٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


زكاة عُرُوض التجارة، والرِّكاز، والمعدن، وما يستخرج من البحر

فيرى جمهور الفقهاء أنه تجب الزكاة في عُرُوض التجارة، سواء كانت الأموال ثابتة أو منقولة -أي: التي تشترى بنية التجارة- ودلّ على هذا الوجوب الكتاب، والسنة، والقياس، والإجماع.
فمن الكتاب قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُم)) [البقرة: ٢٦٧] يقول الإمام الطبري في معنى هذا أي زكّوا من طيبات ما كسبتم بتصرفكم إما بتجارة وإما بصناعة، وذهب مجاهد إلى أن المقصود بالكسب في الآية هو التجارة.
من السنة ما روي عن سمرة بن جندب قوله: {{كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع}}، يعني: للتجارة.
دلّ القياس على وجوب الزكاة في عُرُوض التجارة؛ إذ إن عُرُوض التجارة مال مقصودٌ به التنمية، فأشبه الأجناس الثلاثة التي وجبت فيها الزكاة باتفاق، كالزروع، والماشية، والذهب، والفضة، فهو يشبه الزرع في تضاعف المحصول، ويشبه الأنعام في الزيادة عن طريق التواجد؛ ولذلك هذا هو ما نرجحه، وهو رأي جمهور الفقهاء، وهو وجوب الزكاة في عُرُوض التجارة.


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


من الأموال التي تجب فيها الزكاة: الرِّكاز والمعدِن
والركاز هو ما دفنه القدماء من الجاهلية في الأرض من المال على اختلاف أنواعه، ويرى الفقهاء أن فيه الخمس، يعني: إذا وجده مسلم فيرى بعض الفقهاء أن فيه الخمس، يعني: يخرج خمسه كزكاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: {{في الركاز الخمس}}، والمدفون في الأرض ركاز بالإجماع؛ لأنه مركوز فيه.
وبالنسبة للمعدن عرفه البعض بأنه كل ما خرج من الأرض مما يُخلق فيها من غيرها مما له قيمه، واختلف الفقهاء في مقدار الواجب في المعدن: فيرى بعضهم أن الواجب فيه الخمس، ويرى البعض الآخر أن الواجب فيه ربع العشر.
واختلف الفقهاء أيضًا في تحديد المعدن الذي تؤخذ منه الزكاة على النحو التالي:
فالشافعية يقصرونه على الذهب والفضة، وأما غيرهما كالحديد والنحاس والرصاص فلا زكاة فيه.
ويرى أبو حنيفة أن كل المعادن المستخرجة من الأرض مما ينطبع بالنار فيها حقّ واجب، وأما المعادن السائلة أو الجامدة التي لا تنطبع فلا شيء فيها عندهم.


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


ويرى الحنابلة أنه لا فرق بين ما ينطبع وما لا ينطبع من المعادن، فالمعدن الذي يتعلق به الوجوب هو كل ما خرج من الأرض مما يخلق فيها من غيرها مما له قيمة، سواء كان جامدًا كالحديد والنحاس والرصاص أما كان من المعادن السائلة كالنفط أي: البترول.
ونحن نرى أن ما ذهب إليه الحنابلة من وجوب الزكاة في كل ما خرج من معادن من الأرض دون فرق بين نوع وآخر -نرى أنه هو الأولى بالقبول وهو ما نختاره؛ وذلك أنه لا يفرق بين المعدن الجامد والمعدن السائل، ولا بين ما ينطبع بالنار وما لا ينطبع بها، فهو لا يفرق بين الحديد والرصاص وبين النفط، فكلها أموال ذات قيمة عند الناس، فكان من غير المعقول ومما يخالف العدالة إعفاء معدن كالنفط -البترول- من الزكاة وقد أصبح في عصرنا هذا من أهم الثروات التي يمتلكها الأشخاص، فهي تدر عليهم دخلًا يفوق بكثير الدخول التي يدرها معدن كالرصاص، فالمعادن السائلة إذن يجب فرض الزكاة عليها من باب أولى. فرأي الحنابلة إذن يؤدي إلى تحقيق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل، وبالتالي يحقق المساواة الكاملة بين من يمتلكون أي نوع من المعادن متى توافرت شروط وجوب الزكاة.


