٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


تجنب الازدواج في أداء الزكاة

من أهم ما جاء في تجنب الازدواج في أداء الزكاة القانون الذي أعلنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: {{لا ثني في الصدقة}}، قال أبو عبيد: يعني ألا تؤخذ من عام مرتين، فعلى ذلك تتحقق ظاهرة الازدواج الزكوي عندما تُفرض نفس الزكاة، أو زكاة من نفس النوع مرتين على نفس الشخص، وبالنسبة لنفس المادة، وفي حول واحد، قرر ابن قدامة وغيره أخذًا من هذا الحديث أنه لا يجوز إيجاب زكاتين في حول واحد بسبب واحد وقد استنتج الفقهاء عدة أحكام، ومبادئ في هذا الشأن:
من ذلك أن أبا حنيفة يرى أن مالك الإبل، أو البقر، أو الغنم، إذا أخرج زكاتها إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا، ثم باعها بعد ذلك، فالثمن الذي باعها به لا يضمه إلى ما عنده من نقود بلغت نصابًا، يريد إخراج زكاتها؛ لأن هذا الثمن قد خرجت زكاته عن طريق الإبل، أو البقر، أو الغنم، فضمه إلى النقود التي لم تزك، وزكاته معها، يعتبر ثنيًا، معنى ذلك فيه أخذ الزكاة عن المال الواحد مرتين، يعتبر ثنيًا في الزكاة؛ لأنه في هذه الحالة تكون قد خرجت عنه الزكاة مرتين، والثني منفي بالحديث، من أدى زكاة نقوده، ثم اشترى بها إبلًا، أو غيرها من السوائم وعنده سائمة من جنس السائمة التي اشتراها بذلك النقد المزكي، فلا يضمها إليها، أي لا يزكيها عند تمام حول السائمة الأصلية؛ لأنها بدل مال أديت عنه الزكاة فل تجب مرة ثانية في الحول نفسه. ...

٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


...قال جمهور الفقهاء: في الإبل، والبقر، والعوامل، وهي التي تعمل في الحرث، والسقي، وخدمة الزرع، أنها لا تجب فيها زكاة، وعللوا ذلك بأن في القمح صدقة، وإنما القمح بالبقر، وأكد هذا المعنى أبو عبيد بقوله: إنها إذا كانت تسقي وتحرث فإن الحب الذي تجب فيه الصدقة إنما يكون حرثه، وسقيه، فإذا صدقت هي أيضًا، أي أخرجت الزكاة عنها مع الحب صارت الصدقة مضاعفة على الناس، وهذا معناه الازدواج في الزكاة.
إن فقهاء الحنفية تجنبًا للازدواج في الزكاة يقولون: لا يؤخذ العشر من الأرض الخراجية، أي المفروض على رقبتها ضريبة سنوية محددة، حتى لا يجتمع العشر، والخراج، في أرض واحدة.
وبهذه الأحكام وبغيرها استُبعد الازدواج في وجوب الزكاة بشكل يساعد على ألا يؤدي المكلف أكثر من الواجب عليه، وبالتالي يتساوي مع غيره في عدم دفعه الزكاة على أمواله إلا مرة واحدة، وبالتالي تتحقق المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف المالية المقررة في الدولة.

كيفية تجنب الازدواج في تحصيل الزكاة
من أهم الطرق التي تمنع الازدواج في الزكاة، والتي سلكها التشريع المالي الإسلامي، محلية الجباية، فقد كان لدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده من حكام المسلمين، أجهزة مركزية للدولة الإسلامية، فقد جاء في كتابه -صلى الله عليه وسلم- إلى زرعة بن ذي يزن ...

٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


... {{إذا أتاكم رسلي فإني آمركم بهم خيرًا: معاذ بن جبل، وعبد الله بن رواحة، ومالك بن عبادة، وعتبة بن نيار، ومالك بن مرارة، وأصحابهم، فأجمعوا ما كان عندكم للصدقة والجزية، فأبلغوه رسلي، فإن أميرهم معاذ بن جبل}}.
ومعنى هذا أن زرعة كان لديه جهاز إقليمي للجباية، وكان لدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جهاز مركزي للجباية، كان من أعضائه معاذ بن جبل، فوجود جهاز محلي مختص بالجباية، دون تدخل من الأجهزة المركزية، يمنع من أخذ الزكاة مرتين على المال نفسه، وفي نفس المدة، وبذلك لا يحدث ازدواج في تحصيل الزكاة.
منع الازدواج في الزكاة يحقق المساواة بين المكلفين، الأصل أن توزع الأعباء المالية بين أفراد المجتمع توزيعًا عادلًا، يتفق وقدرة المكلف المالية، وبحيث لا يؤدى المقدار الواجب عليه مرتين عن نفس المال الخاضع للزكاة، فإذا حصل ازدواج في الزكاة فإن الشخص الذي لحقه هذا الازدواج يتحمل عبئًا ماليًّا أكبر من العبء الذي يتحمله مكلف آخر، له نفس المقدرة المالية التي للمكلف الأول، وبهذا تنتفي المساواة بين المتماثلين، وفي هذا إخفاق لمبدأ المساواة الذي يجب أن يسود بين المواطنين في تحمل التكاليف المالية المقررة.

٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


ومن ناحية أخرى فإن الشخص الذي لحقه الازدواج سيفقد الثقة في الجهاز القائم على تحصيل الزكاة؛ نتيجة لشعوره بظلم وقع عليه، وهذا قد يؤدي به إلى التهرب من أداء ما يجب عليه من زكاة، والتهرب يهدر مبدأ المساواة بين الناس في تحمل التكاليف المالية المقررة، أما في حالة العمل على منع هذا الازدواج فإن كل إنسان سيتحمل من التكاليف المالية المقدار الذي يتناسب مع قدرته المالية فحسب، وبالتالي سيتحقق مبدأ المساواة المشار إليه.

تجنب الراجعية في الزكاة
قد يحدث في بعض الأحيان أن بعض المكلفين عندما تفرض عليه الضريبة يحاول أن يتخلص منها أو من بعضها عن طريق نقلها إلى غيره، وقد يساعده على ذلك ظروف المجتمع الاقتصادية، وعلاقته بأفراد مجتمعه، وبذلك يتخلص من بعض التكاليف المالية المفروضة عليه.
وفي الواقع تعتبر راجعية الضريبة في النظم الوضعية إحدى العقبات الأساسية في تحقيق المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف المالية المقررة في الدولة.
ومن أمثلة الراجعية في الضريبة: المنتج أو التاجر الذي يحسب الضريبة التي يدفعها ضمن نفقات إنتاجه، أو ثمن سلعته، ويضفيها بالتالي إلى ثمن مبيعاته، وكذلك المالك الذي يزيد الأجرة بما يُفرض عليه من ضريبة عقارية، ...

٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


... وإذا كان ذلك وضع الضرائب وموقف كثير من المكلفين ممن لم يقدروا المصلحة العامة حق قدرها، فإن وضع الزكاة يختلف عن الضريبة في هذا الشأن، ونظرة الناس إليها غير نظرتهم إلى الضريبة، فالمسلم يشعر أن الزكاة ليست علاقة بينه وبين حكومة أو إدارة تحصيل، بل هي علاقة بينه وبين ربه -سبحانه وتعالى- قبل كل اعتبار، وهذا هو معنى العبادة في الزكاة التي بأدائها يتقرب المسلم إلى الله، ويشعر حين يؤديها أنه يحقق ركنًا من أركان الإسلام، ومن هنا كان إيتاؤها طاعة وصلاحًا.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن المسلم يعلم جيدًا أن الزكاة حق من حقوق الله واجب الأداء، ومن الطبيعي أن ما ذكرناه يولد في نفس المكلف الشعور بعدم إمكانية التحلل منها بطريق أو بآخر، وهذا الشعور في الواقع هو الشرط الأساسي لتجنب الراجعية في الزكاة.
يقصد من التهرب في المجال الضريبي التخلص من الالتزام بدفع الضريبة، ولكي تتحقق المساواة بين الأفراد في تحمل عبء الضريبة لا بد وأن تكون الضريبة عامة، ويقصد بالعمومية أن تلحق الضريبة بكل مال، وبكل شخص، وهذا ما يعرف بالعمومية المادية، والعمومية الشخصية للضريبة، ويرى علماء المالية العامة أن انعدام المساواة في المجال الضريبي بين الممولين، إنما يرجع إلى عدة عوامل، من أهمها التهرب الضريبي، حيث في وجوده تتحطم قاعدة العمومية والمساواة؛ لأنَّ التهريب يؤدي إلى تخلص المتهربين من نصيبهم في الأعباء العامة المالية، في الوقت الذي يلتزم فيه غير المتهربين بذلك النصيب، وهذا يؤدي إلى الإضرار بالمكلفين الذين يتحملون بصدق وإخلاص العبء الضريبي، وهكذا تنعدم المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة.

٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


وبالنسبة للزكاة نجد أن التشريع الإسلامي أوجد الوسائل التي من شأنها مكافحة التهرب من أداء الزكاة، وهذه الوسائل هي:
معرفة الأسباب التي تؤدي إلى التهرب من أداء الزكاة.
اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع التهرب من أداء الزكاة.

الأسباب التي تؤدي إلى التهرب من الزكاة

إن أسباب التهرب من أداء الزكاة يمكن إجماله في سببين رئيسين:

ظلم الإدارة أو القائمين بأمور جباية الزكاة وتوزيعها من ناحية، ومن ناحية أخرى: ضعف الوعي الإسلامي بصفة عامة، والوعي الزكوي بصفة خاصة.

٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


ظلم الإدارة جبايةً وتوزيعًا: إن ظلم العاملين على جباية الزكاة لأصحاب الأموال من شأنه أن يشجع أصحاب هذه الأموال على التهرب من دفعها إلى الإدارة والعاملين عليها، كما يشجع ضعاف الإيمان على التهرب من دفع الزكاة كلية بأي وسيلة من الوسائل، وهذا السبب يشمل الظلم في الجباية، والتوزيع.
فبالنسبة لظلم الجباية قرر الفقهاء أن ظلم العامل أو الإدارة المسئولة عن جباية الزكاة يشكل عذرًا في إخفاء الزكاة، أو التهرب منها، فلا يحق لهذه الجهات في هذه الحالة اتخاذ أي إجراء لعقاب، أو تعزير مخفيها أو مانعها، وإنما أخذ الزكاة المهربة أو المخفاة فقط.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


محاربة التهرب من أداء الزكاة
هناك إجراءات عديدة من شانها أن تمنع التهرب من الزكاة، ومن أهم تلك الإجراءات عدل الإدارة، أو القائمين على جباية الزكاة، وهذا العدل يشمل العدل في الجباية، والعدل في التوزيع.
فالعدل في الجباية، هذا الموضوع يستلزم منا أن نوضح علاقة عمال الجباية بالممولين، هذه العلاقة نجد أنها تخضع لأمور، من أهمها: مدى احترام الممول للعامل، ومدى شعوره بأنه يؤدي له خدمة أكثر من أنه جابٍ لما يجب عليه من زكاة، وبالتالي كان منطقيًّا أن يكون أساس هذه العلاقة هو اختيار العامل نفسه، وقد ذكر الماوردي الشروط المعتبرة لعمال الزكاة، التي من أهمها: أن يكون العامل حرًّا، مسلمًا، عادلًا، عالمًا بأحكام الزكاة.
فمن العدل في السياسية المالية التي يملكها ولي الأمر على من ولاه شيئًا من أمور الزكاة، أن يراقبه، ويحاسبه، وأن يأخذ على يده، ويعزله، ويصادر ما يملكه، كله، أو بعضه، إذا علم أنه قد أثرى من جباية المال على غير الوجه الحق.
ولم يكتف الفقه الإسلامي بتحديد شروط اختيار العامل على الزكاة، بل ركز على مسئولية المصدق أمام الله -عز وجل- عن كل ظلم يقترفه في حق المكلفين، فقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{العامل على الصدقة بالحق، كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته}}، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يحاسب عماله على ما في أيديهم محاسبة دقيقة.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


توزيع الزكاة

بالنسبة لتوزيع الزكاة:
إذا كان سوء توزيع حصيلة الضرائب في النظم الوضعية من شأنه أن يؤدي بالممول إلى التهرب من أداء الضريبة كما ذكرنا، فإننا نجد أن الزكاة قد أُحسن توزيعها، فقد خصص القرآن الكريم استخدام حصيلة الزكاة لثمانية مصارف، حددها على سبيل الحصر، استهدف بها المساعدة على تحقيق أهداف معينة، حاول التشريع الإسلامي بكل مصادره إقناع المكلفين بضرورتها، وهذه المصارف ذكرها الله -تبارك وتعالى- بقوله: ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ)) [التوبة: ٦٠].
ومن تخصيص الآية الكريمة بعض حصيلة الزكاة للعاملين عليها، دل ذلك على أن حصيلة الزكاة لها حساب مستقل، ولها ميزانية مستقلة، تسدد من حصيلتها ما ينفق عليها، وهذا ما يبرر الوجود المادي لحصيلة الزكاة في نظر المكلفين، ويجعل من استخدامها أمرًا ملموسًا.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


