١.٦ العمومية في الجزية


تعريف الجزية
الجزية في اللغة: هي فِعلة من الجزاء، جمعها جِزي، مثل لحية، ولحي. وهي ما يؤخذ من أهل الذمة، أي أنها عبارة عن المال الذي يعقد الكتابي عليه الذمة.
الجزية شرعًا: هي الوظيفة المأخوذة من الكافر؛ لإقامته بدار الإسلام في كل عام.
تاريخ الجزية: إن الجزية ليس من محدثات الإسلام؛ بل هي قديمة من أول عهد التمدن القديم، وقد وضعها يونان أثينا على سكان سواحل آسيا الصغرى، حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، مقابل حمايتهم من هجمات الفينيقيين، وفينيقيا يومئذ كانت تابعة لبلاد الفرس، فهان على سكان تلك السواحل دفع المال في مقابل تلك الحماية، والرومان وضعوا الجزية على الأمم التي أخضعوها لحكمهم، وكان الفرس أيضًا يجبون الجزية من رعاياهم.

أسباب وضع الجزية

إن السبب الذي من أجله شُرعت الجزية كان مثار خلاف بين الفقهاء كما يلي:

١.٦ العمومية في الجزية


البعض يقول الجزية بدل الحماية:
يرى البعض أن الجزية فرضت على أهل الذمة بدل الحماية، وأنهم يعفون منها عند عدم الحماية، واستدلوا على ذلك بما جاء في عهد خالد بن الوليد لصاحب قس الناطف: (إني عاهدتكم على الجزية، والمنعة، فلك الذمة، والمنعة، وما منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا)، أي أنه في هذا يبين أنه يأخذ منهم الجزية مقابل حمايته من أي اعتداء.
ويقول الماوردي في كتابه (الأحكام السلطانية): ويلزم لهم ببذلها حقان: أحدهما الكف عنهم، والثاني الحماية لهم؛ ليكونوا بالكف آمنين، وبالحماية محروسين.

هذه هي أهم شروط وجوب الجزية، على الرغم من أن الفقهاء مختلفون في بعض هذه الشروط، ولهم فيها تفصيلات مختلفة لا داعي لذكرها هنا؛ لأنها ليست من جوهر البحث.

١.٦ العمومية في الجزية


العمومية في الجزية
إن العمومية في الجزية تعني أن يؤدي الجزية جميع من توافرت بالنسبة له شروط وجوبها، فلا يعفى أحد من أدائها دون مبرر، وأيضًا تعني العمومية أن تُفرض الجزية على جميع الأموال التي تحققت فيها شروط وجوب الجزية، ومعنى ذلك أن العمومية في الجزية تجمع بين الشخصية، والمادية.

العمومية الشخصية
إن الشخص الخاضع للجزية يجب أن تتوافر فيه عدة شروط، من أهمها:
الشرط الأول: أن يكون ذكرًا، فهي لا تجب إلا على الرجل؛ لأنه من أهل القتال، أما المرأة فلا جزية عليها؛ لأنها ليست من
أهل القتال.
الشرط الثاني: أن يكون بالغًا، فالجزية لا تجب على الصبيان؛ لأنهم لا يُقتلون إذا ظفر بهم المسلمون.
الشرط الثالث: أن يكون عاقلًا، فالجزية لا تجب على المجنون؛ لأنه ليس أهلًا للالتزام.
الشرط الرابع: القدرة على أدائها، فالجزية لا تجب على الفقير العاجز عن أدائها.


١.٦ العمومية في الجزية


الشرط الخامس: أن يكون دافع الجزية صحيحًا، فهي لا تجب على مريض لا يرجى برؤه، ولا شيخ فانٍ، ولا زمِن، ولا أعمى؛ لعدم استطاعتهم القتال.

