، وقوله صلى الله عليه وسلم: {{من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها}}.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


والسنة الفعلية: هي أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- المنقولة عنه، كصلاته -صلى الله عليه وسلم- وحجه، فقد صلى عليه السلام وقال: {{صلوا كما رأيتموني أصلي}}، وحج -صلى الله عليه وسلم- وقال: {{خذوا عني مناسككم}}، ومن ذلك أيضًا ما كان يفعله -صلى الله عليه وسلم- كقضائه باليمين والشاهد، وما كان يفعله في الحروب -صلى الله عليه وسلم- فهو يعتبر سنة بسبب فعله -صلى الله عليه وسلم- له.
والسنة التقريرية: فهي أن يرى النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلًا أو يسمع قولًا فيقره، فقد يقع من الصحابة في حضرته -صلى الله عليه وسلم- أقوال، وأفعال، فلا ينكرها، وفي ذلك إقرار لها، ومثالها: ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له: ((كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟)) قال: أقضي بكتاب الله، قال: {{فإن لم تجد في كتاب الله؟}} قال: فبسنة رسول الله، قال: {{فإن لم تجد في سنة رسول الله؟}} قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: {{الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله}}، ومن ذلك أيضًا: إقراره -صلى الله عليه وسلم- لعلي رضي الله عنه في كثير من أقضيته، وإقراره -صلى الله عليه وسلم- لمن تيمم من الصحابة للصلاة إذا لم يجد الماء، ثم وجوده بعد الصلاة فلم يتوضئوا، ولم يعيدوا الصلاة، كل ذلك تقريرات من النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذه تعتبر سنة.


٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


وتعتبر السنة المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم؛ لأن الله تعالى قد أمر بطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وقرن هذه الطاعة بطاعته -سبحانه وتعالى- فقال عز من قائل: ((وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر: ٧] وقال سبحانه وتعالى: ((مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)) [النساء: ٨٠] قال الشوكاني: فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ووجه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا عما نهى الله عنه، وعلى هذا أجمع المسلمون منذ صدر الإسلام وحتى يومنا هذا على وجوب الأخذ بالسنة واعتبارها مصدرًا رئيسًا من مصادر التشريع الإسلامي، وخصوصًا أن بعض الأحكام قد أجملت في القرآن، كوجوب الصلاة والزكاة والحج، ولا يمكن أن نفهم هذه الأحكام إلا بالرجوع إلى بيان السنة لها، فلو لم تكن السنة مصدرًا تشريعيًّا لما أمكننا العلم بمقتضى القرآن والسنة.

وتنقسم السنة المطهرة من حيث الثبوت إلى: سنة متواترة، وسنة مشهورة، وسنة آحاد.
فالسنة المتواترة: هي ما رواها عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى آخر السند جمع تحيل العادة تواطئهم على الكذب، على أن يكون هذا الجمع موجودًا في كل طبقة من طبقات السند؛ لكثرتهم واختلاف بيئاتهم ومشاربهم، ويمثل لهذا النوع من السنة المتواترة بما نقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من كيفية أداء الصلاة ومناسك الحج ومقادير الزكاة، وكيفية الأذان، وغير ذلك مما نقل إلينا نقلًا متواترًا منذ عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وحتى عصرنا هذا.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


أما السنة المشهورة: فهي ما رواها عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جمع لا يبلغ حد التواتر، ثم تواتر هذا الجمع بعد ذلك، فالتواتر في السنة المشهورة لم يكن في الحلقة الأولى من السنة، وهذا هو ما يميزها عن السنة المتواترة التي يتوافر فيها التواتر من أول السند إلى منتهاه كما ذكرنا.
والسنة والمشهورة تفيد عند أبي حنيفة وأصحابه العلم اليقيني، ولكنه دون العلم الحاصل من سنة التواتر، ويسمونه أحيانًا بعلم الطمأنينة الذي لا يصل إلى مستوى اليقين وإن كان يشبهه، ولذلك نجد أن الحنفية يوجبون العمل بهذا النوع من السنة، ويقيدون بها الأحكام المطلقة في القرآن ويخصصون بها الأحكام العامة ونحو ذلك.
سنة الآحاد: وسنة الآحاد هي كل خبر يرويه الواحد أو الاثنان أو الأكثر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يتوافر فيه شروط التواتر أو الشهرة على مصطلح الحنفية، وسنة الآحاد تفيد غلبة الظن، ولا تفيد العلم القطعي، لكون اتصال السند فيها بالنبي -صلى الله عليه وسلم- مشتبهًا فيه. يقول بعض العلماء الاتصال فيه شبهة صورة ومعنى، أما ثبوت الشبهة ففيه صورة، فلأن الاتصال بالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يثبت قطعًا، وأما معنى: فلأن الأمة تلقته في القبول، أي: في الطبقة التي تلي التابعين، ولهذه الشبهة في إسناد سنة الآحاد قرر العلماء أنه يجب العمل بها، إن لم يعارضها معارض، ولكن لا يؤخذ بها في الاعتقادات؛ لأن معناها الجزم واليقين، أي: الاعتقادات تعتمد على الجزم واليقين، لكن سنة الآحاد تقوم أو تفيد غلبة الظن، ولذلك لا يؤخذ بها في الاعتقادات، لأن الاعتقادات مبنية على الجزم واليقين، ولا يكفي فيها غلبة الظن التي تفيدها سنة الآحاد، لأن الظن في الاعتقادات لا يغني عن الحق شيئًا. ...