الإجراءات التي تمنع التهرب من أداء الزكاة

ومن الإجراءات أيضًا التي تمنع التهرب من أداء الزكاة:
تحريم الاحتيال لإسقاط الزكاة: وهذا الإجراء يعتبر من أهم الوسائل الفاعلة لمكافحة التهرب من أداء الزكاة، وقد رأينا من خلال كلامنا عن صور التهرب من أداء الزكاة أن الفقهاء أجمعوا على تحريم التصرف بكافة أنواعه في المال بعد وجوب الزكاة فيه؛ احتيالًا لإسقاط الزكاة، وعدم الاعتداد بهذا التصرف، وأيضًا رأينا جمهورهم يرى تحريم التصرف في المال قبل وجوب الزكاة فيه بمدة قليلة كشهر مثلًا؛ احتيالًا لإسقاط الزكاة، وعدم الاعتداد بهذا التصرف.
وفي هذا المعنى يقول أبو يوسف في كتابه (الخراج):
لا يحل لرجل يؤمن بالله، واليوم الآخر، منع الصدقة، ولا إخراجها عن ملكه إلى ملك جماعة غيره؛ ليفرقها بذلك، فتبطل الصدقة عنها، بأن يصير لكل واحد من الإبل، والبقر، والغنم، ما لا يجب فيه الصدقة، ولا يحتال في إبطال الصدقة بوجه ولا سبب.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


الأمور التي تمنع التهرب من الزكاة

أيضًا من الأمور التي تمنع التهرب من الزكاة:
تقرير عقوبات دنيوية مالية وجنائية، وأخروية على المتهرب:
فمن العقوبات المالية التي توقع على المتهرب من أداء الزكاة ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، ومن أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها، وشطر إبله، عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى}}، فهذا الحديث حجة في أخذ الزكاة من الممتنع، ووقوعها موقعها، وأخذ نصف إبل الممتنع، وبعبارة أخرى مصادرة نصف ماله، يعتبر نوعًا من العقوبة المالية، التي يلجأ إليها ولي الأمر عند الحاجة؛ ليؤدب بها المتهربين، وهو من العقوبات التعزيرية التي تخضع لولي الأمر طبقًا لما يراه محققًا للمصلحة العامة.
ولم يقف الأمر في عقوبة المتهرب من أداء الزكاة عند العقوبة المالية فحسب، بل إن هناك عقوبات جنائية تقع على المتهرب، إن لم تجد معه العقوبات المالية،.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


وفي هذا يقول الإمام الماوردي: "وأما إذا ترك الزكاة فلا يقتل بها، وتؤخذ إجبارًا من ماله، ويعذر إن كتمها بغير شبهة، وإن تعذر أخذها لامتناعه، حورب عليها، وإن أفضى الحرب إلى قتله حتى تؤخذ منه كما حارب أبو بكر الصديق مانعي الزكاة".
قال ابن حزم: "وحكم مانع الزكاة إنما هو أن تؤخذ منه، أحب أم كره، فإن مانع دونها فهو محارب، وإن كذب بها فهو مرتد، فإن غيبها ولم يمانع دونها فهو آت منكرًا فواجب تأديبه أو ضربه حتى يحضرها، أو يموت قتيل الله تعالى إلى لعنة الله، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{من رأى منكرًا فليغيره بيده إن استطاع}}، وهذا منكر، ففرض على من استطاع أن يغيره كما ذكرنا".
على أنه يلاحظ أن التشريع الإسلامي لم يقصر الأمر في عقوبة المتهرب من دفع الزكاة على العقوبات الدنيوية المالية والبدنية، بل إنه قرر أيضًا عقوبة أخروية للمتهرب، فقد رُوي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مُثل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له ذبيبتان، يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية}} ((وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) [آل عمران: ١٨٠] ، وروي أيضًا عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبينه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار}}.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


وهذه العقوبات التي ذكرناها الدنيوية والأخروية، هي لا شك عقوبات رادعة من شأنها أن تمنع كل من تسول له نفسه التهرب من دفع الزكاة من الإقدام على هذا التهرب، فهي إذن مانعة من هذا الخلق الرديء، وهو التهرب من دفع الزكاة.