تحقيق المساواة بين دافعي الجزية

وإذا كان التشريع الإسلامي قد جعل فريضة الزكاة عامة، وشاملة لكل أغنياء المسلمين -على ما رأينا- فإننا نجد أن ذات التشريع يوجب الجزية على الرجال القادرين الأصحاء، فهي عامة بالنسبة لهؤلاء، ولا يعفى منها أحد لمركزه الاجتماعي، أو انتمائه لطبقة معينة، فمبدأ المساواة في أداء الجزية متحقق بالنسبة للمكلفين بأدائها، والتطبيقات العملية من أكبر الأدلة على ذلك، فمن الأدلة القاطعة على تحقيق المساواة بين دافعي الجزية:
ما ورد في كتاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى أهل نجران، وسائر النصارى، جاء في هذا الكتاب: "ولا خراج ولا جزية إلا على من يكون في يده ميراث من ميراث الأرض، ممن يجب عليه فيه للسلطان حق، فيؤدي ذلك على ما يؤديه مثله، ولا يجار عليه، ولا يحصل منه إلا قدر طاقته، وقوته على عمل الأرض وعمارتها، وإقبال ثمرتها، ولا يكلف شططًا، ولا يتجاوز حتى أصحاب الخراج من نظرائه"، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذا الكتاب يأمر بالمساواة بين المكلفين، ولا يفرق بين شخص وآخر في جزية، أو خراج، ما دامت ظروفهم متماثلة، ولا يكلف الممول فوق طاقته.

١.٦ العمومية في الجزية


أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لم يعفُ من الجزية نصارى بني تغلب، وهم عرب لهم قوة وسلطان، وصالحهم على أن يأخذ منهم ضعفي الزكاة. فهذا دليل -أي ما فرضه عمر على نصارى بني تغلب- قوي على أن من وجبت عليه الجزية لا يعفى منها، مهما كان مركزه الاجتماعي.
أنه عندما تم الصلح بين عمرو بن العاص، وبين المقوقس في مصر، اصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها، وأسفلها، من القبط دينارين عن كل نفس، شريفهم، ووضيعهم، ممن بلغ الحلم، فقد فُرضت الجزية على جميع القادرين في مصر، خلافًا لما كان سائدًا فيها في عصر الروم، حيث كان يعفى من الضريبة أصحاب الجاه والسلطان، لكننا وجدنا أن عمرو بن العاص لم يفرق في أخذ الجزية بين شريف، ووضيع، أخذها أو ساوى بين الناس في أخذها منهم. ولتحقيق المساواة بين المواطنين في تحمل عبء الجزية أُلغيت امتيازات أهل الإسكندرية، وطبقات الأشراف، التي تمتعوا بها في ظل الحكم البيزنطي، وطُبقت عليهم الجزية الإسلامية.
أنه يُروى أن جبلة بن الأيهم لما انهزمت الروم من اليرموك، صار إلى موضعه في جماعة قومه، فأرسل إليه يزيد بن أبي سفيان يطلبه خراج أرضه، وخراج رأسه -يعني الجزية، فلم يرفض جبلة أن يؤدي ضريبة الأرض، لكنه أنف، ولم يرض بجزية الرأس قائلًا: إنما يؤدي الجزية العلوج، يعني أفراد، أو عامة الناس، وأنا رجل من العرب، فقد كان معفيًا من الجزية في عهد الروم، ولما رأى إصرار المسلمين على أخذ الجزية منه؛ مساواة له بغيره في هذا الشأن، ترك البلاد، ورحل إلى بلاد الروم، من أجل ألا يؤدي الجزية للمسلمين، وهكذا نرى أن ديننا الذي ينادي بالمساواة بين الناس لم يحاب ملك غسان، وهو جبلة بن الأيهم، ولم يعفه من الجزية، رغم أنه عزيز في قومه، ...

