٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
تعريف الخراج
هو الإتاوة تؤخذ من أموال الناس وهو شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم، والخراج شرعًا هو ما يفرض على الأرض التي فتحها المسلمون عنوة أو صلحًا، فهو: ما يأخذه ولي الأمر من وظيفة الأرض، وعرف أيضًا بأنه ما وضع على رقاب الأرض من حقوق تؤدى عنها.
تاريخ الخراج
الخراج ليس من محدثات الإسلام، بل كان موجودًا قبل الإسلام فهو من أقدم أنواع الضرائب التي عرفها التاريخ، حيث وجد عند الفراعنة والبطالسة والرومان والفرس، ولكن نظامه لم يكن واحد في تلك الأمم، بل كان يختلف في المقدار وكيفية الجباية.
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
العمومية في الخراج
إن العمومية في الخراج تعني أن يؤدي جميع من توافرت بالنسبة له شروط وجوب الخراج يؤدي المقدار المحدد والمفروض عليه من هذا الخراج، فلا يعفى أحد من أدائه دون مبرر، وأيضًا تعني تلك العمومية أن يفرض الخراج على جميع الأراضي التي توافرت بالنسبة لها شروط وجوب الخراج، ومعنى ذلك أن العمومية في الخراج تجمع بين الشخصية والمادية، ولذلك سوف نتحدث عن العمومية الشخصية والمادية في الخراج.
العمومية الشخصية في الخراج
يعتبر الخراج ضريبة على إيراد العقار، وهو من الموارد المالية المستحدثة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ولقد أوجبه باعتباره ولي أمر المسلمين ورفض ما طلبه بعض أصحابه من قسمة أرض السواد كما تقسم غنيمة الجيش، وتلا عليهم آيات الفيء من قوله تعالى: ((وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ)) [الحشر: ٦] إلى قوله تعالى: ((وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)) [الحشر: ١٠] ثم قال: فقد أشرك الله الذين يأتون من بعدكم في هذا الفيء فلو قسمته لم يبق لمن بعدكم شيء، ولقد ذهب أبو عبيد في تأويله لما فعله سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ...
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
...حينما وضع نظام الخراج ووظفه على أهله أن جعله شاملًا عامًا على كل من صارت الأرض في يده، سواء كان رجلًا أو امرأة أو صبيًّا أو مكاتبًا أو عبدًا، فصاروا متساوين فيها، فهو لم يستثن أحدًا دون أحد، ومما يدل على ذلك أن عمر قال في دهقانة نهر الملك حين أسلمت: دعوها في أرضها تؤدى عنها الخراج فأوجب عليها ما أوجب على الرجال.
إذن بالنسبة للعمومية الشخصية تتسع بالنسبة للخراج أكثر منها بالنسبة للجزية كما ذكرنا، وعلى ذلك فكل الأشخاص الذين صارت أرض الخراج في أيديهم مكلفون بأداء الخراج، ومن هذا نرى أن مبدأ المساواة بين المكلفين بالخراج في تحمل عبئه قد تحقق على الوجه الأكمل، ومعنى هذا أيضًا أن العمومية الشخصية بالنسبة لضريبة الخراج قد تحققت إلى أقصى درجة ممكنة.
وهنا يرد سؤال، هل يجب الخراج على المسلم؟ أن الفقهاء اختلفوا فيه على رأيين:
 |
يرى جمهور الفقهاء وجوب الخراج على المسلم، سواء كان ذميًّا ثم أسلم وأرض الخراج معه، أو اشترى مسلم أرضًا خراجية من ذمي، واستدلوا على ذلك بما روي عن ابن شهاب أنه قال: كتب إليّ عمر بن الخطاب في دهقانة نهر الملك بعد ما أسلمت: أن ادفعوا إليها أرضها تؤدي عنها الخراج، ومعنى ذلك أنها أسلمت ومع ذلك فرض عليها الخراج، فمعنى ذلك أن الخراج يجب على المسلم أيضًا. |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
 |
ويرى بعض الفقهاء أن الخراج لا يجب على المسلم، وهو بذلك يقيس خراج الأرض على خراج الرأس أي: الجزية فكما لا تجب الجزية على المسلم بعد إسلامه فكذلك لا يجب عليه الخراج بعد إسلامه. |
العمومية المادية في الخراج
يجب الخراج في كل أرض فتحت عنوة أو صولح أهلها على أن يقروا فيها ويؤدوا خراجها وفي كل أرض يصل إليها ماء الخراج، فالأرض التي يضرب عليها الخراج ابتداء إذا كانت تحت يد ذمي هي الأرض المفتوحة عنوة وقهرًا إذا أمن الإمام على أصحابها وتركها في أيديهم كما فعل عمر بن الخطاب بأرض مصر وأرض السواد وغيرها، الأرض التي صولح أهلها على وظيفة معلومة يؤدونها لما روي عن عمر أنه كان إذا صالح قومًا اشترطت عليهم أن يؤدوا من الخراج كذا وكذا، الأرض العشرية إذا تملكها ذمي فعند أبي حنيفة تصير أرضًا خراجية؛ إذ لا يجب عليه العشر؛ لأنه ليس من أهل وجوبه، ولا بد من العشر أو الخراج فوجب الخراج.