الحجز عند المنبع

أيضًا عرف في الفقه الإسلامي: الحجز عند المنبع:
يعني نأخذ الضريبة قبل أن يأخذ المسلم المال، فاتبعت طريقة الحجز عند المنبع، كإجراء يمنع المكلف من التهرب من أداء الزكاة، فقد روي عن القاسم بن محمد أن أبا بكر -رضي الله عنه- كان إذا أعطي الناس أعطياتهم -يعني رواتبهم- يسأل الرجل: هل عندك من مال وجبت عليك فيه الزكاة؟ فإذا قال: نعم، أخذ من عطائه ذلك المال، وإن قال: لا، أسلم إليه عطاءه، ولم يأخذ منه شيئًا.
وكذلك كان عمر بن الخطاب إذا خرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب، والشاهد. أيضًا كان عمر بن عبد العزيز إذا أعطى الرجل عملته، أي أجره أخذ منها الزكاة، وإذا رد المظالم أخذ منها الزكاة، وكان يأخذ الزكاة من الأعطية إذا خرجت لأصحابها.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


إقرار الثروة
أوجب التشريع الإسلامي على المكلفين أن يقروا بما لديهم من أموال، بصورة أمينة، إلى عمال الزكاة، ولا يخفوها عنهم، ويدل على ذلك عن جرير بن عبد الله أنه كان يقول لبنيه: يا بني إذا جاءكم المصدق فلا تكتموه من نعمكم شيئًا، فإنه إن عدل عليكم فهو خير لكم وله، وإن جار عليكم فهو شر له وخير لكم، وروي عن زاهر بن يربوع أن رجلًا جاء إلى أبي هريرة فقال: أأخبئ منهم -أي عمال الزكاة- كريمة مالي، يعني الشاه الطيبة، قال: فقال لا، إذا أتوكم فلا تعصوهم، وإذا أدبروا فلا تسبوهم، فتكون عاصيًا خفف عن ظالم، ولكن قل: هذا مالي، وهذا الحق، فخذ الحق وذر الباطل، فإن أخذه فزاد، وإن تعده إلى غيره جمع لك في الميزان يوم القيامة.
عن أبي هريرة، وأبي أسيد صاحبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهما قالا: إن حقًّا على الناس إذا قدم عليهم المصدق أن يرحبوا به، ويخبروه بأموالهم كلها، ولا يخفوا عنه شيئًا فإن عدل فسبيل ذلك، وإن كان غير ذلك واعتدى لم يضر إلا نفسه، وسيخلف الله له، أي يعوضهم عما أخذ منهم.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


ولا شك أن التشريع الإسلامي بهذا، أي بإقرار الثروة، يكون قد سبق علماء المالية العامة المعاصرين، الذين ينادون بضرورة العمل على إزالة أسباب التوتر بين الممولين، ورجال مصلحة الضرائب، حتى تزيد الثقة، ويتحقق التعاون بينهم؛ لأن العلاقة بين الممول، وبين عمال الجباية، يجب أن تكون بعيدة عن أي لون من ألوان العداوة، لذلك أنه في الوقت الحاضر تعمل الإدارات المالية جاهدة على تحسين علاقتها مع الممولين، وإزالة أسباب عدم الثقة والتوتر بينها وبينهم، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى مكافحة التهرب الضريبي.
أيضًا: على المسلم أن يعلم أن الزكاة تظل دينًا في عنق المسلم، لا تبرأ ذمته منه، ولا يصح إسلام إلا بأدائها، وإن تكاثرت الأعوام، وفي هذا المعنى يقول الإمام ابن حزم: من اجتمع في ماله زكاتان فصاعدًا، وهو حي، تؤدي كلها لكل سنة على عدد ما وجب عليه في كل عام، وسواء كان ذلك لهروبه بماله، أو لتأخير الساعي، أو لجهله، أو لغير ذلك، وسواء في ذلك العين، والحرث، والماشية، وسواء أتت الزكاة على جميع ماله، أو لم تأت، وسواء رجع ماله بعد أخذ الزكاة منه إلى ما لا زكاة فيه، أو لم يرجع، ولا يأخذ الغرماء شيئًا حتى تستوفى الزكاة. وبهذا نرى أن مسلك التشريع الإسلامي يختلف عن مسلك التشريعات المالية الحديثة التي تأخذ بمبدأ سقوط الضرائب بالتقادم بمرور مدة معينة دون المطالبة بها، فمعنى ذلك أن الزكاة لا تسقط بالتقادم.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