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


زكاة ما يستخرج من البحر من الجواهر الكريمة، كاللؤلؤ، والمرجان
اختلف فيها الفقهاء، فيرى البعض منهم أنه لا شيء فيه ما لم يكن معدًّا للتجارة، فإن أعدّ للتجارة وجبت فيه زكاة، ويرى البعض الآخر أن ما يستخرج من البحر فيه حق واجب. واختلفوا في مقدار هذا الواجب: هل هو الخمس كما يعامل الركاز؟ أو هو العشر كما يعامل الزرع؟ أو هو ربع العشر كما تعامل الدراهم والدنانير؟ أقوال ثلاثة للعلماء ذكرها أبو عبيد في كتابه (الأموال).
ونحن نرجح ما يراه البعض من أن قدر هذا الواجب ينبغي أن يخضع تحديده لمشورة أهل الرأي؛ لأن التشريع قد فاوت بين المقادير الواجبة في الحبوب والثمار تبعًا لتفاوت الألفة والجهد في سقي الزرع، فجعلها نصف العشر إن سقي الزرع بآلة، وجعلها العشر إن سقي بغير آلة، فكذلك الأمر بالنسبة لما يستخرج من البحر ينبغي أن يتفاوت مقدار الواجب تبعًا لتفاوت الكلفة والجهد في سبيل الحصول عليه، فيكون الخمس إذا قلّت الكلفة والجهد، ويكون العشر إذا زادت الكلفة والجهد.
ونحن نرى أن الرأي الراجح هو الذي يفرض حقًّا في كل ما يستخرج من البحر وهو ما نختاره؛ لأنه كيف يعفى من هذا الحق الواجب من استخرج لؤلؤة ذات قيمة مرتفعة جدًّا وتفرض الزكاة في نفس الوقت في الحاصلات الزراعية ضعيفة القيمة إلى حد ما إذا ما قرنت بالجواهر الكريمة التي تستخرج من البحر، فهذا الرأي إذن يؤدي إلى تحقيق العدالة وتحقيق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل وبالتالي يحقق المساواة بين المواطنين في تحمل الأعباء العامة المالية المقررة في الدولة.

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


اختلفوا في وجوب الزكاة فيما يستخرج من البحر من الأسماك على الوجه التالي: يرى بعض الفقهاء أنه ليس في هذه الأسماك زكاة، ويرى البعض الآخر أن ما يستخرج من البحر من الأسماك فيه حق واجب إذا بلغ النصاب مستدلًّا على ذلك بما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامله ألا يأخذ من السمك شيئًا حتى يبلغ مائتي درهم، فإذا بلغ مائتي درهم فليأخذ منه الزكاة.
ونحن نرى أن الرأي الراجح هو الذي يفرض الزكاة في الأسماك وهو ما نختاره؛ لأن ما يصطاد من الأسماك قد يبلغ كميات كبيرة تقدر بأموال طائلة، فقد أصبح صيد الأسماك في عصرنا الحاضر تقوم به شركات كبيرة مجهزة بأحدث الأجهزة اللازمة لذلك، فمن العدل ألا يعفى ما يستخرج من البحر من السمك متى بلغ النصاب ينبغي ألا يعفى من حق يفرض عليه، وبهذا تتحقق المساواة بين المواطنين في تحمل التكاليف العامة المالية المقررة في الدولة.

ما يتصل بالعمومية المادية زكاة الأموال النامية

مما يتصل بالعمومية المادية زكاة الأموال النامية التي جدت في هذه العصور هل تجب فيها الزكاة أم لا؟. لقد جدّت صور من الأنشطة وألوان من الاستثمار لم تكن موجودة في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا في زمن الخلفاء الراشدين، ...