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


... ويشترط للعمل بخبر الواحد عند أبي حنيفة- زيادة على الثقة بالراوي وعدالته: ألا يخالف عمله ما يرويه، يعني: ألا يخالف الراوي الحديث الذي رواه، ومن ذلك ما روي أن أبا هريرة كان يروي خبر: {{إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب الطهور}}، فإن أبا حنيفة لم يأخذ به، يعني: لم يشترط السبع مرات؛ لماذا؟ قالوا: لأن أبا هريرة نفسه -وهو راوي الخبر- كان يأخذ به، فكان يكتفي بالغسل ثلاثًا، فيكون هذا أمارة الضعف في الرواية في صدق نسبتها إلى نفس الراوي.
ويشترط مالك رضي الله عنه للعمل بسنة الآحاد: ألا تخالف ما عليه أهل المدينة؛ لأنه من مذهبه أن ما عليه أهل المدينة في الأمور الدينية اشتهرت روايته واستفاضت فلا يخفى على أحد.

حجية السنة بجميع أنواعها
وإذ قد قررنا أن السنة مصدر تشريعي معتبر في جميع الأحكام الشرعية وأن الأحكام السياسية والدستورية في النظام الإسلامي هي جانب من الأحكام الشرعية العملية فإننا نقرر في هذا الصدد وبارتياح تام أن السنة تعتبر مصدرًا لهذه الأحكام كغيرها تمامًا، بلا فرق في هذا بين السنة المتواترة، والسنة المشهورة، وسنة الآحاد، ويظهر هذا في تلك الوثيقة المكتوبة التي عرفت باسم دستور المدينة، أو ما يطلق عليها الصحيفة وهي الأساس في المرحلة الأولى لنشأة الدولة الإسلامية في حقوق الحاكم وحقوق الرعية وتنظيم المجتمع والدولة، ...

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


... وكذلك تتردد في نصوص السنة المطهرة كلمات: الراعي، والرعية، والبيعة، والإمارة، والطاعة للأمير، وفيها تشريعات في حقوق الحاكم ومسئوليته، وحقوق الأفراد، وحرياتهم، والسيادة، والسلم، والحرب، والمعاهدة، والقضاء والشورى، ومركز الأقليات الدينية، وغير ذلك مما يدخل في صميم الأحكام الدستورية، والسياسية بالمصطلح المعاصر.
ومعنى ذلك: أن السنة إنما أيضًا مثل القرآن الكريم تعتبر مصدرًا من مصادر الأحكام الدستورية والسياسية في الدولة الإسلامية؛ لأنه كما قلنا: ذكرت أمور هي من صميم النواحي الدستورية والسياسية؛ مثل: الإمارة والطاعة للأمير وغير ذلك وحقوق الأفراد وحرياتهم وعلاقة المسلمين بغيرهم في السلم والحرب وغير ذلك.
لذا فإنا نعجب غاية العجب مما ذهب إليه أحد الكاتبين المحدثين من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في ميدان الأحكام السياسية والدستورية، فبعض الكتاب المحدثين في العصر الحالي بدأ يعارض في هذا ويرى أن سنة الآحاد لا تصلح أن تكون مصدرًا للأحكام الدستورية والسياسية في الدولة الإسلامية.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


ونعجب غاية العجب مما ذهب إليه هذا البعض من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في ميدان الأحكام السياسية والدستورية، ولكنا إذا التمسنا عذرًا لهذا الكاتب بكونه من غير المختصين بعلوم الحديث والسنة أو المتمرسين في الدراسات الإسلامية، ولذلك فكلامه لا يعدو أن يكون مجرد رأي لصاحبه، فقد ينتهي الأمر عند هذا، إنما هذا لا يمنعنا على كل حال من طرح بعض أفكار هذا المؤلف القانوني المعروف باسم الدكتور/ عبد الحميد متولي، وهو دكتور في القوانين الدستورية في كليات الحقوق، نقول: ينبغي علينا أن نعرض لبعض أفكاره لنتبين ما في هذه الأفكار من الاشتباه ونصحح ما يجب تصحيحه منها.