ومن الأمور التي ينبغي أن نلفت إليها النظر من ناحية العدالة، أن تفرض الزكاة بمقدار معين يتناسب مع المكلف، وهذا ما يسمى بمراعاة ظروف المكلف بأداء الزكاة. إن العمومية في الزكاة وإن كان لها أهميتها الكبرى، إلا أنها ولا بد وأن تقترن بفكرة أخرى هي شخصية العبء الزكوي نفسه، فلا يكفي أن يتحمل كل فرد عبئًا زكويًّا، ولكن لا بد وأن يتفق هذا العبء مع مقدرة الممول المالية، وظروفه الشخصية، ولقد كان الإسلام سباقًا إلى تبني فكرة المقدرة التكلفية للممول، فالتكاليف المالية الإسلامية تفرض على أساس الطاقة المالية، أي المقدرة التكلفية، فالأصل في الإسلام أن يكون التكليف بما في الوسع والطاقة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ((لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)) [البقرة: ٢٨٥] وقد حدد القرآن الكريم هذه الطاقة المالية بقوله تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ)) [البقرة: ٢١٩] والعفو هو الفائض المتيسر مما زاد عن الكفاية، والحاجة، وقد وردت الآية القرآنية تؤكد وجوب الإنفاق من الفضل الزائد عن الحاجة، فيقول الله تعالى: ((وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُم)) [البقرة: ٢٣٦].


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


وإذا كنا نقول بضرورة المساواة بين المسلمين في التكاليف بالزكاة، متى تحققت الشروط اللازمة لوجوب الزكاة، فإن ذلك لا يعني أن يتساوى مقدار ما يؤديه كل فرد من الزكاة، مهما اختلفت مقدرتهم المالية على الأداء؛ لأنَّ المساواة في هذه الحالة ظلم؛ لأنَّها مساواة بين غير متماثلين، أما إذا تعادلت المقدرة المالية، والظروف الاجتماعية، لطائفة من الممولين، فإنه يجب أن يتساوى المقدار المأخوذ من كل فرد من أفراد هذه الطائفة في الزكاة، فالمقصود بالمساواة إذن في هذا المجال أن يتحمل كل فرد قدرًا من الأعباء المالية، يتفق ويتناسب مع مقدرته المالية على الأداء، فيؤدي الجميع الزكاة وفق مقدار ثروتهم، وبعد مراعاة ظروفهم الشخصية، والعائلية.

إعفاء ما دون النصاب من الزكاة
من عدالة الإسلام في فرض الزكاة أنه أعفى المال اليسير من فرض الزكاة فيه، ولم يفرضها إلا على المال الذي يبلغ نصابًا كاملًا، وذلك ليكون أخذ الزكاة من العفو الذي يسهل على النفوس، ولا يشق عليها، قال تعالى: ((وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ)) وقد فسر العفو بأنه ما زاد على الكفاية والحاجة، وأساس هذا الإعفاء أن الإسلام إنما افترض الزكاة على الأغنياء من الأمة؛ لترد على فقرائها، والنصاب هو الحد الأدنى للغنى في نظر الشارع، فمن لم يملك هذا النصاب لم يملك الغنى الموجب للزكاة، ومن ثم لا معنى لأن تؤخذ منه زكاة؛ لأنه في حاجة إلى أن يعان، لا أن يعين، ولذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم: {{خير الصدقة من كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول}}.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


والحكمة من اشتراط نصاب معين لوجوب الزكاة أنه لما كان الأغنياء هم المكلفون بأداء الزكاة، لزم تحديد القدر الذي يعتبر به الشخص غنيًّا، فإذا كان غير مالك لهذا القدر اعتبر فقيرًا، لا يعفى فقط من أداء الزكاة، وإنما يمكن أيضًا صرفها إليه؛ إذ ما نقص عن النصاب يعتبر حدًّا أدنى لازمًا للمعيشة، بحيث إذا لم يبلغ الشخص النصاب أصبح مستحقًّا للزكاة.
والإسلام جعل لكل نوع من الأموال نصابًا معينًا لا تجب الزكاة فيما نقص عنه؛ وذلك مراعاة لظروف المكلف.