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


... فقد ظهرت إلى الوجود شركات المساهمة والبنوك، وتطور النشاط التجاري والمالي وازداد الدخل من كسب العمل فضلًا عن ازدياد الاستثمارات التي تدر دخولًا عالية في مجال الإسكان، ومن ثمّ لم تعد بعض الأموال تعدّ من الحاجات الأصلية المعفاة من الزكاة كأدوات الصناعة الأولية والدور المخصصة للسكنى، حيث أصبحت المصانع وأدوات الصناعة نفسها رأس مالها النامي مما يقتضي إخضاعها للزكاة، وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد أبو زهرة: إن العلة في فرضية الزكاة التي يناط بها الحكم بوجوبها هو المال النامي بالفعل أو بالقوة، أي: القدرة على تنميته وإن لم يعمل على تنميته بالفعل، وأن هذه العلة تؤخذ من تعليلات الفقهاء في مواضع مختلفة، وبتتبع الأموال التي تجب فيها الزكاة.

ثم يقول: فهل إذا جدّ في هذه العصور أموال نامية، بعضها لم يكن ناميًا في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا في عصر الصحابة، ولا الأئمة المجتهدين، فهل يسوغ لنا أن نفرض فيها الزكاة تطبيقًا للعلة التي استنبطها الفقهاء لحكم وجوب الزكاة، وإذا فعلنا ذلك لا نكون قد أتينا ببدع من الأحكام الشرعية، والجواب عن ذلك أن هذا سائغ لنا ونحن فيه لا ننشئ اجتهادًا، ولكن نطبق علة القياس. ومن هذه الأموال التي جدت في هذه العصور:


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


النقود الورقية

م تُعرف النقود الورقية إلا في العصور المتأخرة، حيث أصبحت أساس التعامل بين الناس، وقد اختفت العملة الذهبية والفضية من حياة الناس، وأصبحت النقود الورقية هي عماد الثروات والمبدلات وأثمان للأشياء، ومنها تصرف الرواتب والأجور، وعلى قدر ما يملك منها المرء يعتبر غناه، ولها في المبادلات وقضاء الحاجات قوة الذهب والفضة، فهي بهذا الاعتبار أموال نامية أو قابلة للنماء، شأنها شأن الذهب والفضة.
وخلاصة ذلك أن النقود الورقية تجب فيها الزكاة، ويُرجع في هذا الأمر إلى (فقه الزكاة) للشيخ القرضاوي، واحتساب نصاب الزكاة فيها -أي في هذه النقود الورقية- يكون بمقدار قيمتها ذهبًا؛ لأن ذلك هو تقدير الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلى أساسه كان جمع الزكاة من بعده، وبإيجاب الزكاة في النقود الورقية تتحقق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل.


الحيوانات السائمة غير الإبل والبقر والغنم والخيل

لو حدث واكتشف الناس نوعًا أو أنواعًا من الحيوانات يسمنونها ويتخذونها للنماء والكسب من ورائها، فهل من الممكن أن تخضع للزكاة مثل الإبل والبقر والغنم أم لا؟ ...

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


... فهناك حيوانات لم تكن متخذة للنماء، بل كانت للحاجات الشخصية كالبغال مثلًا، ثم اتخذت بعد ذلك للنماء. بحث علماء حلقة الدراسات الاجتماعية هذا الموضوع، فاستنبطوا من الخبر الذي ثبت عن عمر وهو قياس الخيل على الغنم حيث قال: أفنأخذ من كل أربعين شاة شاةً، ولا نأخذ من الخيل شيئًا؟ فضرب على الخيل دينارًا، وإذا كان الإمام عمر قد اعتبر النماء هو العلة، وتبعه أبو حنيفة فيصح بالتخريج على هذا المنهاج أن نقول: إن الزكاة تجب في كل الحيوانات التي تتخذ للنماء وترعى في كلأ مباح وبلغت النصاب وهو ما قيمته عشرة مثقال من الذهب، فإنه تكون فيها الزكاة بمقدار ربع العشر.

