٢.١٠ ألفاظ القذف وموجبها، والسب وأحكامه


ألفاظ القذف

ألفاظ القذف الصريح: وهي تستوجب الحد بلا خلاف بين العلماء، فاتفق الفقهاء على وجوب حد القذف بصريح لفظ الزنا، كقوله: يابن الزانية، يا زاني، ونحو ذلك.

٢.١٠ ألفاظ القذف وموجبها، والسب وأحكامه


من قذف زوجته
كل قذف للزوجة يجب به اللعان؛ سواء قال لها: زنيتِ أو رأيتك تزنين؛ سواء كان القاذف أعمى أو بصيرًا، نص عليه أحمد، وبهذا قال الثوري والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور، وهو قول عطاء. وقال يحيى الأنصاري وأبو الزناد ومالك: لا يكون اللعان إلا بأحد أمرين: إما برؤية، وإما بإنكار للحمل، فإذا قذف زوجته المحصنة وجب عليه الحد، وحُكِمَ بفسقه ورد شهادته إلا أن يأتي ببينة أو يلاعن؛ فإن لم يأتِ بأربعة شهداء أو امتنع من اللعان لزمه ذلك كله، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجب اللعان دون الحد؛ فإن أبى حُبِسَ حتى يلاعِن.
فما كان من قذف صريح من الزوج لزوجته فعليه البينة أو اللعان وإلا فالحد في ظهره، وما كان منه صريحًا فَيُنْظَرُ؛ هل يحتمل درءًا للحد بالشبهة فيدرأ، أو لا يحتمل فتحد أمّا إن لم يُحَدّ أحدهما، فالواجب التعزير للرمي بالمكاره.
وأما إن قذف الجماعة بكلمات؛ فلكل واحد حدٌّ، وبهذا قال عطاء وقتادة وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: لا يجب إلا حد واحد؛ لأنها جناية توجب حدًّا؛ فإذا تكررت كفى حد واحد كما لو سرق من جماعة، أو زنى بنساء، أو شرب أنواعًا من المسكر.

٢.١٠ ألفاظ القذف وموجبها، والسب وأحكامه


ليس عليه إلا حد واحد جمعهم في القذف أو فرقهم، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري وأحمد وجماعة، وعمدة من لم يوجب على قاذف الجماعة إلا حدًّا واحدًا حديث أنس وغيره: ((أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سمحاء، فرفع ذلك إلى النبي -عليه الصلاة- والسلام- فلاعن بينهما ولم يحده لشريك)) وذلك إجماع من أهل العلم فيمن قذف زوجته برجل، وقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)) ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة فلم يحدهم عمر إلا حدًّا واحدًا، ولأنهم قذف واحد فلم يجب إلا حد واحد كما لو قذف واحدة.

٢.١٠ ألفاظ القذف وموجبها، والسب وأحكامه


متى يجب الحد ومتى يسقط؟
اختلفوا في سقوطه بعفو المقذوف؛ فقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يصح العفو -أي: لا يسقط الحد- وقال الشافعي: يصح العفو -أي: يسقط الحد- بلغ الإمام، أو لم يبلغ.
وقال قوم: إن بلغ الإمام لم يجز العفو، وإن لم يبلغه جاز العفو، واختلف قول مالك في ذلك؛ فمرةً قال بقول الشافعي، ومرة قال: يجوز إذا لم يبلغ الإمام، وإن بلغ لم يجز، إلا أن يريد بذلك المقذوف السترَ على نفسه، وهو المشهور عنه، والسبب في اختلافهم؛ هل هو حق لله، أو حق للآدميين، أو حق لكليهما؟
والراجح: كون حد القذف من الحقوق المشتركة، إلا أن حق العبد فيه غالبٌ، وعليه فلا يقام إلا بطلبه -إن كان حيًّا وحاضرًا- ويُنْتَظَرُ عودته -إن كان غائبًا- فإن كان ميتًا فلورثته الحق في المطالبة، وللجميع العفو ولو بلغ الإمام طلبًا للستر، ولا يبطل ذلك الحق بالتقادم ولا برجوع القاذف عن قوله.
وذهب الكاساني الحنفي إلى أن الأفضل للمقذوف أن يترك الخصومة؛ لأن فيها إشاعة للفاحشة، وهو مندوب إلى تركها، وكذا العفو عن الخصومة والمطالبة التي هي حقها من باب الفضل والكرامة، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة: ((وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)) [البقرة: ٢٣٧].