إعفاء الحد الأدنى اللازم للمعيشة
اشترط بعض الفقهاء أن يكون النصاب فاضلًا عن حاجات مالكه الأصلية؛ لأنه به يتحقق معنى الغنى، ومعنى النعمة، وهو الذي يحصل به الأداء عن طيب نفس؛ إذ المال المحتاج إليه حاجة أصلية لا يكون صاحبه غنيًّا عنه ؛ لأنه من ضرورات البقاء، وقوائم البدن، والحاجة الأصلية هي ما لا غنى عنه للإنسان في بقائه، كمأكله، ومشربه.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


وقد فسر بعض علماء الحنفية الحاجة الأصلية بقوله: هي ما يدفع الهلاك عن الإنسان تحقيقًا كالنفقة، ودور السكنى، وآلات الحرب، والثياب المحتاج إليها لدفع الحر، أو البرد، أو تقديرًا كالدين، فإنَّ المدين يحتاج إلى قضائه بما في يده من النصاب؛ ليدفع عن نفسه الحبس الذي هو كالهلاك، وكآلات الحرفة، وأثاث المنزل، ودواب الركوب، وكتب العلم لأهلها، فإن الجهل عنده كالهلاك، فإذا كان له دراهم مستحقة يصرفها إلى تلك الحوائج صارت كالمعدومة، والمعتبر هنا الحاجات الأصلية للمكلف بالزكاة، ومن يعوله من الزوجة، والأولاد، مهما بلغ عددهم، والوالدين، والأقارب الذين تلزمه نفقتهم، فإن حاجتهم من حاجته.
والحاجة الأصلية يعبر عنها بعض العلماء المحدثين بحد الكفاية، الذي يجب أن يتوافر للإنسان؛ لأنه مما يتعلق بمتطلبات الحياة الكريمة، بمعنى أن الفرد يعد فقيرًا متى لم تتوفر له متطلباته بالقدر الذي يجعله في بحبوحة من العيش، وغني عن غيره، وضمان حد كفايه هو في الإسلام أمر مقدس باعتباره حق الله الذي يعلو فوق كل الحقوق، وأن في إنكاره، أو في إغفاله إنكار للدين نفسه، ويدل على هذا الإعفاء قوله -صلى الله عليه وسلم: {{خير الصدقة من كان على ظهر غنى، وابدأ بمن تعول}}، فهذا الحديث يدل على أن شرط المتصدق ألا يكون محتاجًا لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته، ويدل على ذلك أيضًا ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك}}، فهذا الحديث يدل على أن حاجة الإنسان، وحاجة أهله الذين تلزمه نفقتهم، مقدمة على حاجة غيره.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


وهذا الإعفاء في الواقع لا يتعارض مع مبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل عبء الزكاة، وذلك لأن حاجة الإنسان مقدمة على حاجة غيره، وكذا حاجة أهله، وولده، ومن يعوله بمنزلة حاجة نفسه، فكيف نطلب منه الزكاة مما يحتاج إليه، ويتعلق قلبه به لمسيس حاجته إليه.

خصم الديون
تختلف مقدرة الممول المالية بحسب ما إذا كان مدينًا، أو غير مدين؛ ولذا فإن مراعاة المقدرة على الأداء تتطلب وجوب خصم أعباء الديون من المال محل الزكاة، قبل فرض الزكاة عليه، وهذا ما قال به بعض الفقهاء، إذ يرون أنه لا تجب الزكاة على من عليه دين يستغرق النصاب كله أو بعضه، ولو كان الدين من غير جنس المال المزكى، فالدين عندهم يمنع وجوب الزكاة في سائر الأموال، فمن كان عنده مال وجبت زكاته، وعليه دين، فليخرج منه قدر ما يفي منه أولًا، ثم يزكي الباقي إن بلغ نصابه، ومعنى كلام هؤلاء الفقهاء أنه ينبغي عليه أولًا أن يخصم الديون التي عليه، ثم بعد ذلك ما بقي بعد هذه الديون إن بلغ نصابًا زكاه، وإن لم يبلغ نصابًا فلا زكاة عليه.
ويقول بعض العلماء في هذا الشأن: من كان عليه دين يحيط بماله، وله مطالب من جهة العباد، سواء كان لله -عز وجل- كالزكاة، أو للناس كالقرض، وثمن المبيع، وضمان المتلفات، وأرش الجراحة، ومهر المرأة، وسواء كان من النقود، أو من غيرها، وسواء كان حالًا أو مؤجلًا، فلا زكاة عليه؛ وذلك لأن النصاب مشغول بحاجة المدين الأصلية، أي أنه معد لما يدفع عنه الهلاك حقيقة أو تقديرًا؛ لأنه محتاج إليه لقضاء دينه.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