المصانع وحكم زكاتها

أعفى الفقهاء القدماء أدوات الصناعة الأولية مثل آلة النجّار الذي يعمل بيده، وآلة الحداد؛ لأن هذه الأموال تعد من الحاجات الأصلية، ولأنها لا تعد نامية بذاتها ولا بالقوة، وفي العصر الحاضر ظهرت أموال نامية بالفعل لم تكن معروفة بالنماء والاستغلال في عصر الاستنباط الفقهي، وهي أدوات الصناعة التي تعتبر رأس مال للاستغلال وهي وسيلة الاستغلال بالنسبة لصاحبها، مثل صاحب مصنع كبير يستأجر العمال لإداراتها، فإن رأس ماله للاستغلال هي تلك الأدوات الصناعية، فهي بهذا الاعتبار تعد مالًا ناميًا؛ ...

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


... إذ الغلة تجيء إليه من هذه الآلات فلا تعد كأدوات الحداد الذي يعمل بيده، ولا أدوات النجار الذي يعمل بيده، وهكذا؛ ولهذا رأى العلماء المحدثون أن الزكاة تجب في هذه الأموال باعتبارها مالًا ناميًا، وليست من الحاجات التي تعد بإشباع الحاجات الشخصية بذاتها. وجاء في توصيات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية في شأن زكاة المصانع على أنه:
لا تجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية، والمصانع، والسفن، والطائرات وما شبهها، بل تجب الزكاة في صافي غلتها عند توافر النصاب وحولان الحول.
مقدار النسبة الواجب إخراجها هو ربع العشر من صافي الغلة في نهاية الحول.
ونحن نرى أن إيجاب الزكاة في الأموال التي تديرها المصانع يحقق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل.

العمارات، وحكم زكاتها
لم يتعرض الفقهاء القدامى إلى موضوع فرض الزكاة على الدور؛ لأن الدور في عهدهم لم تكن مستغلة بل كانت مخصصة للسكنى الشخصية، فاعتبرها من الحاجات الأصلية، وكان ذلك عدلًا اجتماعيًّا في هذا الوقت، أما الآن فقد شيدت الدور والمباني لطلب النماء، وهي تدر الربح الوفير فيجب أن تخضع إرادتها للزكاة؛ لأن السبب الذي من أجله فرضت الزكاة في المال وهو النماء قد تحقق، ...

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


... خاصة وأنه في عصرنا الحاضر أصبح استثمار الأموال في قطاع الإسكان بهدف الاستغلال من أهم أنواع الاستثمار المجزية، والتي تدر عائدًا كبيرًا لصاحبها، والقول بإخضاع الدور المستغلة أي العمارات للزكاة لا يخالف أقوال الفقهاء القدامى عندما قرروا أن الدور لا زكاة فيها؛ لأن الدور في عصورهم لم تكن مستغلة إلا في القليل النادر بل كانت للحاجة الأصلية، لذلك لم يلتفتوا إلى النادر؛ لأن الحكم للأغلب الشائع، والنادر لا حكم له في الشرائع، بل إن الإمام أحمد كانت له غلة تجيئه من حوانيت يؤجرها، فكان يخرج زكاتها مع أنه لا مورد لعيشه سواها، ولما قيل له في ذلك قال: أذهب في ذلك إلى قول عمر بن الخطاب في أرض السواد، إذ كان يخرج منها الزكاة.
قد رأت حلقة الدراسات الاجتماعية قياس زكاة العقارات المبنية على زكاة الزروع والثمار حيث إن كلًّا منهما يعتبر أصلًا ثابتًا يدر إيرادًا فتجب الزكاة في إيراده بنسبة تتراوح بين ١٠ % و ٥ % حسب عنصر التكليف.
وقد ورد في توصية المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية أنه: لا تجب الزكاة في أعيان العمائر الاستغلالية، بل تجب الزكاة في صافي غلتها عند توافر النصاب وحولان الحول، وبإيجاب الزكاة في العمارات المتخذة للنماء تتحقق العمومية المادية في الزكاة على الوجه الأكمل، إذ ليس من العدالة أن يخضع للزكاة من يستثمر أمواله في الأراضي، ويُعفى منها من يستثمر أمواله في العمارات، فهذا يُعتبر بمثابة حكمين مختلفين لشيئين متماثلين، وهما الاستثمار في الأرض والاستثمار في العمارة، ولا شك أن ذلك يؤدي إلى انعدام المساواة بين المكلفين في هذا الشأن، أما إيجاب الزكاة في العمارات الاستغلالية فإنه يحقق تلك المساواة المجهولة.