خلاصة رأي الدكتور عبد الحميد متولي ومناقشته فيه
يرى الأستاذ الدكتور عبد الحميد متولي أنه في مقام القانون الدستوري لا يجوز أن نأخذ بسنة الآحاد حين تكون مستقلة، أي: حين تأتي بأحكام أو مبادئ جديدة لم ينص عليها في القرآن وذلك للاعتبارين التاليين:
أهمية الأحكام الدستورية وخطورتها.
أن سنة الآحاد غير يقينية.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


الدكتور عبد الحميد متولي لا يأخذ بسنة الآحاد بالنسبة للأحكام الدستورية، ويبرر عدم أخذه بسنة الآحاد بالنسبة لهذه الأحكام الدستورية بقوله: أهمية الأحكام الدستورية وخطورتها، يعني: بسبب هذه الأهمية والخطورة، فلا يصلح أن تثبت بسنة الآحاد، وأيضًا يقول: بأن سنة الآحاد غير يقينية.
ثم يتابع الأستاذ حديثه فيوضح الأمر، فيقول: إن الأحكام المتعلقة بالقانون الدستوري هي على قسط كبير من الأهمية والخطورة؛ لأنها تتعلق بالنظام السياسي للدولة، أي: بنظام الحكم فيها، وبيان حريات الأفراد وحقوقهم الأساسية إزاء الدولة، لذلك لم يكن من المقبول أن نأخذ بالسنة في هذا المقام إلا إذا كانت يقينية، أي: متواترة أو على الأقل سنة مشهورة.
هذا هو نص كلام الدكتور، عبد الحميد متولي، والذي نود أن نناقش به الأستاذ الفاضل هو:
هل تخرج الأحكام الدستورية والسياسية عن كونها أحكامًا شرعية يحتج في صددها بما يحتج بها في بقية الأحكام؟ ومن بين ذلك -بطبيعة الحال- سنة الآحاد متى صحت نسبتها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن رواها العدل الضابط عن مثله إلى منتهاها، ولم يكن الحديث شاذًّا ولا معللًا بعلة تقدح فيه.
يعني: ما دمنا نستدل بسنة الآحاد في الأحكام الأخرى غير الدستورية ينبغي علينا أن نحتج بها في الأحكام الدستورية أيضًا، وتكون مصدرًا للأحكام الدستورية أيضًا، ما دام الذي رواها يتصف بالعدل والضبط، ...

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


... وما ذهب إليه الأستاذ الفاضل لا يصح في مقام الشريعة الإسلامية التي لا تعتبر أي ميزة لأحكام القانون العام على أحكام القانون الخاص، فكل حكم شرعي قام الدليل على طلبه -على أي نحو- كان وجب الوقوف عنده.
والفقهاء الذين تطلبوا في سنة الآحاد شروطًا خاصة للعمل بها كالمالكية والحنفية على ما ذكرنا، فليس يترتب على تخلف هذه الشروط في نظرهم رد سنة الآحاد جملة وتفصيلًا، وإنما هم يحتجون في سنة الآحاد في كثير من الأحكام باستثناء بعض الأحاديث القليلة النادرة التي تخالف ما اشترطوه في العمل بهذه السنة.
وهل تصل أحكام القانون السياسي والدستوري في خطورتها إلى مستوى العقائد التي ارتأى علماء الأصول والفقه: أنه لا يكفي إثباتها غلبة الظن الذي تفيده سنة الآحاد، وإنما يلزم أن يكون دليل إثبات العقائد يقينيًّا؛ لأن الظن في هذا الصدد لا يغني من الحق شيئًا؟
أعتقد أن أحكام القانون السياسي والدستوري لا تصل إلى مرتبة العقائد حتى نشترط لها أحاديث تفيد اليقين، مثل: الأحاديث المتواترة.
على أن نلاحظ: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو صاحب الشرع ومؤسس دولة المسلمين قد تواتر عنه إرساله الرسل والقضاة والأمراء إلى الآفاق وإلى الدول المجاورة، وكانوا مع ذلك آحادًا، ولم يقل أحد بأن هذا الإرسال غير صحيح، بل كان أهل البلدان المختلفة يلتزمون بتلك الأحكام التي يبلغهم إياها الرسل والأمراء والقضاة من قبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولو لم يكن خبر الواحد حجة ملزمة لما التزموا بذلك.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