٢.١٠ ألفاظ القذف وموجبها، والسب وأحكامه


إقامة الحد
لا يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه، وينبغي أن يكون الجلاد عاقلًا بصيرًا بأمر الضرب، فيضرب ضربة بين ضربتين ليست بالمُبَرِّحة، ولا بالتي لا يوجد فيها ألم، ولا يجرد في حد القذف بلا خلاف؛ لأن وجوبه بسبب متردد محتمل، فيُرَاعَى فيه التخفيف بترك التجريد كما روعي في أصل الضرب، وما لم يكن فيه حد من الألفاظ ففيه التعزير بحسب اجتهاد الإمام، ولا يبلغ به الأربعين، وقيل: بل، وقيل: بحسب مكانة المقذوف وقيل غير ذلك.

٢.١٠ ألفاظ القذف وموجبها، والسب وأحكامه


السب وأحكامه
نهي الكتاب والسنة عن السب

من الكتاب: قول الله تعالى: ((وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [الأنعام: ١٠٨]، وقوله تعالى:((وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ)) [الحجرات: ١١].
ومن السنة: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضَوا إلى ما قدموا)) رواه الأئمة: البخاري، وأحمد، والنسائي، عن عائشة، وهو صحيح.
في سب الله تعالى -والعياذ بالله- وحكمه
مما ورد في السنة من النهي: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((قال الله -عز وجل: يسب ابن آدم الدهر وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار))، وفي رواية: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((قال الله -عز وجل: يؤذيني ابن آدم، يقول: يا خيبةَ الدهر، فلا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإني أنا الدهر، أقلب ليلَه ونهاره، فإذا شئتُ قبضتهما)).

٢.١٠ ألفاظ القذف وموجبها، والسب وأحكامه


ومن سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحًا أو جادًّا، وكذلك من استهزأ بالله تعالى أو بآياته أو برسله أو كتبه ويجب قتله بالإجماع، قال الله تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)) [الأنفال: ٦٥، ٦٦].
وينبغي ألا يكتفى من الهازئ بذلك بمجرد الإسلام حتى يؤدب أدبًا يزجره عن ذلك، فإنه إذا لم يكتف ممن سب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالتوبة، فمِمَّن سب الله تعالى أولى.

حكم سب النبي -صلى الله عليه وسلم
ساب النبي -صلى الله عليه وسلم- كافر، وسبه رِدة عن الإسلام وخروج عن الملة، ويجب قتله حدًّا ولا تُقبل توبته، ويلحق بالسب الاستهزاء والاستخفاف بسنته -صلى الله عليه وسلم- وهو المُفتى به عند الحنفية، ورواية عن المالكية، ورواية نص عليها الإمام أحمد ذكرها الخرقي، ورجحها ابن قدامة، وهذا المذهب هو الذي قال به ابن تيمية، وبنى عليه كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول -صلى الله عليه وسلم)، واستدل عليه بأدلة كثيرة، وأن توبته لا تُقبل؛ إعظامًا لحرمته -صلى الله عليه وسلم- ولأن التوبة من قذف غيره لا تقبل في سقوط الحد، ففي قذفه -صلى الله عليه وسلم- أولى، فحد قتله لا يسقط بالتوبة. ونقل ابن تيمية عن ابن المنذر إجماع عوام أهل العلم على قتل من سب النبي -صلى الله عليه وسلم.

٢.١٠ ألفاظ القذف وموجبها، والسب وأحكامه


وقال آخرون: تقبل توبته، مسلمًا كان أو كافرًا، فإن تاب المسلم أو أسلم الكافر سقط عنه القتل، وهو قول عند الحنفية، ورواية عند المالكية، ومذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد حكاها أبو الخطاب، قال تعالى: ((قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ)) [الأنفال: ٣٥]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام يجبّ ما كان قبله)) وهذا المذهب هو الراجح.