١.٦ العمومية في الجزية


... وعزيز لدى الروم، فكانوا يعفونه منها، فقد كان منطق الروم جائرًا في فرض الجزية، حيث كانوا يأخذونها من الفلاح، ويعفون منها القادرين؛ لقربهم من الإمبراطور، ولما لهم من مراكز في المجتمع، هذا المنطق لا يقره الإسلام، فالجزية تجب على كل شخص توافرت فيه شروطها، مهما كان مركزه الاجتماعي، ولذا طلب حكام المسلمين الجزية من ملك غسان كما رأينا.
وفي هذا المعنى يقول أبو يوسف في كتابه (الخراج): ولا يحل للوالي أن يدع أحدًا من النصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين، والسامرة، إلا أخذ منهم الجزية، ولا يرخص لأحد منهم في ترك شيء من ذلك، ولا يحل أن يدع واحدًا ويأخذ من واحد، ولا يسع ذلك؛ لأن دمائهم، وأموالهم، إنما أُحرزت بأداء الجزية.
ومن هذا نرى أن مبدأ المساواة بين المكلفين بالجزية متحقق على الوجه الأكمل، ومعنى هذا أن العمومية الشخصية بالنسبة للجزية قد تحققت إلى أقصى درجة ممكنة.


١.٦ العمومية في الجزية


العمومية المادية

إذا كانت الجزية واجبة على الذكر البالغ العاقل القادر على أدائها -كما ذكرنا- إلا أنه يشترط أن يكون له مال يدفع منه ما فرض عليه من جزية، فالجزية تجب في المال، ولهذا أُعفي منها الأعمى، والمقعد، والفقير، والمسكين، وهذا يُفهم من قوله تعالى: ((حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)) [التوبة: ٢٩]، والإعطاء يكون بالضرورة من المال الذي يكون في حوزة الأفراد، سواء بالدفع، أو بالضمان، ولذلك فاوت عمر بن الخطاب في مقدار الجزية؛ تبعًا لمقدار المال الذي يملكه الممول، فإذا كثر ماله زيد عليه مقدارها، وإن قل ماله نقص مقدراها، فقد أقر الزيادة فيها على أهل الشام، والعراق؛ لغناهم، وخفضها على أهل اليمن؛ لقلة مواردهم المالية.
وإذا كانت الجزية أصلها الدراهم، والدنانير، والطعام، إلا أنه يجوز أخذ العروض، والحيوان، بدلًا من النقدين، فقد كان عمر بن الخطاب يأخذ فيها الإبل، وكانت تأتيه من الشام نعم كثير من الجزية، وكان علي بن أبي طالب يأخذها من كل ذي صنع من صاحب الإبر إبرًا، ومن صاحب المسان مسان، ومن صاحب الحبال حبالًا، أي أنهم كانوا يراعون ظروف المكلف، ولا يضيقون عليه.
العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الجزية

ومن أهمها: منع الازدواج في الجزية، وتجنب الراجعية في الجزية، ومحاربة التهرب من الجزية.


١.٦ العمومية في الجزية


منع الازدواج في الجزية
ورد في الآثار التي رويت في صلح نجران، أن عليهم ألفي حلة من حلل الأواقي، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، مع كل حلة أوقية من الفضة، فما زادت على الخراج، أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، وبذلك تكون السنة المطهرة قد أرشدت إلى أن الازدواج في الجزية ظلم، ومن ثم فلا ازدواج فيها، ودل على ذلك أن ما زاد على الخراج من صلح النصارى نجران كان بالحساب، فيرد إليهم الفرق، أو يحسب من جزاء السنة القادمة، وأرشد إلى ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم: {{ألا من ظلم معاهدًا، أو كلفه فوق طاقته، أو انتقصه، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة}}.
وتطبيقًا لعدم الازدواج في الجزية كانت تختم رقاب المكلفين بالجزية وقت الجباية، حتى يفرغ من عرضهم، ثم تكسر الخواتيم، كما فعل بهم عثمان بن حنيف، إن سألوا كسرها، وكذلك ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى عماله أن يختموا رقاب أهل الذمة؛ وذلك إحكامًا للدقة في الجباية، حتى لا يفلت من الضريبة من فرضت عليه، وحتى لا تكون هناك ثنية في الجزية، يعني ازدواج في الجزية.
هذا وقد نظمت طريقة أداء الضريبة، حيث أمر ولاة الأمور جباةَ الضريبة أن يعطوا الممولين ما يثبت أنهم دفعوا المستحق عليهم؛ ليكون ذلك حجة لهم تمنع المطالبة به مرة أخرى في نفس السنة عن المال نفسه. وبالنسبة لمنع الازدواج في الجزية نقول:


١.٦ العمومية في الجزية


الأصل أن توزع الأعباء، أي أعباء الجزية على المكلفين بها توزيعًا عادلًا، يتفق وقدرة المكلفين المالية، وبحيث لا يؤدي المكلف القدر الواجب عليه مرتين في نفس السنة، فإذا حدث ازدواج في أداء الجزية، فإن الشخص الذي لحقه هذا الازدواج يكون قد تحمل عبئًا ماليًّا، أكبر من العبء الذي يتحمله مكلف آخر له نفس المقدرة المالية التي للمكلف الأول، وبهذا تنتفي المساواة بين المتماثلين، وفي هذا إهدار لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود بين المكلفين بأداء الجزية، ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي لحقه الازدواج سيفقد الثقة في الجهاز القائم على تحصيل الجزية؛ نتيجة شعوره بظلم وقع عليه، وهذا ما قد يؤدي إلى التهرب ما يجب عليه من جزية، والتهرب -كما ذكرنا سابقًا- يهدر مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل التكاليف المالية المقررة، أما في حالة العمل على منع هذا الازدواج فإن كل مكلف سيتحمل قدرًا من التكاليف المالية، يتناسب مع مقدرته المالية، وبالتالي سيتحقق مبدأ المساواة بين المواطنين في تحمل التكليف بالجزية.

تجنب الراجعية في الجزية
فُرضت الجزية على أهل الذمة، وحُدد مقدراها، والخاضعون لها، فقد بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا، أو عدله من المعافر، كما حدد عمر بن الخطاب مقدار الجزية، وجعلها متدرجة، ففرضت على الغني جزية مقدارها ٤٨ درهمًا في السنة، وفرضت على المتوسط بمقدار ٢٤ درهمًا في السنة، وفرضت على العامل اليدوي ١٢ درهمًا في السنة، ...

١.٦ العمومية في الجزية


...وحُدد ميعاد أداء الجزية بما يتفق ومصلحة المكلفين، وكان ذلك يختلف باختلاف الجهات، والأقطار، وهي عادة تؤخذ عند نهاية الموسم الزراعي، وعند بيع الغلة؛ تيسيرًا على دافعيها، وهذه الجزية محددة المقدار ولا يجوز تعديلها من أي من الأطراف المتعاقدة، أما في حالة عدم النص على مقدار الجزية في عقد الصلح، فلولي الأمر أن يضع عليهم الجزية حسب مقدرتهم التكليفية، فقد رَوى ابن شهاب أن عمر بن الخطاب كان يأخذ ممن صالحه من أهل العهد ما صالحهم عليه، لا يضع عنهم شيئًا، ولا يزيد عليهم، ومن نزل منهم على الجزية ولم يسم شيئًا نظر عمر في أمورهم، فإن احتاجوا خفف عنهم، وإن استغنوا زاد عليهم بقدر استغنائهم.
ويتبين لنا من خلال ما تقدم أن التشريع الإسلامي راعى في تنظيمه للقوانين المنظمة للجزية عدم كثرة تلك القوانين، وجعلها واضحة محددة، لا تثير أي تحايل، ومن ثم سد الباب أمام التفسيرات والاجتهادات المختلفة بالنسبة لهذه القوانين، وبالتالي قضى على الثغرات التي بواسطتها قد يتمكن المكلف بالجزية من نقل عبء الجزية الذي يتحمله إلى غيره من المكلفين بها، وهذا معناه تجنب الراجعية في الجزية، وبتجنب تلك الراجعية تتحقق المساواة بين المكلفين في تحمل التكليف بالجزية، كل حسب مقدرته المالية.


