١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


رُوي عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرّقة -أي الفضة- من كل أربعين درهمًا درهمًا، وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم}}،
وروى أبو داود أيضًا عن علي بن أبي طالب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{إذا كانت لك مائتا درهم، وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، وحال عليها الحول ففيها نصف دينار}}.

وإن هذين الحديثين يدلان على ثلاثة أمور:

١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


أن نصاب الزكاة في النقدين هو مائتا درهم للفضة، وعشرون مثقالًا للذهب.

ولذلك عندما لم يعد الذهب والفضة أثمانًا للأشياء وقيمًا للمتلفات لم يعودا نقدين في هذه الأيام، وأصبحت النقود الورقية هي الموجودة في هذه الأيام في هذه الحالة أن يكون التقدير بالذهب لماذا؟ لأن الذهب هو متماسك القيمة، أما الفضة فهي متغيرة القيمة.

١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


ولكن ما وزن الدراهم التي اعتبرت المائتان فيها هي النصاب؟ نستطيع أن نفهم ذلك من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر عن نصاب الزكاة في الفضة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: {{ليس فيما دون الخمس أواق من الورق صدقة}}، والأواقي هي جمع أوقية، والورِق: هي الفضة، إن خمس الأواقي هي مائة درهم، أي أن الأوقية وزنها أربعون درهمًا، وتقدير النصاب بالوزن لا بالعدد؛ ذلك لأنه في صدر الإسلام لم يكن هناك نقد مستقل للعرب، بل يستعملون الدراهم والدنانير، ويأخذون بعملة البلاد المجاورة، وكان هناك أنواع ثلاثة من الدراهم بعضها يزن كل عشرة دراهم عشرة دنانير، وبعضها يزن كل عشرة دراهم خمسة دنانير أي مثاقيل، وبعضها يزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، فاختار الإمام عمر -رضي الله عنه- في الخراج والزكاة ما يكون وزن العشرة منها سبعة مثاقيل، ولعله لاحظ أنها هي التي تكون وزن الأربعين منها أوقية، فيكون عمله تطبيقًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم. والمثاقيل العشرون التي لنصاب الذهب تختلف -كما قلنا- من الممكن في هذه الأيام أن نقول إنها تصل في المتوسط أو في الغالب إلى خمسة وثمانين جرام من الذهب، وعلى ذلك الذي عنده هذه النقود الورقية في هذه الأيام، سواء جنيهات مصرية أو ريالات سعودية إنما -كما قلنا- النصاب هو ٨٥ جرامًا من الذهب، فإذا كان معه ما يساوي ٨٥ جرامًا من الذهب قيمة العملة فهنا تجب عليه الزكاة، إذا كان ما معه أقل من ٨٥ جرامًا من الذهب فلا زكاة عليه.


١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


زكاة الحلي
زكاة الحلي
اختلفوا في زكاة الحلي المباح هل تجب فيه زكاة أم لا؟ فقال الليث، والمالكية، والشافعية على الأظهر عندهم، والحنابلة في ظاهر المذهب: لا زكاة في حلي المرأة المباح لها مهما بلغ مقداره. وقال الحنفية وهو قول عند الشافعية: تجب الزكاة إن بلغ نصابه.
سبب اختلافهم: والسبب في اختلاف الفقهاء في هذه المسألة هو تردد شبه الحلي بين العروض المقصود منها المنفعة المباحة، والتي لا زكاة فيها بلا خلاف، وبين التبر والذهب والفضة المقصود منها المعاملة في جميع الأشياء، والتي يجب في نصابها الزكاة بلا خلاف، فمن شبّه الحلي بالعروض التي المقصود منها المنفعة قال: ليس فيه زكاة، ومن شبهه بالتبر والفضة المقصود منها المعاملة بها قال فيه الزكاة، وكذا اختلافهم في الآثار والنصوص الشرعية الواردة في ذلك.


١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


أدلة قول بالوجوب

استدل من قال بالوجوب
ما رواه الترمذي بسنده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: {{أن امرأة أتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعها ابنة لها وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من النار يوم القيامة؟ قال فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: هما لله عز وجل ولرسوله}}، وقد روي هذا الحديث بعدة روايات مختلفة عند الترمذي، وأبي داود، والنسائي، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم: {{فأديا زكاته}}. فهذا الحديث واضح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين للمرأة أن الزكاة واجبة على هذا الذهب الذي في يد ابنتها، على الرغم من أن البنت كانت تلبسه تتحلى به.
بحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: {{دخل علي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرأى في يدي فتخات من ورِق -الورِق الذي هو الفضة- فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله؟ قال: أتؤدينَ زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار}}، يعني كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحذر السيدة عائشة -رضوان الله تبارك وتعالى عليها- من أنها إذا لم تؤدِ الزكاة فقد عرضت نفسها لنار جنهم والعياذ بالله.