وهناك آثار كثيرة تؤيد خصم الديون:
منها ما روي عن عثمان بن عفان أنه قال: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤده حتى تخرجوا زكاة أموالكم. حتى يعرف ما بقي من المال بعد أداء الدين، فيخرج زكاته، إن كان يبلغ نصابًا.
أيضًا ما روي عن ميمون بن مهران أنه قال: إذا حلت عليك الزكاة، فانظر كل مالك، ثم اطرح منه ما عليك من الدين، ثم زكِّ ما بقي.
ومما سبق نرى أن الدين الذي يستغرق النصاب كله أو بعضه، يمنع وجوب الزكاة في سائر الأموال؛ لأن الزكاة تفرض على أساس الطاقة، والسعة للمكلفين بها، وتحدد هذه المقدرة على أساس خلو ذمة المكلف من الديون، فضلًا عن أن الزكاة تؤخذ من الأغنياء لترد إلى الفقراء، والمدين لا يمكن أن تؤخذ منه الزكاة؛ لأنه يعد من الغارمين الذين يستحقون الزكاة، وهذا ما قرره أبو عبيد بقوله: إذا كان الدين صحيحًا قد عُلم أنه على رب الأرض، فإنه لا صدقة عليه فيها، ولكنها تسقط عنه لدينه، كما قال ابن عمر، وطاوس، وعطاء، ومكحول، ومع قولهم أيضًا أنه موافق لاتباع السنة، ألا ترى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما سن أن تؤخذ الصدقة من الأغنياء فترد في الفقراء، وهذا الذي عليه دين يحيط بماله، ولا مال له، وهو من أهل الصدقة، فكيف تؤخذ منه الصدقة وهو من أهلها، أم كيف يجوز أن يكون غنيًا فقيرًا في حال واحدة؟ ومع هذا إنه من الغارمين أحد الأصناف الثمانية، فقد استوجبها من جهتين.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


خصم النفقات والتكاليف

أخذ المشرع الإسلامي بفرض الزكاة على الدخل الصافي، ففي زكاة الزروع والثمار يرى بعض الفقهاء خصم الدين الذي يكون قد اقترضه رب الزرع والثمر، من أجل الإنفاق على الزرع، ويدل على ذلك الآثار الآتية:
ما روي عن جابر بن زيد أنه قال في الرجل يستدين فينفق على أهله، وأرضه، قال: قال ابن عباس: يقضي ما أنفق على أرضه، وقال ابن عمر: يقضي ما أنفق على أرضه، وأهله، أي أنه يخصم هذه النفقات من الأموال أولًا، وإن بقي مال بلغ نصابًا تجب زكاته، وإن لم يبلغ نصابًا فلا زكاة عليه، ورواه يحيي بن آدم بقوله: قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه، ويزكي ما بقي، وقال ابن عباس: يقضي ما أنفق على الثمرة، ثم يزكي ما بقي.
وهذا موجود في الخراج ليحيي بن آدم القرشي. روي أن شريكًا سئل عن الرجل يستأجر أرضًا من أرض العشر بطعام مسمى فيزرعها طعامًا، قال: يعزل ما عليه من الطعام، ثم يزكي ما بقي.


٣.٥ العوامل التي تساعد على تحقيق العمومية في الزكاة


ومن هذا يتبين أن ابن عباس، وابن عمر، وشريكًا، قد اتفقوا على أن الدين الذي أُنفق على الأرض والثمار، يخصم قبل أداء الزكاة.
رُوي عن مكحول أنه قال في صاحب الزرع المدين: لا تؤخذ منه الزكاة حتى يقضي دينه، وما فضل بعد ذلك زكاه إذا كان مم تجبه فيه الزكاة. وأما بالنسبة للماشية فإن ما أُنفق عليها يُخصم من نصاب الزكاة، كالزروع، وعروض التجارة.