![]() |
اتفق الفقهاء على أن جريمة السرقة تثبت بالإقرار من السارق، ويشترط في المقر ما يلي: |
![]() |
أن يكون بالغًا -وعلى هذا فلا يصح إقرار الصبي في شيء من الحدود- عاقلًا مختارًا, لحديث النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق)) والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وإسناده صحيح، ولقوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه)) أخرجه الطحاوي في (شرح المعاني)، والحاكم وصححه، وفيه مقال. |
![]() |
أن يفصل المقر في إقراره، فيبين العين المسروقة, لاحتمال أن تكون مما لا يجب فيها القطع بسرقتها، كالمال غير المحرم، ويبين قيمتها وقت السرقة، إذ القطع لا يجب فيما دون النصاب، ويبين المكان الذي سرقت منه, لئلا تكون سرقت من غير حرزٍ أو من حرزٍ لا يصلح لحفظ هذه العين، ويبين المسروق منه, لجواز أن يكون للسارق شبهة في المال المسروق، كما لو سرق مال أحد أصوله أو فروعه وغير ذلك, لاحتمال الشبهة الدارئة للحد, وأن يكون إقراره بعد الدعوى عليه، ويقر إقرارًا صحيحًا لا لبس فيه. |
![]() |
وذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى عدم اشتراط كون الإقرار في مجلس القضاء خلافًا للحنفية. |
![]() |
ويشترط الإقرار مرتين لثبوت حد السرقة، وذهب إلى ذلك الحنابلة في المشهور عندهم وأبو يوسف وابن أبي ليلي من الحنفية، وقد استدلوا بما رواه أبو داود عن أبي أمية المخزومي، ((أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِي بسارق اعترف، ولم يوجد عنده متاع، فقال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما إخالك سرقت، فقال: بلى، مرتين أو ثلاثًا، فقال: اذهبوا فاقطعوه ثم احسموه)) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، خلافًا للجمهور الذين استدلوا على رأيهم بما رواه البيهقي عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: ((أن سارقًا أُتي به إلى رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقيل: إن هذا سرق شملة، فقال عليه السلام: ما إخاله سرق، فقال السارق: بلى يا رسول الله، فقال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه)) فقالوا: ليس في الحديث تكرار الإقرار، وإنه أمر بإقامة الحد عليه بعد اعترافه. |
![]() |
اتفق الفقهاء على أن الشهادة وسيلة من وسائل إثبات جريمة السرقة الموجبة للقطع، وأنها حجة في إصدار الأحكام، وهي الطريق المعتاد لإثبات الجرائم، واشترط الفقهاء في الشهادة شروطًا وهي: |
![]() |
العدد: فيشترط أن يكون الشهود اثنين من الرجال على الأقل, فلو شهد واحد فقط فإنه لا يثبت به حد السرقة. |
![]() |
أن يكون الشاهد مسلمًا، فلو كان كافرًا فلا تقبل شهادته, لأن الشهادة فيها معنى الولاية، ولا ولاية للكافر على المسلم, لقول الله تعالى: ((وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا)) [النساء: ١٤١]، ولقوله تعالى: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [الطلاق: ٢] والكافر ليس بعدل، فمع الكفر تنتفي العدالة، كما أنه ليس منا وعليه فلا تقبل شهادته علينا، هذا إن كان يشهد على المسلم. وفي شهادة الكافر على الكافر قولان: |
![]() |
أحدهما: لا تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض، وهو مذهب المالكية والشافعية والظاهرية، واستدلوا على ذلك بقوله الله سبحانه: ((وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) [المائدة: ٦٤]. |
![]() |
والآخر: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري، واستدلوا بقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)) [الأنفال: ٧٣]، وبفعل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قبول شهادتهم في الحدود، كما رواه الإمام مسلم في (صحيحه) عن اليهودي واليهودية وقد زنيا ورجمهما رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والراجح من القولين القول الأخير، فتقبل شهادة بعضهم على بعض. |
![]() |
أن يكون الشاهد بالغًا، فلا تقبل شهادة الصبي حتى لو كان مميزًا, لقول الله تعالى: ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)) [البقرة: ٢٨٢] والصبي ليس من الرجال، كما أنه غير مؤتمن على ماله فعلى حقوق الغير أولى. |
![]() |
أن يكون عاقلًا, فلا تقبل شهادة المجنون والمعتوه والسكران سواء أسكر بمباح أم بمحرم, لأن الشهادة كلام يترتب عليه حكم خطير، فلا بد من فهم الحادثة المشهود بها، والفهم لا يكون إلا بآلته وهي العقل، وهؤلاء لا عقل لهم. |
![]() |
أن يكون عدلًا, فلا تقبل شهادة الفاسق لقول الله تعالى: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ)) [الطلاق: ٢]، وقوله سبحانه: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)) [الحجرات: ٦] حيث أمر الله تعالى بالتبين بنبأ الفاسق، والشهادة نبأ, فوجب التوقف والامتناع. |
![]() |
أن يكون ذكرًا, فلا تقبل شهادة النساء في حد السرقة, لما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة من لدن رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والخليفتين من بعده أنه لا تقبل شهادة النساء في الحدود والقصاص، وعلى ذلك فلو شهد رجل وامرأتان ثبت المال فقط، ولا يثبت الحد. |