١.٦ العمومية في الجزية


محاربة التهرب من أداء الجزية
عمل المسلمون على محاربة التهرب من أداء الجزية، فقد جاءت في المعاهدة التي تمت بين حبيب بن مسلمة، وبعض البلاد التي افتتحها: بالأمان لكم، ولأولادكم، ولأهاليكم، وأموالكم، وصوامعكم، وبيعكم، ودينكم، وصلواتكم، على إقرار بصغار بالجزية، على أهل كل بيت دينار واف، ليس لكم أن تجمعوا بين متفرق من الأهلات -أي البيوتات- استصغارًا منكم للجزية، ولا لنا أن نفرق بين مجتمع؛ استكثارًا منا للجزية.
معنى ذلك أنه فرض عليهم، على كل بيت دينارًا، لكن طلب منهم ألا يضموا البيوت إلى بعضها، وبالتالي يدفعوا دينارًا واحدًا، وأيضًا بين لهم أننا لن نظلمهم، ولن نأخذ إلا من كل بيت دينارًا واحدًا، فهذا يدل على أنه لا يجوز الجمع بين المتفرق من العائلات، بقصد التحايل لإنقاص الجزية؛ لأن كل بيت مطالب بدينار، فلو جمعوا عائلتين أو أكثر في عائلة واحدة، لنقص المقدار الواجب عليه.

وسائل مكافحة التهرب من الجزية

هناك العديد من الوسائل التي من شأنها العمل على منع التهرب من أداء الجزية، نذكر من أهمها:


١.٦ العمومية في الجزية


أولًا: عدل عمال الجباية
إن من أهم الأسباب التي تدعو الممولين إلى التهرب من الالتزام المالي الواجب عليهم، هو ظلم عمال الجباية، فالرفق بالممولين -كما يقول ابن خلدون- يزيد من حصيلة الضريبة، والظلم ينقصها، بل قد يؤدي إلى خراب البلاد، وأيضًا فإن محاباة بعض المتكلفين بالمعاملة الحسنة من جانب عمال الجباية من شأنه أن يدعو غير المحابين من المكلفين بالتهرب من أداء ما يجب عليهم من الجزية، وذلك بسبب التفرقة بينهم وبين غيرهم في المعاملة من جانب عمال الجباية، ولذلك نجد أن تعاليم الإسلام دعت إلى أن يكون عمال الجباية عادلين في معاملتهم للممولين، رفقاء بهم، فلا يفرق الجابي بين مسلم وغير مسلم، ولا يكلفه ما لا يطيق، ولا يضربه، ولا يحبسه، ولا يجعل في أبدان المكلفين شيئًا يكرهونه، ولكن يكون رفيقًا بهم، فقد روي عن هشام بن حكيم بن حزام أنه مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين، فقال هشام: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: {{إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا}}.
وكثيرًا ما أوصى الخلفاء عمالَ الجزية بمراعاة العدالة في تحصيلها، وحسن معاملة المكلفين بها، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، ومن الأدلة على ذلك ما رواه أبو عبيد من أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أتاه مال كثير من الجزية، فقال لعمال الجزية: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس، قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفوًا، قال: فلا صوت، ولا نوط؟ يعني: لم تضربوا الناس؟ قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي، ولا في سلطاني، فقد خشي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما رأى هذا المال الكثير الذي جاءوا به، ...

١.٦ العمومية في الجزية


...خشي أن يكون ذلك بسبب أنهم أخذوا ما لا يستحقون من أهل الذمة، وتأكد من أنهم لم يظلموا أهل الذمة، وبالتالي حمد الله -تبارك وتعالى- أنه لم يكن هناك ظلم لأهل الذمة في عهده.
ومن الأدلة الدالة على أن التشريع الإسلامي لا يسمح لعمال الجزية بظلم المكلفين بها، بل يأمرهم بالرفق بهؤلاء المكلفين، وبتحقيق المساواة التامة بينهم، ما جاء في الأمر الذي وُجد بين أوراق البردي اليونانية المحفوظة في المتحف البريطاني، والتي نقلها إلينا الدكتور "تِرْتُن" في كتابه (أهل الذمة في الإسلام) فقد نقل إلينا كلامًا من هذا الأمر موجهًا من حكام المسلمين إلى من يتولى أمر الجزية جاء فيه:
ولا تجعلنا نعرفك أنك قد ختمت أهل كورتك بأي صورة من الصور في مسألة الضريبة التي كلفت بها، أو أنك حابيت، وظلمت أحدًا في جمعها؛ لأننا نعرف أن الأشخاص المكلفين بدفعها لا بد وألا يطيعوا بعض أوامرك، فإذا وجدت أنهم -أي عمال الجزية- قد عاملوا أحدًا ما بلين زائد، نتيجة محابتهم إياه، أو أثقلوا عليه غاية الإثقال؛ لكراهيتهم إياه، فإننا سنقتص منهم في أشخاصهم، وأملاكهم؛ تنفيذًا للشرع، ومن ثم أنذرهم، وحذرهم، وأخبرهم ألا يرهقوا عاملًا، وألا يحملوه ما لا يطيق، حتى ولو كان بعيدًا عنهم، أو ليس من زمرتهم، في جمع الضريبة، ولكن تجب معاملة الجميع بالعدل، وأخذ الشيء من كل منهم بقدر طاقته، هذا كلام منقول عن غير المسلمين يشهدون للمسلمين بالعدل.