وأيضًا فقد ذكر الشافعي في (الرسالة) ما يفيد الاحتجاج بخبر الواحد من أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد قال عليه الصلاة والسلام: {{نضر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه}}، قال الشافعي فلما ندب الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها من عبد واحد دل على أنه -عليه الصلاة والسلام- لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه.
إذن: معنى ذلك أن هذه الأحاديث -أحاديث الآحاد- يبين لنا الإمام الشافعي أنه يحتج بها، أليست هذه الأعمال كإرسال الرسل، والأمراء والقضاة، ونحو ذلك من صميم المسائل الدستورية والسياسية التي يدعي الدكتور عبد الحميد متولي أنها على درجة كبيرة من الخطورة والأهمية، ومن ثم ينتهي إلى أنه لا يكتفي في إثباتها بسنة الآحاد لأنها غير يقينية؟
نقول: إرسال الرسل والأمراء والقضاة التي تعتبر من المسائل الدستورية والسياسية تخالف ما ذهب إليه الدكتور عبد الحميد متولي، وبذلك لم يكن على صواب فيما ذهب إليه من عدم الاعتماد -أو عدم الأخذ- بسنة الآحاد في الأحكام الدستورية.
إننا نذكّر هنا بما سبق أن أشرنا إليه من أن الأحكام الشرعية التي لا تتصل بالعقيدة يكفي في شأنها غلبة الظن فقط، ومن ثم يجب العمل بهذه الأحكام عند ذلك؛ لئلا تتعطل الأحكام لندرة القواطع وقلة مدارك اليقين، وإنما تطلب العلماء في مجال العقيدة أن يكون دليل الإثبات يقينًا؛ لأن الظن لا يغني في هذا المجال كما ذكرنا.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


ولكي يكون دليل إثبات العقائد معلومًا من الدين بالضرورة، حتى يترتب الكفر عند رده أو عدم العمل به، ولذلك قرر العلماء: أن من أنكر سنة متواترة قطعية في دلالاتها فقد أنكر معلوم من الدين بالضرورة، ومن ثم يحكم بكفره؛ لأنها تفيد القطع واليقين في صحة نسبتها إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن أنكر سنة آحاد أو جحدها يكون عاصيًا وليس كافرًا؛ لأنها تفيد الظن الراجح في نسبتها إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولم يقل أحد -على الإطلاق- من أهل العلم المعتبرين: بأن سنة الآحاد لا تصلح لابتناء أي نوع من الأحكام الشرعية عليها فيما عدا العقائد كما ذكرنا.
وهذا هو الذي قرره الإمام أبو حامد الغزالي حين ذكر في (المستصفى) أن خبر الواحد لا تثبت به الأصول، أي: أصول الدين وعقائده، فهذه لا تثبت إلا بالدليل القطعي من القرآن أو السنة المتواترة.
وأما ما عدا ذلك فسنة الآحاد تعتبر مصدرًا تشريعيًّا في جميع المعاملات بلا استثناء ومنها مسائل السياسة الشرعية أو الأحكام السياسية والدستورية.


٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


وبناء على ذلك:
فليس بصحيح ما ذهب إليه الدكتور عبد الحميد متولي من الفهم الخطأ لعبارة الغزالي على أنها تعني:
أولًا: أن خبر الواحد لا تثبت به الأصول، أي: أصول الأحكام الشرعية مطلقًا، أي: مصادرها، فليست سنة الآحاد -إذن- في منطق الدكتور متولي من بين مصادر الأحكام الشرعية، ولا يسعفه في ذلك ما نقله عن الغزالي الذي فهم عبارته خطأ.
ثانيًا: لأنَّ الغزالي في كتبه المختلفة إنما يحتج كثيرًا بسنة الآحاد، وأحيانًا يحتج بأحاديث ضعيفة من هذه السنة، ويقدمها على الأخذ بالرأي.
وليس بصحيح -أيضًا- ما ذهب إليه الدكتور متولي من: أنه لا يجوز العمل بسنة الآحاد في مقام القانون الدستوري؛ لأن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- كانا لا يأخذان بالحديث في مقام التشريع، ولو كان تشريعًا عاديًّا أي غير دستوري، إذا كان راوي الحديث صحابيًّا واحدًا، بل كان كل منهما يطلب على سبيل التيقن من صحة الحديث من يشهد مع الراوي؛ لذلك كان من الطبيعي والضروري أن نتخذ بصدد التشريعات الدستورية من أسباب الحيطة والتيقن ما يفوق كثيرًا ما نتخذه بصدد التشريعات العادية، لا سيما بعد أن انقضى على عهد الرسول العديد من القرون، ودخل على رواية الحديث الكثير من دروب الكذب والتحريف، هذا هو كلام الدكتور عبد الحميد في كتابه (مبادئ نظام الحكم في الإسلام).

