![]() |
لم يرد في الكتاب حد مبين، ولكن ورد ذلك في السنة، ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري في باب "ما جاء في ضرب شاربي الخمر" من كتاب "الحدود" عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- ((أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين)). |
![]() |
وروى الإمام مسلم في ذات الباب والكتاب قول علي -رضي الله عنه- بعد أن عد على محدود في شرب الخمر أربعين، أمسك، ثم قال: ((جلد النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكلٌّ سنة، وهذا أحب إلي)). |
![]() |
ولهذه الأدلة، اختلف العلماء في حد الخمر على ما يلي: |
![]() |
يجب الحد بالرائحة إذا شهد بها عند الحاكم شاهدان عدلان، وبذلك قال الإمام مالك وأصحابه، وجمهور أهل الحجاز، ورواية أبي طالب عن الإمام أحمد -رحمه الله- وعمدة المالكية في ثبوت حدّ الخمر بوجود رائحتها تشبيهها -أي: قياسها- بالصوت والخط. واستدل ابن قدامة لهذا القول "بأن ابن مسعود -رضي الله عنه- جلد رجلًا وجد منه رائحة الخمر"، وذلك خلافًا لقول الأئمة أبي حنيفة، والشافعي، وجمهور أهل العراق، وطائفة من أهل الحجاز، وهو الذي رجحه ابن قدامة للحنابلة, لأن الرائحة محتملة والروائح تشتبه، ولاحتمال الإكراه وهي شبهة يدرأ بها الحد. |
![]() |
إذا وجد سكران، والسكران عند الإمام أبي حنيفة: هو الذي لا يعقل منطقًا لا قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعقل الرجل من المرأة، وقال الصاحبان أبو يوسف ومحمد: هو الذي يهذي ويختلط كلامه، وتعريف الصاحبين هو الذي قال به الأئمة الثلاثة ومال إليه أكثر المشايخ, لأن المتعارف عليه أنه إذا كان الشخص يهذي فإنه يسمى سكران، ويتأيد هذا بقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه: "إذا سكر هذى", فالمالكية يقولون بالحد كالرائحة، وأبو حنيفة يعتبر شاهدين يشهدان بوجود الرائحة منه أو أنهما وجداه سكران، خلافًا للشافعي في عدم الحد للاحتمال والشبهة. |
![]() |
واعتبر ابن قدامة الحد على من تقيأ خمرًا, لأن هذا دليل على شربها لقول عمر -رضي الله عنه- الذي أخرجه البيهقي في ذلك. |
![]() |
الضرب يكون بالسياط, لقول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((إذا شرب الخمر فاجلدوه)) أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما، ولأن الخلفاء الراشدين ضربوا بالسياط وكذلك غيرهم، فكان إجماعًا. |
![]() |
والرجل يضرب قائمًا، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي وأحمد في رواية. وقال مالك: يضرب جالسًا ولا يمد ولا يربط، والمرأة تضرب جالسة وتمسك يداها لئلا تنكشف، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، والحنابلة لما رُوي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: "تضرب المرأة جالسة، والرجل قائمًا" ولأن المرأة عورة وجلوسها أستر لها، وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: تحد قائمة. |
![]() |
قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)) [النساء: ٤٣] وقال العلماء في تفسير الآية: النهي عن قربان الصلاة نفسها، قال ذلك علي، وابن عباس، والحسن، ومالك، وأبو حنيفة، بدليل قوله تعالى بعدها: ((حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)). |
![]() |
وقال آخرون: المراد بذلك موضع الصلاة وهو المسجد، قاله ابن عباسٍ في قولٍ ثانٍ له، وعبد الله بن مسعود، وهو مذهب الشافعي، كما قال تعالى: ((لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ)) [الحج: ٤٠] فسمى مواضع الصلاة صلاةً، ويدل على هذا التأويل قوله تعالى في الآية: ((وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ)) [النساء: ٤٣] وهذا يقتضي جواز العبور للجنب في المسجد لا للصلاة فيه. |
![]() |
وقالت طائفة بعد القولين السابقين: المراد: الموضع والصلاة معًا, لأنهم كانوا حينئذٍ لا يأتون المسجد إلا للصلاة، ولا يصلون إلا مجتمعين, فكانا -أي: الصلاة والموضع- متلازمين. |
![]() |
وقال ابن تيمية في الفتاوى: من سكر من شرابٍ مسكرٍ أو حشيشةٍ مسكرة, لم يحل له قربان المسجد حتى يصحو، ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول، ولا بد أن يغسل فمه ويديه وثيابه للنجاسة من الخمر. |
![]() |
واتفق العلماء على أنه لا تصح صلاة من زال عقله بأي سببٍ زال، وبناءً على ما تقدم, فإن الشخص إذا شرب الخمر ونحوها عصى وأثم، ويمنع من دخول المسجد ومن الصلاة, فإن صلى فلا تصح صلاته وعليه قضاؤها، وإن لم يصلِّ أثم ولا تسقط عنه من أجل أنه أدخل السكر على نفسه, فهو كالمتعمد لتركها، أما إن كان يعلم ما يقرأ في صلاته فهي صحيحة، ويبقى عليه إثم معصية الشرب، وكذلك الحكم في سائر عباداته من قراءة قرآن، وذكر، وتسبيح، واستغفار. |
![]() |
قال الحنفية: إن السكران إن كان سكره بطريقٍ محرم فلا يبطل تكليفه، فتلزمه الأحكام, فهو كالصاحي فيما فيه حقوق العباد عقوبةً عليه, لأنه أدخله على نفسه، فتصح عباراته من الطلاق، والعتاق، والبيع، والإكراه, واختلف فيه قول الشافعي، وألزمه مالك الطلاق والقود في الجراح والقتل، ولم يلزمه النكاح والبيع. |
![]() |