١.٦ العمومية في الجزية


وهذا النقل عن كتاب "تِرْتُن" في كتابه (أهل الذمة) يبين أن الولاة كانوا يأمرون الذين يتولون أمر جباية الجزية والخراج بأن يراقبوا عمال الجباية، ويطلبوا منهم ألا يظلموا أحدًا، حتى ولو كان بعيدًا عنهم، ليس في زمرتهم، ولا يمشي معهم، ولا غير ذلك، وهذه شهادة من غير المسلمين على عدل المسلمين في جبايتهم للجزية.

ثانيا: حصر الممولين

بالنسبة لحصر الممولين، والذي يساعد على منع التهرب من دفع الجزية نقول:
إن حصر الممولين، وأموالهم، من شأنه أن يؤدي إلى إمكان تقدير الجزية، وجبايتها بكل دقة، وبالتالي يمنع التهرب من أداء الجزية، ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب أمر بإحصاء أهل السواد، فأحصوا، ووضعت عليهم الجزية، كذلك فعل عبد الملك بن مروان، حيث بعث إلى عامله على الجزيرة الضحاك بن عبد الرحمن الأشعري، وأمره أن يحصي الجماجم -أي الناس- وجعل الناس كلهم عمالًا بأيديهم، وحسب ما يكسب العامل في سنته كلها، ثم طرح من ذلك نفقته في طعامه، وأدمه، وكسوته، وطرح أيام الأعياد في السنة كلها، فوجد الذي يحصل بعد ذلك في السنة لكل واحد أربعة دنانير، فألزمهم دفعها، أي أنه راعى مصالحهم الشخصية، راعى ما يحتاجون إليه، ولم يفرض الجزية إلا على القدر الزائد عن حوائجهم، وهذا يدل على مراعاة العدالة التي التزم بها المسلمون مع أهل الذمة.


١.٦ العمومية في الجزية


ثالثا: التنفيذ على أموال المتخلفين عن أداء الجزية

ومن الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى منع التهرب من أداء الجزية التنفيذ جبرًا على أموال المتخلفين عن أداء الجزية، فإذا امتنع أهل الذمة من أداء الجزية، فيعتبر بعض الفقهاء أن ذلك يعد نقضًا لعهدهم، وتؤخذ منهم الجزية جبرًا كالديون، نقول ومن الوسائل التي من شأنها أن تؤدي إلى منع التهرب من أداء الجزية حبس المتهرب من أدائها حتى يؤديها، وفي هذا المعنى يقول أبو يوسف:
ويحبسون أهل الذمة حتى يؤدوا ما عليهم، ولا يخرجون من الحبس حتى تستوفى منهم الجزية.


رابعا: مراعاة ظروف المكلفين بالجزية
الذكور البالغون العاقلون القادرون من أهل الذمة، والمكلفون بأداء الجزية، إنما يساهمون في الأعباء المالية عن طريق دفع الجزية، كل حسب مقدرته المالية، فالتكليف يكون بما في الوسع والطاقة؛ لأنَّ الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولذلك لا يجوز ظلمه ذلك في ذلك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: {{ألا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذه منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة}}، فالمقدار الذي يؤخذ منهم في الجزية يجب أن يراعى فيه مقدرتهم المالية، وكافة ظروفهم العائلية، وهذا المقدار يختلف من فرد لآخر، بل يختلف من الفرد الواحد من زمن إلى زمن آخر، كما يختلف تبعًا للبيئة، لذلك ينبغي ألا يحدد مقدار بعينه، ...