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


هو يستند في ذلك إلى أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عمر -رضوان الله تبارك وتعالى عنهما- كانوا لا يأخذون بالحديث إذا كان يقول به صحابي واحد، بل يسألون عن أشخاص آخرين، ربما سمعوا هذا الحديث، فهو يقول: ما دام أبو بكر وعمر كانوا لا يعتمدون ولا يأخذون بهذا الحديث إلا بالرجوع والسؤال عن مدى صحة الحديث عند غير الذي قال به، يقول: بالقياس على ما فعله أبو بكر وما فعله عمر ينبغي علينا ألا نأخذ بسنة الآحاد في أمور مهمة، مثل الأحكام الدستورية في الحكم.
ويرد على ذلك ونقول ما ذهب إليه المؤلف الفاضل غير صحيح؛ لأن المعروف عن صحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنهم كانوا: إذا ثبت عندهم الحديث فإنهم يحتجون به، وقد كانوا يعملون بخبر الواحد، وتواتر عندهم ذلك، وما ردوه من الأخبار أو توقفوا فيه فإنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض أو فوات شرط، لا لأنهم يرفضون العمل بسنة الآحاد أصلًا كما فهمه خطأ ذلك المؤلف الذي يتصور أن حديث الآحاد هو ما رواه واحد فقط، وهذا بطبيعة الحال ينم عن جهل فاضح بسنة الآحاد التي لم تتوافر لها شروط التواتر أو الشهرة على مصطلح الحنفية.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


على كل حال: يتضح من هذا أن الدكتور ما فهم معنى سنة الآحاد؛ ولذلك هو نظر إلى أنه بعض الأحيان كان سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر عندما يخبرهم أحد الصحابة بالحديث إنما كانوا لا يقتنعون بذلك ويسألون الصحابة الآخرين: هل سمعتم هذا الحديث أم لم تسمعوه؟ إنما فعل ذلك الإمامان الجليلان من أجل وجود معارض لما يؤدي إليه هذا الحديث فهم فقط يريدون أن يتأكدوا من ذلك، ويريدون أن يزيلوا هذا التعارض، لكن عندما يتأكدون من صحة هذا الحديث ليس معناه: أنهم لا يأخذون بسنة الآحاد، فقد كانوا يأخذون بسنة الآحاد، وسنة الآحاد ليس بلازم أن يرويها واحد كما فهم ذلك الدكتور عبد الحميد متولي، ولكن قد يكون واحد أو اثنين أو ثلاثة، المهم: لم يبلغوا درجة التواتر الذي تستحيل العادة تواطئهم على الكذب.
وليس بصحيح كذلك ما ذهب إليه الدكتور متولي من عدم الاحتجاج بسنة الآحاد في مقام القانون الدستوري؛ لأن أبا حنيفة -رضي الله عنه- كان لا يقبل أحاديث الآحاد، إذ كان لا يقبل سوى الأحاديث المشهورة، وكان ذلك راجعًا لانتشار الوضع في الحديث، يعني: الإمام أو الدكتور متولي يقول: لا نأخذ بسنة الآحاد ويستدل على ذلك بأن الإمام أبو حنيفة كان لا يقبل أحاديث الآحاد، فما دام الإمام أبو حنيفة كان لا يأخذ بأحاديث الآحاد - الدكتور متولي يقول هذا- يقول: ما دام الإمام أبو حنيفة كان لا يقبل أحاديث الآحاد. فأيضًا نقول: قياسًا على ما ذهب إليه لا نأخذ أيضًا بهذه الأحاديث نقول:

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


أولًا: هذا النقل عن الإمام أبي حنيفة، وهو: أنه لا يقبل أحاديث الآحاد هو في الواقع نقل غريب عن أبي حنيفة لم يقل به أحد من العلماء، إذ المقرر عند العلماء في مجال الاحتجاج بخبر الواحد هو ما يلي:
ذهب الخوارج والمعتزلة إلى عدم الاحتجاج بخبر الواحد؛ لأنه لا يفيد العلم المقطوع به، وذهب داود الظاهري إلى الأخذ بأحاديث الآحاد وأنه يفيد العلم والعمل جميعًا، وقد اختار هذا الرأي ابن حزم وانتصر له كثيرًا في كتابه (الأحكام) وحكي هذا أيضًا: عن مالك وأحمد، وهو رأي كثير من علماء الحديث؛ لأن الحكم الذي يوجب العمل به يوجب العلم اليقيني.
وذهب جمهور الفقهاء من العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى وجوب العمل بخبر الواحد مع كونه لا يفيد إلا الظن الراجح فقط، لأنه لا تلازم بين وجوب العمل وإفادة العلم، ولأن الظن الراجح كافٍ في الأمور العملية.
فإذن: وجدنا الجماعة الأحناف مع جمهور الفقهاء الذين يقولون بوجوب العمل بخبر الواحد، معنى ذلك: أن نقل الدكتور عبد الحميد متولي عن الإمام أبي حنيفة، وأنه كان لا يأخذ بسنة الآحاد هذا النقل مشكوك فيه وغير سليم.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