وقال ابن قدامة الحنبلي: الحكم في عتقه، ونذره، وبيعه، وشرائه، وردته، وإقراره، وقتله، وقذفه، وسرقته كالحكم في طلاقه, لأن المعنى في الجميع واحد، وحد السكر الذي يقع الخلاف في صاحبه هو الذي يجعله يخلط في كلامه، ولا يعرف رداءه من رداء غيره، ونعله من نعل غيره، ونحو ذلك، ويجب القصاص على السكران إذا قتل حال سكره. |
![]() |
روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)) لذلك فإن صناعة الخمور، والمخدرات وزراعتها، والاتجار فيها محرم لهذا الحديث، ولأن الشريعة الإسلامية في تحريمها بيع الخمور والمخدرات والمسكرات، إنما تقصد من وراء ذلك عدم المساعدة في انتشارها والإعانة على المعاصي والإضرار بتعاطيها، ومن هنا كانت جميع الوسائل المؤدية إلى ترويج المخدرات محرمةً، سواء كانت زراعةً أو إنتاجًا أو تهريبًا أو تجارة, لكونها تعاونًا على الإثم والعدوان المنهي عنهما بقوله تعالى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)) [المائدة: ٢] فهذه الأمور حرام حرمة المخدرات ذاتها, لأن الأمور بمقاصدها. |
![]() |
وكذلك فالمال المكتسب من هذه التجارات محرم خبيث, لما روي عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن الله إذا حرم شيئًًا حرم ثمنه))، ووجه الدلالة من الحديث ظاهر في أن المعاصي محرمة، ومنهي عن مقارفتها فينهى عن ثمنها أخذًًا وإعطاءً، وإذا حرم ثمن المحرم حرم المال المكتسب من ورائه، وحرم الانتفاع به في أي وجهٍ من الوجوه، وعلى ذلك يكون هذا المال الحرام وبالًا على صاحبه، ولا يقبل الله تعالى منه صدقةً ولا نفقة، ففي القرآن الكريم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ)) [البقرة: ٢٦ ٧]. |
![]() |
وفي الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر النبيين بما أمر به المرسلين، فقال:) ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا)) [المؤمنون: ٥١]، وقال:((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ))[البقرة: ١٧٢]. ( ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!)). وروى أحمد في مسنده عن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((والذي نفسي بيده، لا يكسب عبدٌ مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده في النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث)). |
![]() |
المفترات: جمع مفترٍ اسم فاعل، وهو في اللغة: الذي يفتر الجسد إذا شرب، فالتفتير هو ابتداء التخدير أو السكر وابتداء النشوة، ومدخل لكل منهما. والمفترات كالمخدرات ليست محصورة، ومن المتعذر كذلك إيراد حصرٍ كاملٍ لها، ومن ذلك: القات، وجوزة الطيب، والداتورة، والتبغ أو التتن، والبنج، والزعفران، والبسباسة، ونبات الخشخاش، والبرش. |
![]() |
وهذه وغيرها تعود بالضرر على الفرد والمجتمع من جميع النواحي الصحية والاقتصادية والسلوكية والدينية, لما لها من الآثار السلبية كحالات الوفاة وأمراض السرطان، وما ينفق في ذلك من الأموال الطائلة، وما يجعل الأجيال أشد ضعفًا ووهنًا، بالإضافة إلى التكاسل عن أداء الواجبات الدينية كالصلوات، وحضور الجماعات, فلا ينتهي عن الفحشاء والمنكر. |
![]() |
روى أبو داود عن أم سلمة -رضي الله تعالى عنها- قالت: ( (نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن كل مسكرٍ ومفتر)). وفي (عون المعبود شرح سنن أبي داود) قال الطيبي: لا يبعد المستدل به على تحريم البنج، والشعثاء، ونحوهما مما يفتر ويزيل العقل, لأن العلة -وهي إزالة العقل- مطردة فيها. وقال الخطابي بعد بيانه لمعنى المفتر: ونَهى عن شربه لئلا يكون ذريعة إلى السكر. |
![]() |
وحكى العراقي، وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، وأن من استحلها كفر, وروي: ((ألا إن كل مسكر حرام، وكل مفتر وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام))، فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- حرمة هذه الأشياء الثلاثة في وقتٍ واحد، ثم في ذكره لحرمة قليلٍ من المسكر، وعدم ذكره لقليل من المفتر والمخدر- أبين دليلٍ وأصرح بيان على أن حكم قليل من المفتر، وحكم قليل من المخدر غير حكم قليل من المسكر, فإن قليلًا من المسكر يحرم، وقليلًا من المخدر والمفتر لا يحرم. |
![]() |
وأما شرب الدخان فالفقهاء قديمًا قد اختلفوا في حكم شاربه, لعدم الوقوف على حقيقته وأضراره.وبعد أن كشف الطب اليوم عن أضراره المحققة، وأنه سبب للعديد من الأمراض الجسيمة, فإنه لا يشك عاقل في القول بحرمته الآن. والدليل على التحريم قول الله تعالى: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) [البقرة: ١٩٥] وقوله تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُم)) [النساء: ٢٨] وقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين: ((من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها -أي يطعن بها كما في رواية مسلم- في بطنه في نار جهنم، خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه, فهو يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)). والدخان فيه سم النيكوتين يقتل شاربه ببطء، ففيه قتل بطيء للنفس, فصاحبه يعذب بشربه في النار. |