١.٦ العمومية في الجزية


... فإذا كثر مال ممول زيد عليه مقدار الجزية، وإن قل ماله نقص مقدارها، ونجد ذلك واضحًا فيما أشار به معاذ بن جبل على أبي عبيدة بن الجراح، في صلح "الرها" إذ يقول:
إنك إن أعطيتهم الصلح على شيء مسمى فعجزوا عنه، لم يكن لك أن تقتلهم، ولم نجد بدًّا من إبطال ما اشترط عليهم من التسمية، وإن أيسروا أدوه على غير الصغار الذي أمر الله به فيه، فاقبل منهم الصلح، وأعطهم إياه على أن يؤدوا الطاقة، يعني بمقدار ما يستطيعون، وحسب مقدرة المكلف المالية، فإن أيسروا أو أعسروا لم يكن لك عليهم إلا ما يطيقون، وتم لك شرطك، ولم يبطل، فقبل ذلك أبو عبيدة.
فهذا يدل على أنه الأفضل ألا تحدد الجزية مبلغًا معينًا كل سنة على الجميع، وإنما ينبغي أن يختلف ذلك باختلاف كل شخص، تبعًا لمقدرته المالية.
وأيضًا نجد أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فاوت في مقدار الجزية، تبعًا لمقدار المال الذي يملكه الممول، فإذا كثر ماله زيد عليه مقدارها، وإن قل ماله نقص مقدارها، فقد زاد هذا المقدار على أهل الشام، وأهل العراق؛ لغناهم، وخفض هذا المقدار على أهل اليمن؛ لقلة مقدرتهم المالية.

١.٦ العمومية في الجزية


والتفاوت في مقدار الجزية تبعًا للمقدرة التكلفية للممول، يعتبر من أرقى المبادئ التي تحاول أن تصل إليها النظم المالية الحديثة، بالنسبة للضرائب، وهو العدالة في الضرائب، فالتفاوت في المقدار الواجب إنما يؤدي إلى مراعاة المقدرة التكلفية للممولين، ويعتبر أساس فكرة المساواة التي روعيت فيها العدالة؛ لأن المساواة بين غير المتماثلين ظلم.

ظروف المكلف بالجزية

وقد روعيت ظروف المكلف بالجزية في نواحٍ عدة، نتناول أهمها فيما يلي:
إعفاء غير القادرين من أداء الجزية:
فهي لا تؤخذ من كل مال، بل أعفي منها المال اليسير الذي لا ينفي عن صاحبه صفة الفقر، ولا يثبت له وصف الغنى، فالجزية تؤخذ من عفو مال الذمي، وفي هذا يقول عبد الله بن عباس: ليس في أموال أهل الذمة إلا العفو، يعني ما يزيد على ما يحتاجون إليه.
يترتب على ذلك إعفاء غير القادرين ممن لا تحتمل طاقتهم التكليف بالجزية، ومما يدل على ذلك أن عمر بن الخطاب أسقط الجزية أربعة وعشرين شهرًا عن نصارى نجران، حين أجلاهم إلى العراق، حتى يستقروا، ويبدءوا الإنتاج. ...

١.٦ العمومية في الجزية


... ويتضح من ذلك أن الفترة ما بين الإجلاء، وبدء الإنتاج، وهي أربعة وعشرون شهرًا، لم يكن فيها لدى أهل نجران أموال تكفي لأن تكون وعاء للجزية، وبالتالي لم يتحقق بالنسبة لهم وصف الغنى الذي هو شرط لوجوب الجزية، ولذلك أعفاهم عمر بن الخطاب من الجزية في تلك الفترة. ومن الأدلة على ذلك:
ما روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- أسقط الجزية عن المسكين الذي يتصدق عليه، فقد روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مر بباب قوم وعليه سائل يسأل شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، فقال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله فرضخ له بشيء من المنزل -يعني: أعطاه شيئًا- ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال له: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، أي: عند الكبر، ثم قال: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)).
ومن الأدلة أيضًا أنه قد جاء في كتاب صلح الحيرة أيما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غينًا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته يعني: لن تؤخذ منه الجزية، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام في دار الإسلام أي: أنه إذا أصابته آفة الفقر لا تؤخذ منه الجزية، وأيضًا يعطى من بيت مال المسلمين ما يكفيه هو وأولاده.