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


الأوراق المالية وحكم زكاتها

نقول: عرف التطور الصناعي والتجاري لونًا جديدًا من رأس المال عُرف باسم الأسهم والسندات، وهما من الأوراق المالية التي تقوم عليها المعاملات التجارية في أسواق خاصة بها، وهذه الأوراق يطلق عليها في علم المالية "القيم المنقولة" ويفرض على إيرادها المتجدد ضريبة تسمى الضريبة على إيراد القيم المنقولة، وهذه الصورة من صور نماء الأموال لم يكن لها وجود في عصر الفقهاء القدامى، ولكن بعض الفقهاء المحدثين تناول بالكتابة تلك الأموال باعتبارها أموالًا مستحدثة تحقق فيها وصف النماء في زماننا، ومن ثم تجب فيها الزكاة، وسنبين ذلك فيما يلي:

الأسهم

وهذه الصورة تتلخص في أن يمتلك شخص جزءًا من رأس مال شركة مقسم رأس مالها إلى أسهم، ويتحدد عائد أسهمه في نهاية السنة وفقًا لنتيجة عمليات المشروع من ربح أو خسارة، وتلك صورة مشروعة في نظر التشريع الإسلامي.


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


رأي العلماء في ذلك: وقد رأى علماء حلقة الدراسات الاجتماعية أن الأسهم إذا كانت متخذة للاتجار والكسب من تجارتها تعتبر من عُرُوض التجارة، وبذلك تُزكي بالكيفية التي تُزكي بها عُرُوض التجارة، أما إن اتخذت أو اتخذت الأسهم للاقتناء والكسب من غلاتها لا من الاتجار فيها، فإن من يؤخذ من الشركة نفسها سواء كانت صناعية أم كانت غير ذلك فيه الكفاية، فهذا الرأي يفرق بين حالتين:
الحالة الأولى :أن تتخذ الأسهم موضوعًا للتجارة، فتُشترى في غرض إعادة بيعها والمضاربة عليها في سوق الأوراق المالية، ففي هذه الحالة تجب الزكاة فيها وفقًا لقيمتها في نهاية السنة متى كانت نصابًا وحال عليها الحول.
الحالة الثانية :أن تُمتلك هذه الأسهم بغرض الاستثمار، فتدر ربحًا سنويًّا وفي هذه الحالة فإن الزكاة الواجبة على الشركة تكفي عن الزكاة عن حملة الأسهم.

السندات
وهذه الصورة تتلخص في أن يُقرض شخص طبيعي أو معنوي شخصًا آخر طبيعيًّا كان أو معنويًّا مبلغًا معينًا بموجب سند كتابي على أن يتقاضى المقرض من المقترِض فائدة محددة سنوية بصرف النظر عن نتيجة استغلال المقترض لهذا المبلغ ربحًا كان أو خسارة، وتلك هي صورة الربا في نظر الشريعة الإسلامية حيث تحدد الفائدة دون نظر إلى الربح أو الخسارة، ...