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
يرى بعض العلماء أن الأرض التي تسقى بماء الخراج حتى ولو كانت أرضًا عشرية فيها الخراج؛ لأن السقي بماء الخراج دليل على التزامه، وقد شملت ضريبة الخراج الأرض الزراعية والأرض القابلة للزراعة، وكل أرض بلغها الماء فهي صالحة للزراعة، ويجب عليها الخراج، وكل أرض أمكن زراعتها عليها الخراج وإن لم يتمكن صاحبها بتقصير منه من زراعتها، ومما سبق يتضح أن الخراج يوضع على كل أرض خراجية المزروعة بالفعل أو التي تصلح للزراعة، وإن لم تزرع بالفعل وفي هذا تحقيق للعمومية المادية في الخراج إلى أبعد الحدود الأمر الذي يترتب عليه تحقيق المساواة بين المكلفين بالخراج في تحمل عبئه.
العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الخراج
ومن أهم تلك العوامل:
منع الازدواج في الخراج
 |
ذهب الأحناف إلى أن المسلم الذي بيده أرض خراجية لم يلزمه إلا الخراج، ويسقط عنه العشر؛ لأنه لا يجتمع العشر والخراج معًا، وعللوا ذلك بأن سببهما أي: العشر والخراج، بأن سببهما واحد وهو مئونة الأرض الخراجية، ... |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
|
... وبذلك لا يجتمع في الأرض حقان وهما العشر والخراج، واستدلوا على ما ذهبوا إليه أيضًا بما جرى عليه الولاة والأئمة من عدم الجمع بين العشر والخراج، ولم ينقل عن أحد منهم الجمع بينهما مع كثرة امتلاك المسلمين للأرض الخراجية، فصار هذا بمثابة الإجماع الذي لا تصح مخالفته. وعلى رأي الحنفية يكون أخذ العشر مع الخراج ازدواجًا في الحق الواجب. |
 |
أما جمهور الفقهاء فيرون وجوب الجمع بين العشر والخراج في هذه الحالة؛ وذلك لأنَّ السبب الموجب لأحدهما مختلف، فالزكاة أو العشر تجب في الأرض الخراجية؛ لأنَّ السبب هو المال النامي وقد تحقق النماء، وإذا تحقق السبب وجد المسبب، والخراج يجب في الأرض الخراجية؛ لأنه أجرة الأرض، وإذا اختلف سببهما انتفى الازدواج، هذا وقد نظمت الشريعة الإسلامية طريقة إثبات الضريبة التي منها الخراج، فأمر ولاة الأمور جباة الضريبة أن يعطوا الممولين ما يثبت أنهم دفعوا الضريبة؛ ليكون ذلك حجة لهم تمنع عنهم المطالبة بها مرة أخرى في نفس السنة عن المال نفسه. |
تجنب الراجعية في الخراج
إن مقدار الخراج معلوم إما على أساس مساحة الأرض إذا كان الخراج خراج وظيفة، وإما بنسبة معينة من إنتاج الأرض إذا كان الخراج خراج مقاسمة، وفي كلا النوعين يكون مقدار الخراج واضحًا، ...