١.٦ العمومية في الجزية


أيضًا أنه قد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله عدي بن أرطأة كتاب جاء فيه: ثم انظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وولت عنه المكاسب، فأجري عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه، انظر إلى من كان عندك أصبح كبيرًا من أهل الذمة ولم يستطع أن يتكسب الأموال فأعطه من بيت مال المسلمين، فلو أن رجلًا من المسلمين كان له مملوك كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب، كان من الحق عليه أن يقوته حتى يفرق بينهما موت أو عتق.
وأيضًا ما روي أن عثمان بن حنيف قد قسّم الممولين إلى طبقات حسب المقدرة المالية لكل منهم، وأخضع كل طبقة لمقدار معين على النحو التالي:
الفئات غير القادرة ولا دخل لها معفاة من الجزية.
العامل بيده مثل الخياط عليه اثني عشر درهمًا سنويًّا.
المتوسط من أهل التجارة والصناعة عليه أربعة وعشرين درهمًا.
الموسرون من أهل التجارة والصناعة على كل واحد ثمانية وأربعين درهمًا سنويًّا.

١.٦ العمومية في الجزية


ومن ذلك نرى أن الطبقات غير القادرة أي: الفقراء معفون من الجزية؛ لأنهم عاجزون عن دفعها، ولا واجب مع عجز، وإعفاء غير القادرين من أداء الجزية من الممكن أن نعتبره مقابلًا لإعفاء ما دون النصاب في الزكاة.
إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة من الجزية:
إن ضمان حد الكفاية والذي سبق ذكره حين الكلام عن المساواة في الزكاة. وتطبيقًا لذلك نجد أن حكام المسلمين كانوا يقدرون الجزية باعتبار ما يبقى في أيدي الناس من دخلهم بعد نفقاتهم كما حدث في بلاد العراق والجزيرة، فقد حدد الفاتحون دينارًا على كل رأس، فلما تولى الحكم الخليفة عبد الحكم بن مروان استقل ذلك فبعث إلى عامله هناك فأحصى الناس وحسب ما يكسب العامل في سنته كلها وطرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه وكسوته وطرح أيام الأعياد في السنة كلها فوجد الذي يحصل بعد ذلك أربعة دنانير لكل واحد، فألزمهم دفعها، فطرح النفقة في الطعام والكسوة من الممكن أن نعتبره من الحاجات الأصلية للمكلف، لكن مما تجب ملاحظته هنا أن الجزية لم تعد موجودة في العصر الحديث، يرى بعض الفقهاء أن الجزية تجب على أهل الذمة بدلًا عن عدم قيامهم بالدفاع عن الدولة الإسلامية حيث إنهم لا يصلحون للدفاع عنها بسبب كفرهم؛ لأنهم قد يميلون إلى من يحارب المسلمين لاتحادهم معهم في الدين، فالجزية تؤخذ منهم للإنفاق على الجنود الذين يدافعون عن الدولة الإسلامية، لكن إذا ظهرت صلاحية أهل الذمة للدفاع عن الوطن مع المسلمين، وذلك بإخلاصهم للمسلمين واستعدادهم معهم للدفاع عن الدولة الإسلامية وانضموا بالفعل إلى الجيش الإسلامي، ...

١.٦ العمومية في الجزية


...فهنا تسقط عنهم الجزية، ولذلك نجد أنه في العصر الحاضر نجد أن معظم البلاد الإسلامية يوجد بها ذميون وهم لا يدفعون الجزية، ويمكن تعليل ذلك بأنهم ينخرطون في الجيش المدافع عن دار الإسلام، والاشتراك في هذا الواجب أي الدفاع عن الوطن الإسلامي يسقط الجزية عنهم.