ثانيا: فالمنقول عن الحنفية في كتبهم: أنهم يجعلون السنة في المرتبة الثانية بعد القرآن فهي المصدر الثاني للتشريع، سواء كانت متواترة أو مشهورة أو آحاد إذا جاءت على شروطهم، ولا يلجئون إلى الرأي والقياس إلا إذا لم يجدوا في المسألة حديثًا، بل المعروف عن الحنفية أنهم يقدمون الحديث الضعيف على الرأي والقياس، وكذلك يقدمون قول الصحابي على الرأي والقياس أيضًا، فهل يظن بمن كانت هذه أصوله في استنباط الأحكام: أنه يرد سنة الآحاد جملة كما فهمه خطأ الدكتور متولي؟ هذا أمر غير صحيح.
وهناك شبهة أخيرة ذكرها الدكتور عبد الحميد متولي، وهي: أن صحيح البخاري قد تعرض للنقض من بعض علماء الحديث، كالإمام أحمد الذي لم يشهد بالصحة لأربعة أحاديث مما جمعه البخاري، وكذلك قد انتقد العلماء الآخرون مائة وعشرة من أحاديث البخاري، والإمام مسلم لم يوافق البخاري على جميع ما جمعه من الأحاديث، بل اختلف معه فيها، والعلماء يرون: أن صحيح البخاري لا يفيد إلا الظن فقط. وهذا كلام فيه من التعميم ما لا يناسب طبيعة البحث العلمي، فضلًا عن أن بعضه غير صحيح مطلقًا، وبيان ذلك من ناحيتين:

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


أولًا: من المسلم به أن أحاديث البخاري صحيحة، ومنها ما هو متواتر وما هو مشهور وما هو سنة آحاد، وإذا كان بعض العلماء قد انتقد البخاري فيما جمعه من بعض الأحاديث، فهذا لا يعني الطعن في صحة هذه الأحاديث، وإنما معناه: أنهم كانوا يختلفون في مدى حكمهم على السنة ومدى رأيهم في رجال هذا السند، فهذا أمر راجع لاختلاف معايير الضبط والصحة التي تتفاوت عند علماء الحديث، فالشروط التي وضعها البخاري مثلًا: تختلف عن تلك التي وضعها مسلم، وهذه أمور لا تقلل من قيمة صحيح البخاري أو صحيح مسلم، بل قد قرر العلماء أن أعلى درجات الصحة في الحديث تكون فيما اتفق عليه البخاري ومسلم. وقد جمع الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي من هذه الأحاديث ما أسماه بكتاب (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) فالأحاديث التي وردت في هذا الكتاب هي عبارة عن ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ولذلك فيه في أقصى درجات الصحة، ويليها في ذلك ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطيهما، ولم يخرجاه.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


ثانيًا: بالنسبة لمسألة الظن والقطع في صحيح البخاري فليس هذا حكمًا يلقى على عواهنه كيفهما اتفق؛ لأن المقرر لدى أهل العلم أن الذي يفيد القطع من السنة هو الحديث المتواتر، سواء كان في صحيح البخاري أو في غيره، وأما الحديث المشهور فهو يفيد ظنًّا يقرب من الطمأنينة ولا يرقى إلى مستوى اليقين الذي يفيده الحديث المتواتر، وأما الذي يفيد الظن فهو سنة الآحاد، سواء كانت في (صحيح البخاري) أو في غيره، وهي على كل حال تكفي لوجوب العمل في غير مجال الاعتقاد؛ لأنه لا تلازم كما ذكرنا بين وجوب العمل ووجوب العمل، بل يكفي الظن بصدق الراوي حتى يترجح وجود أمر الله تعالى وأمر رسوله -صلى الله عليه وسلم؛ فيكون من قبيل الاحتياط العمل بالراجح.

ثالثًا: من مصادر التشريع الإسلامي: الإجماع
والإجماع في اللغة هو: الاتفاق، يقال: أجمعت الجماعة على كذا إذا اتفقوا عليه، ويطلق بإزاء تصميم العزم، يقول: أجمع فلان رأيه على كذا إذا صمم عزمه، قال الله تعالى: ((فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ)) [يونس: ٧١].
ومعنى الإجماع في الشرع: اتفاق المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على حكم شرعي، والعلماء الذين يعتبر اتفاقهم في الإجماع هم المجتهدون الذين يملكون القدرة على استنباط الأحكام من مصادرها.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


وعلى ذلك: فلا يدخل في هذا الصدد اتفاق عامة الناس؛ لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد، وأهل الاجتهاد معروفون مشتهرون في كل عصر، ولا يمكن أن ينعقد الإجماع في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأنهم إن وافقوا الرسول -صلى الله عليه وسلم.
فالحجة في قوله وفعله -عليه الصلاة والسلام- ويكون ذلك من قبيل السنة، وإن خالفوه فلا عبرة بخلافهم ما دام -صلى الله عليه وسلم- بين أظهرهم يبين عن الله تعالى ما يوحى به إليه، ولا بد وأن يكون اتفاق المجتهدين على حكم من الأحكام الشرعية ليخرج الأحكام العقلية أو اللغوية أو العادية فلا يسمى الاتفاق بشأنها إجماعًا.