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


...ومع ذلك نجد أن العديد من العلماء يوجبون الزكاة في تلك السندات، وفي هذا الشأن يقول الشيخ محمد أبو زهرة وذلك في بحثه بعنوان (الزكاة): (وقد يقول قائل: إن الفائدة التي تؤخذ عن السندات مال خبيث؛ لأنه ربا، فكيف تؤخذ منه الزكاة؟ ونقول في ذلك إننا لو أعفيناها من الزكاة لأدى ذلك إلى أن يقتنيها الناس بدل الأسهم، وذلك تتأدى بالناس إلى أن يتركوا الحلال إلى الحرام، ولأن المال الخبيث إذا لم يُعلم صاحبه إنما سبيله إلى الصدقة، فخبث الكسب داعٍ إلى فرض الصدقة لا إلى إعفائه منها).
ويقول الشيخ محمود شلتوت في هذه الصدد: وحتى فيما هو حرام شرعًا فعندي أن الشريعة الإسلامية تقر خضوعه للضريبة، فالمال المكتسب من حرام مآله الصدقة، ذلك أن الأصل ألا يفيد المخالف من مخالفته، فيصبح بإعفائه من الضريبة في وضع أفضل من ذلك الذي التزم الحلال، والشريعة لا تقر دفع الضرر بضرر مثله، والضرر الثاني هو عدم مساهمته في التكاليف اللازمة للمصالح العامة حين يُعفى من الضريبة.
ورد في تقرير حلقات الدراسات الاجتماعية ما يلي:
إن هذه السندات صارت سلعة فعلًا، فلو أعفيناها من الزكاة لما يلابسها من محرم لأقبل الناس على شرائها، ولأدى ذلك إلى الإمعان في التعامل بها، فيكون ذلك مشجعًا على المحرم، ولا يكون قطعًا له، ولأن صرف الكسب الخبيث في الصدقات غير ممنوع.
إن هذه السندات صارت سلعة فعلًا، فلو أعفيناها من الزكاة لما يلابسها من محرم لأقبل الناس على شرائها، ولأدى ذلك إلى الإمعان في التعامل بها، فيكون ذلك مشجعًا على المحرم، ولا يكون قطعًا له، ولأن صرف الكسب الخبيث في الصدقات غير ممنوع.

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


وفي كيفية زكاة هذه السندات يرى البعض أنها إن اتخذت للتجارة فهي عُرُوض التجارة، يجب فيها ما يجب في عُرُوض التجارة متى بلغت النصاب وحال عليها الحول، وتجب الزكاة في كامل قيمتها في نهاية العام -أي رأس المال مضاف إليه الفوائد- وذلك بمعدل ٢.٥ % سنويًّا أي ربع العشر، أما إذا اقتنيت السندات بغرض الحصول على فائدتها فتؤخذ الزكاة في هذه الحالة من الفائدة فقط باعتبار أن السندات والحالة هذه بمثابة الأموال الثابتة، ويكون المعدل الواجب هو ١٠ % من صافي غلتها حيث لا تكاليف تذكر لتحقيق الإيراد في هذه الحالة.
ونحن نختار ما ذهب إليه الفقهاء بوجوب الزكاة في السندات، وذلك للتبريرات التي ذكروها.

كسب العمل وحكم زكاته

إذا كانت السنة النبوية الشريفة قد سكتت عن بيان حكم كسب العمل بالنسبة للزكاة فإنَّ ذلك يرجع إلى أن معظم المسلمين في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما كان يشغلهم سوى الجهاد، وإيجار العمل كان محدودًا كان الأرقاء ومن في حكمهم يقومون بالعمل مما لم يستدعِ الأمر بحث مدى وجوب الزكاة في شأن كسب العمل. لكن لنا في العطاء سند في بحث هذا الأمر، لذلك سوف نحاول في هذا الصدد استعراض بعض النصوص الإسلامية التي تلقي الضوء على مفهوم العطاء، ثم نعلق على هذه النصوص.