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
... ودفع الخراج يكون مرة في السنة إذا كان خراج وظيفة ويكون كلما جُني المحصول في حالة خراج المقاسمة،... ويطمئن عمر بن الخطاب في خطبة له الناس على أنه لن يأخذ منهم الخراج إلا ما يستحق عليهم، ولن يفاجئهم بمقادير من المال وهي ليست مفروضة عليهم فهو يقول: ولكم عليّ أيها الناس خصال أذكرها لكم فخذوني بها، لكم عليّ ألا أجتبي شيئًا من خراجكم ولا مما أفاء الله عليكم إلا من وجهه. وعلى أية حال فثبات الضريبة النسبي نراه واضحًا في ضريبة الخراج، فبعض الشافعية يرون أنه متى استقر وضع الخراج على أرض فإن ذلك يصير مؤبدًا، ولا يجوز أن يزاد فيه ولا ينقص طالما كانت الأرض على أحوالها في سقيها وإصلاحها، ويتبين لنا من خلال ما تقدم أن التشريع الإسلامي قد راعى في تنظيمه للقوانين المنظمة للخراج عدم كثرة تلك القوانين وجعلها واضحة محددة لا تثير أي تحايل، ومن ثم سد الباب أمام التفسيرات والاجتهادات المختلفة بالنسبة لتلك القوانين، وبالتالي قضى على الثغرات التي بواسطتها قد يتمكن المكلف بالخراج من نقل عبء الخراج الذي يفرض عليه إلى غيره من المكلفين، وهذا معناه تجنب الراجعية في الخراج وبتجنب تلك الراجعية تتحقق المساواة الكاملة بين المكلفين بضريبة الخراج في تحمل عبء تلك الضريبة كل حسب مقدرته المالية.
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
التهرب من أداء الخراج
وهناك عدة وسائل من شأنها العمل على مكافحة التهرب من أداء الخراج نذكر من أهمها:
 |
أولًا: عدل عمال الجباية: فالظلم إذا وقع من هؤلاء العمال على الممولين نقصت حصيلة الضريبة بل قد يؤدي ذلك إلى خراب البلاد، وأيضًا فإن عدم المساواة بين المكلفين في المعاملة من جانب عمال الجباية كأن يحابى بعض المكلفين دون البعض من شأن ذلك أن يدعوا غير المحابين إلى التهرب من المقدار الواجب عليهم من الخراج، ومن أجل تفادي ما سبق نجد أن تعاليم الإسلام دعت إلى أن يكون عمال الجباية عادلين مع الممولين رفقاء بهم، وقد طبق عمر بن الخطاب تلك التعاليم بكل دقة، حيث كان لا يكتفي باختيار أفاضل الصحابة لتولي الخراج بل كان يرجع إلى الممولين أنفسهم؛ ليطمئنوه بأنهم لم يظلموا في أداء الخراج، فيروى أنه كان يجبى من العراق كل سنة مائة ألف ألف أوقية، ثم يخرج إليه عشرة من أهل الكوفة، وعشرة من أهل البصرة، يشهدون أربع شهادات بالله أنه من طيب ليس فيه ظلم مسلم ولا معاهد، فعشرون رجلًا يمثلون الممولين يشهدون بالله أربع شهادات أن هذا المال قد أخذ بالحق ولم يظلم فيه مسلم ولا معاهد من الممولين وهم لن يحلفوا إلا إذا كانوا متأكدين مما يحلفون عليه، ومن مصلحتهم ومصلحة من يمثلونهم أن يقولوا الحق، فتلك لا شك طريقة ناجحة لمراقبة ولاة الخراج بواسطة الممولين أنفسهم. |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
 |
وقد ذكر أبو يوسف شروط من يقوم بجباية الخراج في قوله لأمير المؤمنين هارون الرشيد: ورأيت -أبقى الله أمير المؤمنين- أن تتخذ قومًا من أهل الصلاح والدين والأمانة فتولهم الخراج، ثم يقول: وتقدم إلى من وليت ألا يكون عسوفًا لأهل عمله ولا محتقرًا لهم ولا مستخفًا بهم، ولكن يلبس لهم جلبابًا من اللين يشوبه بطرف من الشدة، والاستقصاء من غير أن يظلموا أو يحملوا ما لا يجب عليهم، واللين للمسلم والغلظة للفاجر والعدل على أهل الذمة وإنصاف المظلوم، والشدة على الظالم والعفو عن الناس، فإن ذلك يدعوهم إلى الطاعة، وأن تكون جبايته للخراج كما يرسم له، وترك الابتداع فيما يعاملهم به، والمساواة بينهم في مجلسه ووجهه، حتى يكون القريب والبعيد والشريف والوضيع عنده في الحق سواء ولم يكتف الفقهاء باشتراط شروط معينة في عمال الخراج حتى تتحقق العدالة في التطبيق بل أضافوا إلى ذلك ضرورة رقابة هؤلاء العمال، ضمانًا لعدم خروجهم عن الحدود المرسومة لهم، وفي هذا المعنى يوصي أبو يوسف هارون الرشيد بضرورة مراقبة عمال الخراج، وذلك بأن يرسل خلف عماله قومًا من أهل الصلاح والعفاف ممن يوثق بدينه وأمانته، يسألون عن سيرة العمال وما عملوا به في البلاد، وكيف جبوا الخراج على ما أمروا به وعلى ما وظف على أهل الخراج واستقر؟ فإذا ثبت ذلك عندك وصح أخذوا بما استفضلوا من ذلك أشد الأخذ حتى يؤدوه بعد العقوبة الموجعة والنكال، حتى لا يتعدوا ما أمروا به وما عهد إليهم فيه، فإن كان ما عمل به والي الخراج من الظلم والعسف فإنما يحمل أنه قد أمر به، وقد أمر بغيره وإن أحللت بواحد منهم العقوبة الموجعة انتهى غيره واتقى وخاف، وإن لم تفعل هذا بهم تعدوا على أهل الخراج واجترءوا على ظلمهم وتعسفهم وأخذهم بما لا يجب عليهم. |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
 |
ثانيًا: أن رب الأرض إذا ماطل في أداء الخراج الواجب عليه مع قدرته المالية حبس فيه وفاء له، إلا أن يوجد له مال فيباع عليه في خراجه كالمديون وإن كان لا يملك غير أرض الخراج فللسلطان الخيار في جواز بيعها فيبيع منها بقدر خراجها، أو يقوم بتأجيرها ويستوفي الخراج من مستأجرها، فإن زادت الأجرة فله زيادتها وإن نقصت كان عليه نقصانها.
وهذه العقوبة المالية والبدنية من شأنها أن تردع من تسول له نفسه التهرب من أداء المقدار الواجب عليه من الخراج، فلا يتهرب من ذلك وبالتالي تتحقق المساواة الكاملة بين المكلفين في تحمل التكليف بالخراج كل حسب مقدرته المالية.
|
 |
ثالثًا: حصر الممولين وأموالهم لمعرفة مقدار الضريبة وجبايتها كاملة، فقد أمر عمر بن الخطاب بمسح السواد فبلغ ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع عليها الخراج. |
 |
رابعًا: أن صاحب الأرض إذا ادعى أنه دفع الخراج لم يقبل منه قوله إلا ببينة، فالخراج حق بمثابة الديون، وهذا تطبيق للأصل العام في الإثبات وهو البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وقد ادعى دفع الخراج فلزمته البينة للتأكد من أدائه لضريبة الخراج وفي هذه الحالة يجوز الرجوع إلى سجلات الدولة التي يثبت فيها أداء الخراج حتى لا يطالب به مرة أخرى. |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
 |
خامسًا: طريقة إنفاق الخراج، فإنَّ الخراج ينفق في مصالح الأمة في مكان جبايته، فإن بقي منه شيء أرسل إلى بيت المال لإنفاقه في المرافق العامة للدولة، ومما يؤكد ذلك أن عمرو بن العاص اتبع في مصر طريقة مثلى في جباية الخراج وإنفاقه، فكان ينفق الخراج في حفر خلجان مصر وإقامة جسورها وبناء قناطرها، ثم يرسل الباقي بعد ذلك إلى أمير المؤمنين في المدينة، وعلى الجملة فالأصل هو استخدام حصيلة الخراج في البلد الذي جمعت فيه؛ إظهارًا لهذا الاستخدام، وإعلانًا له ولا شك أن ذلك سيكون له أثر طيب على نفس المكلفين بالخراج يساعدهم على إخراج الواجب عليهم بنفس راضية، ولا يفكرون على الإطلاق في التهرب من أدائه؛ لتيقنهم أن ما يدفعونه يعود عليهم بالنفع وكل هذا يؤدي في النهاية إلى تحقيق المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف بالخراج، كل حسب مقدرته المالية. |
مراعاة ظروف الممول في الخراج
 |
والتشريع الإسلامي في فرضه للخراج لم يسلك طريق جامدة بل إنه راعى في ذلك المقدرة التكليفية للمكلف، يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- راعى أن تقوم ضريبة الخراج على أساس طاقة الأرض، وأن يؤخذ في الاعتبار اختلاف الأراضي من حيث جودة يزكوا بها زرعها أو رداءة يقل بها ريعها، واختلاف الزرع من حيث النوع إذ منها ما يكثر ثمنه واختلاف السقي؛ لأنَّ ما سقي بالنواضح والدوالي لا يحتمل من الخراج ما يحتمله ما سقي بالسيح والأمطار على أن يوضع الخراج من غير حيف بمالك، ولا إجحاف بزارع. |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