١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


ومن الآثار: ما روي عن عمر -رضي الله عنه- في خلافته: أنه كتب إلى أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- يقول: (إن من مرَّ من قِبَلِك من نساء المسلمين أن يزكين حليهن، ولا يجعلن الإعارة بينهم تعاوضًا) وهذا واضح أيضًا وصريح في أن الخليفة عمر بن الخطاب -رضوان الله تبارك وتعالى عليه- أمر أبا موسى الأشعري بأن يأخذ من نساء المسلمين الذين يمرون عليه زكاة الحلي التي يلبسونها، وهذا دليل الوجوب.
ومنها: قول عائشة -رضي الله عنها- قالت: (لا بأس بلبس الحلي إذا أعطيت زكاته)، وممن روي عنهم من التابعين القول بالوجوب: النخعي، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، وجابر بن زيد، وابن سيرين، والحسن البصري، وغيرهم.

أدلة من قال بأنه لا زكاة في الحلي المباح، وهم أهل المدينة، ومالك ومن وافقهم
بحديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: {{ليس في الحلي زكاة}}، وهذا نص في الموضوع، وأن هذا الحلي المباح لا زكاة فيه.
ما رواه مالك -رحمه الله- في (الموطأ) عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه: (أن عائشة -رضي الله عنها- كانت تحلي بنات أخيها، وكان يتامى في حجرها، كانت تحلي لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة).


١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


أن السيدة عائشة -رضوان الله تبارك وتعالى عليها- كانت تلبس بنات أخيها الحلي، ومع ذلك لا تخرج عن هذا الحلي زكاة، وهذا دليل على أن الزكاة ليست بواجبة في الحلي المباح؛ إذ إنها لو كانت واجبة لما غاب ذلك عن السيدة عائشة -رضوان الله تبارك وتعالى عليها- ولا أخرجت الزكاة عن هذا الحلي الذي كانت تلبسه بنات أخيها.
ما رواه مالك، عن نافع: (أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة) وهذا عبد الله بن عمر هو أعلم بالشريعة، ولذلك لو كان هناك زكاة في هذا الحلي الذي كان يُلبسه بناته لأخرج الزكاة.
ما رواه أبو عبيد عن ابن عمر أنه كان يزوّج المرأة من بناته على عشرة آلاف، فيجعل حليها من ذلك أربعة آلاف، فكانوا لا يعطون عنه الزكاة.
وبما روي عن جابر وأنس -رضي الله عنهما- أنهما سئلا عن الحلي: أفيه زكاة؟ فقال: لا. وأيضًا استدلوا بما رواه أبو عبيد عن القاسم بن محمد أنه سئل عن صدقة الحُلي، فقال: (ما رأيت أحدًا يفعله، وقد سألت عمتي أي عائشة -رضي الله عنها- فقالت: ما رأيت أحدًا يفعله، وقد كان لي عقد فيه ثنتا عشرة مائة فما كنت أصدقه). يعني ما كنت أخرج زكاته.

١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


بعد ذكر المذاهب وأدلتها في زكاة الحلي يتضح لنا تعارضها بعد الاعتراضات والمآخذ التي قال بها أصحاب كل مذهب بالنسبة لأدلة المخالفين لهم والرد عليها وتضعيفها، وعند التعارض بين الأدلة يكون الترجيح بينها بالجمع بينها إن أمكن، فإذا لم يمكن الجمع فيرجّح بين الأدلة، ويؤخذ بالقوي منها دون الضعيف، ويرجح الأقوى على القوي وهكذا.
الجمع بين المذهبين معًا لا يمكن العمل به؛ لتعارضهما في الحكم، وكذلك لتعادل الأدلة عند الفريقين في مجموعها قوة وضعفًا، كان الترجيح بمعناه الدقيق بالنسبة لنا في هذا المقام يصعب، فسوف نكتفي بما ذكره الفقهاء والعلماء في هذا المجال.
وقال ابن رشد بعد أن ذكر أثر جابر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- {{ليس في الحلي زكاة}}، كدليل لمن لا يوجب الزكاة في الحلي، وأُثر عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في المرأة التي جاءت مع ابنتها، وفي يد ابنتها مسك من ذهب، فقال لها: أتؤدين زكاة هذا؟ والذي سبق ذكره بتمامه، والأثران ضعيفان بخاصة حديث جابر.