هل يمكن وقوع الإجماع في هذا الزمان؟
ذهب بعض العلماء إلى استحالة وقوع الإجماع، بمعنى: اتفاق جميع المجتهدين في عصر من العصور على حكم من الأحكام؛ نظرًا لتفرق المجتهدين في الأمصار، وعدم التقاء الفقهاء مما يجعل من الصعب الوقوف على آرائهم، وعدم معرفة المجتهد من غير المجتهد؛ نظرًا لحصول الاختلاف بين فقهاء أهل كل بلد من الحواضر الإسلامية، وعلى ذلك فيستحيل أن يتفق جميع المجتهدين على حكم شرعي مختلف فيه.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


ولكن جماهير العلماء يرون: أنَّ الإجماع ممكن عقلًا، ووجوده متصور؛ لأنَّ الأمة مجمعة على وجوب الصلوات الخمس، وسائر أركان الإسلام، وكيف نمنع تصور الإجماع، والأمة كلها متعبدة بالنصوص، والأدلة القواطع معرضون للعقاب بمخالفتها، وكما لا يمتنع اتفاقهم على الأكل والشرب لا يمتنع اتفاقهم على أمر من أمور الدين.
وإذا جاز اتفاق اليهود مع كثرتهم على باطل، فلمَ لا يجوز اتفاق أهل الحق على الحق، وقد وقع الإجماع بالفعل، وتحقق في عصر الصحابة كإجماعهم على: أن الجدة تأخذ السدس تنفرد به الواحدة وتشترك فيه الأكثر من واحدة، وإجماعهم على عدم نكاح المرأة على عمتها أو خالتها، وإجماعهم على أن الإخوة والأخوات لأب يقومون مقام الأشقاء إن لم يكن أشقاء، وإجماعهم على بطلان زواج المسلمة بغير المسلم وغير ذلك مما يطول حصره واستقصاؤه. والذي نراه في هذا المقام: أن انعقاد الإجماع بالمنظور الأصولي أمر يكاد لا يتحقق في الواقع، إنه إن أمكن تحقق هذا الإجماع في عصر الصحابة لقلة عددهم، وتجمعهم في المدينة، ومعرفتهم، وشهرتهم، مما يسهل الوقوف على آرائهم، وقد كان عمر -رضي الله عنه- يحرّم على كبار الصحابة وأهل الرأي مغادرة المدينة إلى البلاد المفتوحة إلا عند الضرورة.
نقول: إن أمكن هذا في عصر الصحابة، فهو غير ممكن في عصر التابعين ومن بعدهم بعد تفرق العلماء والمجتهدين في الأمصار والبلدان المفتوحة وإقامتهم بها، وكثرة عددهم، واستقلال كل منهم باجتهاده في بلده، وهو ما جعل الاجتهاد يتسم بالصورة الفردية.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


ومن هنا تعثر انعقاد الإجماع، ولم يكن ميسورًا ولا سهلًا وقوعه، وهو ما جعل ابن حنبل والشافعي أيضًا يؤثرون على تعبير الإجماع، أن يقال: لا نعلم في المسألة خلافًا يعني: الإمام الشافعي وابن حنبل كانوا يفضلون أن يعبروا عن الإجماع بقولهم: لا نعلم في المسألة خلافًا، لكن لا يعبرون بالإجماع، لماذا ؟ كأنهم يرون: عدم تحقق الإجماع.
وأن من ادعى الإجماع يرون ذلك، فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، وقد يكون من المفيد أن ننادي مع البعض في هذا الصدد بضرورة الاعتناء بالمجامع الفقهية في هذه الأيام التي تضم جميع الفقهاء في العالم الإسلامي، حيث يكون لهذه المجامع أماكنها المعروفة، وتتهيأ لهذه الفرص المناسبة والإمكانات اللازمة، ويسهل الاتصال فيما بينها، وتجتمع في أوقات معينة دورية ثم تعرض عليها المسائل والوقائع الجديدة لدراستها، وإظهار حكم الشرع فيها، ثم تنشر هذه الأحكام بواسطة الإذاعات أو المجلات أو الكتب الدورية؛ ليطلع الناس عليها ويبدي أهل العلم منهم رأيهم فيها؛ لاحتمال ألا يتيسر انضمام جميع الفقهاء إلى هذه المجامع، ثم تلاحظ المجامع الفقهية هذه الآراء المختلفة من أعضائها النظاميين، وممن هم خارجها، وإذا اتفقت آراء هذه المجامع على حكم، كان من الممكن أن يكون هذا مثالًا لما يمكن تسميته بالاجتهاد الجماعي الذي يقرب من الإجماع الذي تحدث عنه الأصوليون، وإننا لنجد في هيئة كبار العلماء في مصر قبل إلغائها وفي مجمع البحوث الإسلامية الآن ما يمثل النواة لتحقيق هذه الفكرة التي ندعو إليها.


٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


حجية الإجماع
يستدل على حجية الإجماع بنحو قول الله تبارك وتعالى: ((وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) [النساء: ١١٥] فهذا يوجب اتباع سبيل المؤمنين، ويحرّم مخالفتهم، ولا يقال في هذا الصدد: بأنه إنما توعد على مشاقة الرسول، وترك اتباع سبيل المؤمنين معه، فالتارك لأحدهما بمفرده لا يلحق به الوعيد، لا يقال: مثل ذلك؛ لأنَّ التوعد على شيئين يقتضي أن يكون الوعيد على كل واحد منهما منفردًا أو بهما معًا، ولا يجوز أن يختص الوعيد بأحدهما دون الآخر.
وفي السنة ما يشهد لحجية الإجماع كقول النبي صلى الله عليه وسلم: {{لا تجتمع أمتي على ضلالة}}، وفي رواية: {{لم يكن الله ليجمع هذه الأمة على خطأ}}، وقال صلى الله عليه وسلم: {{ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوه قبيحًا فهو عند الله قبيح}}، وقال أيضًا: {{من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه}}، وقال أيضًا: {{من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية}}.
فهذه الأخبار لم تزل ظاهرة مشهورة في الصحيح والتابعين لم يدفعها أحد من السلف والخلف وهي وإن لم يتواتر آحادها حصل لنا بمجموعها العلم الضروري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- عظّم شأن هذه الأمة وبيَّن عصمتها من الخطأ، ومن وجه آخر أن هذه الأحاديث لم تزل مشهورة بين الصحابة والتابعين يتمسكون بها في إثبات الإجماع، ولا يظهر فيه أحد خلافًا.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


قد يرد سؤال هنا، وهو: هل يكون الإجماع مصدرًا للأحكام الدستورية والسياسية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تكاد تبدو بدهية لا صعوبة فيها، إذا ما عرفنا: أن هذه الأحكام هي جزء من الأحكام الشرعية بصفة عامة، ومصادر الشريعة التي من بينها الإجماع تستقى منها الأحكام الشرعية مطلقًا، سواء كانت هذه الأحكام من قبيل التشريعات العادية بلغة أهل القانون أم كانت من قبيل التشريعات السياسية والدستورية، فليس في الشريعة مجال لتصنيف الأحكام على النحو المقرر في القانون إلى أحكام القانون الخاص التي تكون منظمة لعلاقات الأفراد فيهما بينهم، وأحكام القانون العام التي تنظم علاقة الأفراد بالدولة التي تحكمهم، وبطبيعة الحال يكون للنوع الأخير بعض الأهمية من حيث خطورة المسائل التي يعالجها، وهو ما أوقع البعض على أن يقول بأن الإجماع لا يكون مصدرًا من المصادر التي تستقى منها الأحكام الدستورية والسياسية.
لكن الإجماع باعتباره مصدرًا شرعيًّا يصلح لإثبات كافة الأحكام الشرعية به، وقد أجمع الصحابة بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على وجوب الإمامة، وتلك مسألة من أخص خصائص القانون الدستوري والسياسي، فقد ذكر ابن خلدون في (المقدمة) أن نصب الإمام واجب قد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين؛ لأنَّ أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بادروا إلى بيعة أبي بكر -رضي الله عنه- وتسليم النظر إليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من بعد ذلك، ولم تترك الناس فوضى في عصر من الأعصار، واستقر ذلك إجماعًا على وجوب نصب الإمام.

٢.٧ مصادر الأحكام التشريعية الدستورية الإسلامية: القرآن والسنة، والإجماع


وحتى ولو سلمنا بصعوبة انعقاد الإجماع بعد عصر الصحابة، فقد ذكر العلماء أن الإمامة ما دامت تحصل بالاختيار والبيعة؛ فإنها لا تفتقر إلى إجماع من جميع أهل الحل والعقد، بل يأتي أو يكفي في ذلك رأي واحد أو اثنين منهم، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، كما أجمع الصحابة على البيعة كوسيلة لإسناد السلطة إلى رئيس الدولة، كما حصل في مبايعتهم لأبي بكر، وأجمعوا كذلك على محاربة المرتدين في عهد أبي بكر، وكل هذه مسائل سياسية ودستورية بلغة أهل القانون، أو من مسائل السياسة الشرعية بلغة فقهاء المسلمين، كل هذا دليل على أن الإجماع مصدر من مصادر الأحكام السياسية في الدولة الإسلامية.