 |
ومما يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب سأل عامليه على الخراج حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف؛ ليطمئن إلى أنهما لم يكلفا الممولين فوق طاقتهم فأجاباه بأنهما حملا الأرض ما تطيق، ولو زاد لأطاقت ولكنهما تركا الفضل للناس، وقال عثمان: لقد تركت الضعف ولو شئت لأخذته، ومناقشة عمر لعامليه في مقدار الخراج الذي وضعه على الأرض يدل على عدالة عمر المستمدة من عدالة الإسلام وسماحته بالنسبة لغير المسلمين. |
 |
فالخراج إذن يتحدد مقداره بقدر طاقة الأرض ولهذا جاءت الروايات المختلفة عن عمر في مقادير الخراج، وهي تختلف باختلاف الأرض من حيث الجودة ومقدار الغلة فهو لم يجعل على كل الأرض مقدارًا واحدًا لا يختلف، وإنما راعى في كل أرض ما تحتمله، وهذا يحقق العدل بين الناس فقد وضع عمر على بعض نواحي السواد على كل جريب قفيزًا ودرهمًا، وضرب على ناحية أخرى غير هذا القدر. |
 |
إن العدل في السياسة المالية يقتضي من ولي الأمر ألا يفرض من الضرائب ما يثقل كاهل الناس ويرهقهم، أو لا يتناسب مع درجات الغنى وتفاوت الناس في اليسار، وبمعنى آخر عليه أن يراعي حالة الناس واستعدادهم لأداء ما فرض عليهم، فإذا أصبح الناس غير قادرين على أداء ما فرض عليهم كان من الواجب على ولي الأمر التخفيف عنهم إلى ما يستطيعون، يدل على ذلك أن أحد الخلفاء العباسيين عدل عن خراج الوظيفة الذي كان مقررًا على سواد العراق منذ عهد عمر، إلى خراج المقاسمة حينما رأى أن الأرض لم تعد تفي بما كان موظفًا عليها من قبل، فكان من غير العدل أن يستمر أهل السواد مكلفين بأداء ما وظف على أراضيهم على حين أنها لا تغل لهم ما يتمكنون به من أداء ما فرض عليهم. |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
 |
وهذا الحرص على توزيع أعباء الخراج على الجميع عن طريق مراعاة ما سبق كان أمنية الفرنسيين التي لم تتحقق لهم إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وهذه الطريقة في تحديد مقدار الخراج والسابق بيانها هي الطريقة الحديثة في فرض الضرائب العقارية، والتفاوت في المقدار الواجب في الخراج حسب طاقة الأرض يعتبر أساس فكرة المساواة التي روعيت فيها العدالة؛ لأن المساواة بين غير المتماثلين في المقدرة المالية ظلم كما أوضحنا. |
وقد روعي ظروف المكلف بالخراج في عدة أمور نذكر من أهمها:
 |
أولًا: إعفاء غير القادرين من ضريبة الخراج:
كما يجب الخراج على المكلفين به إذا أطاقت الأرض ذلك، فإن هذا الخراج يسقط في حالات كثيرة من أهمها، إذا أصاب الزرع آفة من الآفات سقط الخراج عن المكلف؛ لأنه مصاب يستحق المعونة، ولو أخذ منه الخراج لكان فيه استئصال لماله، إذا حدث نقص في الخارج من الأرض لم يتسبب فيه الممول كأن ينفجر سد أو يتعطل نهر سقط الخراج، أنه إذا كانت الأرض لا يمكن زراعتها في كل عام حتى تراح في عام وتزرع في آخر، روعي حالها في ابتداء وضع الخراج عليها بمسح كل جريبين بجريب فيكون أحدهما للمزروع والآخر للمتروك، ومعنى هذا إسقاط الخراج عن الأرض في السنة التي لم تزرع فيها، ... |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
|
... وهذا الإعفاء من أداء الخراج من الممكن أن نعتبره مقابلًا لإعفاء ما دون النصاب من الزكاة كما سبق القول، وهذا الإعفاء في رأينا لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بتلك الضريبة، إذ إن هذا التكليف مرتبط بالطاقة المالية للمكلف.