![]() |
واشترط الجمهور كون الشاهد بصيرًا, لما روي أن رجلًا أعمى شهد عند علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقالت أخت المشهود عليه: إنه أعمى! فذُكر ذلك لعلي فرد شهادته، والأثر أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) خلافًا للمالكية والشافعية والظاهرية. |
![]() |
أن يفصل الشاهدانِ في شهادتهما، فيذكرا الشروط الموجبة للقطع، وبيان السارق والمسروق منه، وقدر المسروق، والحرز، ويقرا بأنه لا علم لهما بوجود شبهة للسارق، وأن يتفقا في شهادتهما، فلو اختلف الشاهدان في شهادتهما فلا تثبت السرقة، وخالف في شرط التفصيل الظاهرية فأوجبوا الحد على السارق, لأن الاختلاف في هذا ليس اختلافًا في جوهر الشهادة، فلا تتم بدونه. |
![]() |
قال الماوردي الشافعي: وقطع السارق من حقوق الله المحضة، والغرم فيه من حقوق الآدميين المحضة، فأما الغرم فيصح العفو عنه قبل علم الإمام وبعده، وأما القطع فيصح العفو عنه قبل علم الإمام، ولا يصح العفو عنه بعد علمه, لرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال لصفوان بن أمية حين قال في سارق ردائه: "هو عليه صدقة"، فقال: ((هلا قبل أن تأتيني به، اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي, فلا عفا الله عنه. فأمر بقطعه)) وأشار إلى نحوه ابن عبد البر في الاستذكار، والكاساني في بدائع الصنائع. |
![]() |
جمع القاضي عياض وغيره من العلماء أنواع السرقة، فقالوا: هي: |
![]() |
الجحد، وهو عند القاضي عياض: إنكار ما تقرر في ذمة الجاحد وأمانته، وهو نوع من الخيانة، وهو كذلك في اللغة، يقال: جحد الأمر وبه جحدًا وجحودًا: أنكره مع علمه به، وفي الكتاب العزيز: ((وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ)) [النمل: ١٥]، وجحد فلانًا حقه، أي: لم يعترف به. |
![]() |
الحرابة، وهي عند القاضي عياض: كل ما أُخذ بمكابرة ومدافعة، وسوف يأتي الحديث عن حد الحرابة. |
![]() |
الخديعة، وهي عند القاضي: كل ما أُخذ بحيلة، ومن معانيها اللغوية: خدع فلانًا خدعًا وخدعة وخديعة: أظهر له خلاف ما يخفيه، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم، وفي التنزيل العزيز: ((وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الل-هُ))[الأنفال: ٦٢]، وخدع الشيء خدعًا، أي: كتمه وأخفاه. |
![]() |
الاختلاس، وهو عند القاضي: كل ما أُخذ بحضرة صاحبه على غفلة، وفرّ آخذه بسرعة، وأصله في اللغة من: خلس الشيء خلسًا: استلبه في نهزة ومخاتلة، أي: في فرصة ومخادعة على غفلة، يقال: خالس فلانًا: انتهز منه فرصة, فأعجله. |
![]() |
الخيانة، وهي عند القاضي: كل ما كان لآخذه قبله أمانة أو يد، وفي اللغة: خان الأمانة: لم يؤدها أو بعضها، واختان المال واختان النفس، وفي التنزيل العزيز: ((عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ)) [البقرة: ١٨٧] أي: تخونونها، وتخونني حقي، أي: تنقصه شيئًا فشيئًا. |
![]() |
السرقة، وهي عند القاضي: ما أخذ على وجه الاختفاء، وهي كذلك موجزة على ما سبق في تعريفها لغة واصطلاحًا. |
![]() |
التعدي: ما أخذ بغير إذن صاحبه بحضرته أو بغيبته، وفي اللغة: تعدى عليه، أي: ظلمه، من عدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا وعَدَاءً وعُدْوَانًا: ظلمه وتجاوز الحد، وعدا اللص على الشيء: سرقه. |
![]() |
الغصب، وهو عند عياض: ما أخذه ذو القدرة والسلطان، وفي اللغة: غصب الشيء غصبًا: أخذه قهرًا وظلمًا، ويقال: غصبه ماله، وغصب منه ماله، فهو غاصب، وفي سورة الكهف قوله تعالى: ((وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)) [الكهف: ٧٩]. |
![]() |
الغيلة، وهي عند القاضي: ما أخذ بعد قتل صاحبه بحيلة, ليأخذ ماله، وحكم الغيلة كحكم الحرابة -كما قال عياض. |
![]() |
القهر: وهو نحو الغصب عند القاضي, إلا أنه يكون من ذي القوة للضعيف، ومن الجماعة للواحد. |
![]() |
وليس فيما عدا السرقة والحرابة وما ألحق بها حد, لحديث رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي رواه الإمام الترمذي في (جامعه)، باب "ما جاء في الخائن والمختلس والمنتهب": عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، عن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ((ليس على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس قطع)) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. |
![]() |
ونقل ابن رشد الاتفاق على أنه ليس في الخيانة ولا في الاختلاس قطع، إلا إياس بن معاوية فإنه أوجب في الخلسة القطع، وأوجب أيضًا قوم القطع على من استعار حليًّا أو متاعًا ثم جحده, لمكان حديث المرأة المخزومية المشهورة. ثم ذكر ابن رشد من قال بذلك، وموقف الجمهور من الحديث، وقولهم: في الحديث حذف، وهو: أنها سرقت، مع أنها جحدت، ويدل عليه قوله -عليه الصلاة والسلام: ((إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه)) وقالوا: وروى هذا الحديث الليث بن سعد عن الزهري بإسناده، فقال فيه: ((إن المخزومية سرقت)) قالوا: وهذا يدل على أنها فعلت الأمرين جميعًا: الجحد، والسرقة. |