١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


وقال الموصلي في باب زكاة الذهب والفضة: وتجب فيما مضروبهما وتبرهما وحليهما وآنيتهما نوى التجارة أو لم ينوِِ، قال الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) [التوبة: ٣٤] علق الوجوب باسم الذهب والفضة، وأنه موجود في جميع ما ذكرنا؛ لأن المراد بالكنز عدم إخراج الزكاة، فحديث جابر وابن عمر -رضي الله تعالى عنهما: (كل ما لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرًا، وما أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا)، وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: (كنت ألبس أوضاحًا من الذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هي؟ فقال: {{إن أديتِ زكاته فليس بكنز}}، فيسير تقدير: ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) ورأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليهما سوارين من ذهب، فقال: {{أتحبان أن يسوركما الله بسوارين من نار؟ قالتا: لا. فقال: فأدّيا زكاتهما}}.

ما تجب فيه الزكاة من الحرث

ما تنبته الأرض ثلاثة أنواع: الحبوب، والخضروات، والثمار.


١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


اتفق الفقهاء قاطبة على وجوب الزكاة في الحنطة، والشعير، والمقصود بالحنطة هنا هو القمح، هذا باتفاق يعني أنهم أوجبوا الزكاة في الحنطة والشعير هذا باتفاق.

ثم بعد ذلك تفاوتت وجهات نظرهم، وتباينت آراؤهم فيما سوى ذلك من الحبوب، بعض الفقهاء قال: بأن الزكاة تجب في الحبوب في كل ما يُقتات يعني يستطيع الإنسان أن يأكله ويدّخر من الحبوب، هؤلاء استدلوا على ما ذهبوا إليه:
بقول الله تعالى: ((كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)) [الأنعام: ١٤١]. وجه الإسناد من هذه الآية قال القرافي من المالكية: قال العلماء هذا حكم عام في هذه الأشياء، والحكم المشترك يجب أن يكون معللًا بعلة مشتركة، وهي عند مالك الادخار للقوت غالبًا؛ لأنه وصف مناسب في الاقتيات من حفظ الأجساد التي هي سبب مصالح الدنيا والآخرة، وإذا عظمت النعمة وجب الشكر بدفع الزكاة، فكأن الإمام القرافي من المالكية يبين أنه يؤخذ من قول الله تبارك وتعالى: ((كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)) يقول: إن ذلك ينبغي أن يكون للزراعات أو الحبوب التي تقتات غالبًا؛ لأنَّ في هذه الأشياء فيها حفظ للأجساد التي هي سبب مصالح الدنيا والآخرة، وإذا عظمت النعمة وجب الشكر بدفع الزكاة. فهذا إذن دليل على أن الزكاة لا تجب إلا في ما يقتات ويدخر.

وبعد عرضنا لآراء الفقهاء، نرى أن ما ذهب إليه الأحناف من وجوب الزكاة في كل ما أخرجت الأرض هو الرأي الذي نختاره؛ لأن عموم النصوص من القرآن والسنة تؤيده، وهو الموافق لحكمة تشريع الزكاة، فليس من العدل أن تؤخذ الزكاة من زارع الشعير والقمح ويعفى منها صاحب البساتين من البرتقال أو المانجو أو التفاح، وقد أصبحت هذه الأصناف الأخيرة في وقتنا الحاضر تدرّ على صاحبها ثروات طائلة أهم وأعظم بكثير من ثروة الشعير والقمح، فمن العدالة إيجاب الزكاة في تلك الأنواع من الثمار لتحقق المساواة بين الجميع في تحمل التكاليف العامة المالية في الدولة والتي من أهمها الزكاة.

١.٥ الزكاة في الذهب والفضة


ومن السنة: بما روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أواقٍ صدقة}}، وفي رواية محمد بن رافع عن عبد الرزاق: {{ليس في حب ولا ثمر}}، بفتح مثلثة. عام في جملة الحبوب والثمار، وهذا إنما يطلق على ما يُقتات ويدخر.
قوله صلى الله عليه وسلم: {{ليس في الخضراوات صدقة}}، ومعنى {{ليس في الخضراوات صدقة}}؛ لأن الخضروات
لا تُقتات ولا تدخر، وهذا يفهم منه أنها تجب فيما يقابل الخضروات، وهي ما يُقتات ويدخر، وبالتالي يكون الحديث
دالًّا على أن الزكاة إنما تجب فيما يقتات ويدخر فقط.

يرى البعض الآخر من الفقهاء أنَّ الزكاة تأخذ من كل ما أخرجته الأرض، لا فرق في ذلك بين صنف وصنف ولا بين مطعوم وغير
مطعوم ففي كل ما أخرجت الأرض زكاة ما عدا الحشيش والحطب، ولكن إذا زرع الحشيش والحطب من أجل التجارة تجب فيهما الزكاة إذا بلغ نصابًا وهذا هو رأي الحنيفة.