|
 |
ثانيًا: إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة:
يعفى من الخراج المساكن والدور التي هي منازل للمكلفين حيث لم يجعل فيها شيء فما لا يستغنى عن بنيانه لإقامة المكلف في أرض الخراج لزراعتها يسقط عنه الخراج؛ لأنه لا يستقر إلا بمسكن يستوطنه، والسكن من الحاجات الأصلية اللازمة لمعيشة المكلف، وما كان من الحاجات الأصلية معفي من الخراج، يدل على ذلك قول الماوردي: وما جاوز قدر الحاجة مأخوذ بخراجه، ومفهوم ذلك أن ما لا يجاوز قدر الحاجة معفي من الخراج.
أيضًا فإن التشريع الإسلامي يعفي من الخراج الملبس والمأكل ودواب الركوب باعتبار هذه الأشياء من الحاجات الأصلية يدل على ذلك قول علي بن أبي طالب لعامله على الخراج: إذا قدمت عليهم أي: المكلفين بالخراج، فلا تبيعن لهم كسوة شتاء ولا صيف، ولا رزقًا يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها، ولا تبع لأحد منهم عرضًا في شيء من الخراج. وهذا الإعفاء المقرر للحد الأدنى اللازم للمعيشة لا يتعارض فيما نرى مع مبدأ المساواة بين المكلفين بضريبة الخراج في تحمل تلك الضريبة، وذلك لأنَّ حاجة الإنسان وحاجة أهله وولده ومن تلزمه نفقتهم مقدمة على حاجة غيره، فكيف يطلب الخراج من المكلف الذي يكون في مسيس الحاجة إلى ما معه من مال. ... |
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
|
... ومما يراعى أيضًا اختلاف المقدار الواجب من الخراج باختلاف الجهد المبذول، ميز الفقه الإسلامي بين الخارج من أرض الخراج حيث فاوت بين المقدار الواجب بتفاوت الجهد المبذول، فما بذل في إنتاجه جهد ومشقة كبيرة قل المقدار الواجب فيه، وما بذل في إنتاجه جهد ومشقة أقل أو لم يبذل أصلًا زاد المقدار الواجب فيه.
|
من الموارد المالية للدولة الإسلامية: العشور
مضى عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر -رضي الله عنه- ولم تكن الدولة الإسلامية في حاجة إلى المال؛ لقلة المرافق، وعدم الحاجة؛ حتى كان عهد عمر -رضي الله عنه- فاتسعت الدولة الإسلامية -بما فتح الله على المسلمين من البلاد- فكانت الحاجة داعية إلى فرض الضرائب؛ لسد الحاجة؛ لذا فرض عمر العشور، فنظام العشور يرجع إلى عهد عمر بن الخطاب؛ فقد روي أن أبا موسى الأشعري كتب إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن تجارًا من قبلنا من المسلمين يأتون أرض الحرب؛ فيأخذون منهم نصف العشر؛ فكتب إليه عمر قائلًا: خذ أنت منهم كما يأخذون من تجار المسلمين، وخذ من أهل الذمة نصف العشر، ومن المسلمين من كل أربعين درهمًا درهمًا -أي: ربع العشر- وليس فيما دون المائتين شيء، فإذا كانت مائتين ففيها خمسة دراهم، فما زاد فبحسابه.
٢.٦ تاريخ الخراج، والعمومية فيه
ومن هذا يتضح أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- جعل الناس في العشور على ثلاث درجات:
 |
الأولى: مسلمين، ويؤخذ منهم ربع العشر. |
 |
الثانية: ذميين، ويؤخذ منهم نصف العشر. |
 |
الثالثة: حربيين، ويؤخذ منهم كما يأخذون من المسلمين؛ لأن الأمر فيما بينهم وبين المسلمين مبني على المعاملة بالمثل، وعلى الإمام أن يزيد عن العشر، أو أن ينقص عنه إلى نصف العشر، أو أن يرفع ذلك عنهم إذا رأى في ذلك مصلحة، ولا يزيد ما يؤخذ على مرة من كل قادم بالتجارة كل سنة، ولو تكرر قدومه، وكانت هذه الضريبة لا تؤخذ من التاجر إلا إذا انتقل من بلاده إلى بلاد أخرى، وهذا ما نسميه في الوقت الحاضر: بالضرائب الجمركية. |