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


أولًا- العطاء في زمن الخليفة الأول أبي بكر الصديق

قال أبو يوسف رحمه الله: وحدثني ابن أبي نجيح قال: قدم على أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- مال، فقال: من كان له عند النبي -صلى الله عليه وسلم- عدة فليأتِ، فجاءه جابر بن عبد الله، فقال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا}} يشير بكفيه. فقال له أبو بكر -رضي الله تعالى عنه: "خذ" فأخذ بكفيه، ثم عده فوجده خمسمائة، فقال: "خذ إليها ألفًا" فأخذ ألفًا، ثم أعطى كل إنسان كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعده شيئًَا، وبقيت بقية من المال، فقسمها بين الناس بالسوية على الصغير والكبير، والحر والمملوك، والذكر والأنثى، فخرج على سبعة دراهم وثلث لكل إنسان، فلما كان العام المقبل جاء مال كثير هو أكثر من ذلك، فقسمه بين الناس، وأصاب كل إنسان عشرين درهمًا، قال: فجاء ناس من المسلمين، فقالوا: يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك قسمت هذا المال، فسويت بين الناس، ومن الناس أناس له فضل وسوابق وقدم، فلو فضلت أهل السوابق والقدم والفضل بفضلهم، فقال: أما ما ذكرت من السوابق والقدم والفضل فما أعرفني بذلك، وإنما ذلك شيء ثوابه على الله -جل ثناؤه- وهذا معاش، فالأسوة فيه خير من الأفضل.


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


ثانيًا- العطاء في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب

يتابع أبو يوسف حديثه في هذا الصدد، فيقول: فلما كان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- وجاءت الفتوح، فضل وقال: لا أجعل من قاتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كمن قاتل معه، ففرض لأهل السوابق والقدم من المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرًا خمسة آلاف خمسة آلاف، ولمن لم يشهد بدرًا أربعة آلاف أربعة آلاف، وفرض لمن كان له إسلام كإسلام أهل بدر دون ذلك أنزلهم على قدر منازلهم من السوابق.

ومن النصوص التي ذكرناها من الممكن أن نستخلص منها الآتي:
العطاء عند أبي بكر: اعتبر أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- العطاء بمثابة معاش للناس ثابت في دوريته كلما كان هناك مال، ولكنه غير ثابت في قدره، فقد بلغ نصيب الفرد -كما ذكرنا- في السنة الأولى سبعة وثلث درهمًا، ارتفع في السنة الثانية إلى عشرين درهمًا.
رأى أبو بكر التسوية بين في هذا المعاش، فسوى بين الصغير والكبير، والحر والمملوك، والذكر والأنثى.
أيضًا اشتمل العطاء بجانب المعاش الثابت للناس على الهبات التي كان وعدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لبعضهم.

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


وأما بالنسبة للعطاء عند عمر، فقد رأى عمر -رضي الله عنه- عدم التسوية بين الناس في العطاء، وجعل عمر -رضي الله عنه- العطاء كل سنة أي ثابتًا في دورته أيضًا.
أيضًا كانت العوامل الموجبة لتفضيل بعض الناس على بعض في العطاء في نظر عمر عوامل مختلفة، من بينها ما يقوم به من الأمور، وما يؤديه من عمل، وعلى ما يُصلح معيشته، وعلى قدر فضله أو سبقه أو قدمه في الإسلام، فالرجل وجهاده في الإسلام، والرجل وقدمه في الإسلام، والرجل وغناه في الإسلام، والرجل وحاجاته في الإسلام.
كان عمر -رضي الله عنه- يميل أيضًا إلى المساواة في العطاء إذا وفّر المال وكفى لذلك، يقول أبو عبيد: وقد كان رأي عمر الأول التفضيل على السوابق، والغناء عن الإسلام، وهذا هو المشهور من رأيه، وكان رأي أبي بكر التسوية، ثم قد جاء عن عمر شيء شبيه بالرجوع إلى رأي أبي بكر.
ومن هنا نرى أن الخليفة أبا بكر -رضي الله عنه- رأى في العطاء معاشًا ثابتًا، بينما رآه عمر بن الخطاب جزاء عمل أو فضل في الإسلام، ولكنه في النهاية رجع إلى رأي أبي بكر.


٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


أخذ الزكاة في العطاء
قد ثبت أن الزكاة كانت تُستحق على العطاء في زمن الخلفاء الراشدين، رُوي أنه كان عمر بن الخطاب إذا خرج العطاء أخذ الزكاة من شاهد المال عن الغائب والشاهد، أيضًا كان عمر بن عبد العزيز إذا أعطى الرجل عملته يعني أجره أخذ منها الزكاة، وكان يأخذ الزكاة من الأعطية إذا خرجت لأصحابها.
ونحن نرى أن ما ذكرناه من خضوع العطاء للزكاة له شبيه فيما تسير عليه التشريعات الضريبية في هذا الشأن، فلو نظرنا إلى التشريع الضريبي المصري مثلًا لوجدنا أنه يفرض الضريبة على الإيرادات المعتبرة في حكم المرتبات، حيث تقضي المادة (٥٥) من القانون (١٥٧) لسنة ١٩٨١ م الخاص بالضرائب على الدخل بسريان التشريعات الضريبية على الإيرادات المعتبرة في حكم المرتبات حيث تقضي المادة (٥٥) من القانون (١٥٧) لسنة ١٩٨١ الخاص بالضرائب على الداخل بسريان الضريبة على المرتبات وما في حكمها مما يعني سريان الضريبة على الإيرادات التي تُدفع بشكل دوري منتظم حتى ولو لم تكن مقابل عمل أو خدمة في الحاضر أو الماضي.

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


ولو طبقنا ذلك على العطاء لوجدنا أنه يأخذ حكم المرتب في فرض الضريبة عليه، حتى ولو لم يكن مقابل عمل أو خدمة في حالة ما إذا اعتبرناه معاشًا ثابتًا كما ذهب إلى ذلك الخليفة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه. ومن باب أولى يأخذ العطاء حكم المرتب في فرض الضريبة عليه إذا اعتبرناه جزاء عمل أو فضل في الإسلام كما ذهب إلى ذلك الخليفة عمر بن الخطاب، وعلى ضوء ما تقدم لا يمكن القول بإعفاء كسب العمل من الزكاة، خاصة وأن هذا الإيراد أصبح يمثل القسط الأكبر من الدخل القومي في الوقت الحاضر، ولمجافاة إعفائه من الزكاة لمبدأ المساواة بين المكلفين في تحمل عبء الزكاة.
لذلك نادى بعض الفقهاء المعاصرين بإيجاب الزكاة في كسب العمل، فيقول علماء حلقة الدراسات الاجتماعية في هذا الشأن:
ولا شك أنه إذا جُمع منه أي من المرتب ما يساوي نصاب الزكاة، واستمر حولًا كاملًا، ولو نقص في أثناء العام، فإنه تجب في الزكاة مادام كاملًا في طرفي العام أوله وآخره، ولو نقص ولم يفقد كله في أثناء العام -كما هو مذهب الحنفية- وذلك لأنه إن استمر طول العام من غير أن يُنفق كله يكون ذلك دليلًا على أنه لم يكن من حاجاته الأصلية، وهو نامٍ بالقوة باعتبار أن النقود يعتبرها الإسلام من المال النامي؛ لأنها خلقت للاستعمال أو للاستغلال لا للاكتناز، وبالتخريج على ذلك يمكن فرض الزكاة على كسب العمل كل عام؛ لأنه يندر أن يقطع طوال العام والكثير أن يبلغه في طرفيه، وبهذا التخريج يصح أن نعتبر كسب العمل وعاء للزكاة مع هذا التقييد لتتحقق العلة التي استنبطها الفقهاء، ونعتبرها تابعًا للنصاب الذي يعد أساسًا للزكاة.

٢.٥ بقية الأموال الزكوية والأموال المستحدثة


وقد تساهل الحنفية فاكتفوا بإكمال الرصيد في أول العام وآخره من غير أن يذهب كله في أثناء العام، فيجب أن نلاحظ ذلك عند فرض الزكاة على كسب العمل وعلى المهن الحرة لتحقيق الحد الفاصل بين الغنى والفقير.
ويستخلص من هذا الرأي ما يلي:
خضوع كسب العمل لمعدل زكاة النقدين ٢.٥ % أي ربع العشر، لا بد للخضوع للزكاة من وجود النصاب في أول العام وفي آخره وحولان الحول عليه. ويشترط أن يكون هذا النصاب
فاضلًا عن حاجة الممول الأصلية، فإن أنفق الدخل من كسب العمل كله فلا زكاة عليه.