٢.٩ كيفية تنفيذ حد الزنا


ما يشترط لإقامة الحدود عامة

اتفق الفقهاء على أنه لا يقيم الحدود إلا الإمام أو من فوض إليه الإمام، واستدلوا على ذلك بأنه لم يقم حد على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بإذنه، ولا في أيام الخلفاء الراشدين -رضوان الله عليهم أجمعين- إلا بإذنهم، ولأن الحد حق لله تعالى يفتقر إلى الاجتهاد, ولا يؤمن فيه الحيف -أي: الجور والظلم- لم يجز بغير إذن الإمام. هذا ويجوز إقامة السيد الحد على رقيقه بشروطه، ولثبوت ذلك في السنة الصحيحة.

٢.٩ كيفية تنفيذ حد الزنا


ما يشترط لإقامة حد الزنا خاصة

إن كان الحد هو الرجم
إذا ثبت الزنا ببينة، فإن الشهود هم الذين يبدءون بالرجم ثم الناس، ولأن فعل ذلك أبعد للشهود من التهمة في الكذب عليه، فإن هرب المرجوم منهم أتبعوه حتى يقتلوه.
أما إن ثبت الزنا بالإقرار، فإن الحاكم أو من ينيبه هو الذي يبدأ بالرجم، ثم يرجم الناس بعده. وروى سعيد بإسناده عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: "الرجم رجمانِ؛ فما كان منهما بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس، وما كان ببينة فأول من يرجم البينةُ ثم الناس".
فإن هرب المرجوم الذي أقر على نفسه، وجب تركه؛ لما روي أن معاذ بن مالك لما وجد مس الحجارة خرج يشتد -أي: يسرع في عدوه لما اشتد عليه أمر الرجم- فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير -وهو ما فوق الرسغ من الساق- فرماه به فقتله، ثم أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فذكر ذلك له فقال: ((هلا تركتموه يتوب، فيتوب الله عليه!)) رواه أبو داود في باب "رجم ماعز بن مالك" من كتاب "الحدود"، ولأنه يحتمل الرجوع فيسقط عنه الحد، لكن إن قتله قاتل في هربه فلا شيء عليه؛ لحديث أنيس السابق.

٢.٩ كيفية تنفيذ حد الزنا


ولكن يؤخر رجم الحامل حتى تضع حملها؛ وذلك لأمره -صلى الله عليه وسلم- المرأة الغامدية بأن تذهب حتى تضعه، ثم لما أتته بعد وضعه قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، ثم بعد فطام الطفل أمر برجمها.

إذا كان الحد الجلد
أما إذا كان الحد جلدًا، فيشترط أن لا تؤدي إقامته إلى هلاك المجلود؛ لأن حد الجلد شرع زاجرًا لا مهلكًا، فلا يجوز إقامته في الحر أو البرد الشديدين، ولا في المرض الشديد الذي يرجى برؤه منه، ولا في الحمل أو النفاس؛ لأن الحد إذا أقيم في هذه الأحوال أفضى إلى القتل؛ ولأنه يخشى هلاك الحامل وهلاك ولدها.
أما إذا كان المرض لا يرجى برؤه؛ فقد أجاز الشافعية والحنابلة إقامة الحد عليه، وقالوا: إنه إذا كان نضو الخلق، أي: هزيل الجسم لا يطيق الضرب، فإنه يضرب بمائة شمراخ، وهو العثكال عليه بسر، وهو في النخل بمنزلة العنقود من الكرم، والبسر تمر النخل قبل أن يرطب.
واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود والنسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رجلًا منهم اشتكى حتى ضني -أي: اشتد مرضه- حتى نحل جسمه، فدخلت عليه امرأة فهش لها، فوقع بها، فسئل له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم((أن يأخذوا مائة شمراخ، فيضربوه ضربة واحدة)).

٢.٩ كيفية تنفيذ حد الزنا


أداة الحد

الرجم
أن يرجم بالحجارة وغيرها حتى يقتل بذلك، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المرجوم يداوم عليه بالرجم حتى يموت، ولأن إطلاق الرجم يقتضي القتل به كقوله تعالى: ((لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ)) [الشعراء: ١١٧]، فالأولى أن تكون الحجارة متوسطة ملء الكف، لا بالصغيرة ولا بالكبيرة، وهو ما ذكره الماوردي الشافعي، والبهوتي الحنبلي -يرحمهما الله تعالى- وفي صحيح مسلم في رجم ماعزٍ: ((فرميناه بالعظم، والمدر، والخذف)). قال النووي: هذا دليل لما اتفق عليه العلماء، أن الرجم يحصل بالحجر أو المدر أو العظام أو الخذف أو الخشب وغير ذلك مما يحصل به القتل، ولا تتعين الأحجار، والخذف: قِطَع الفخار المتكسر.

الجلد
لا يضرب بسوط في طرفه يبس؛ لأنه حينئذٍ يجرح أو يبرح، فكيف إذا كان فيه عقدة، والسوط المتوسط هو بين المبرح أي الجارح وبين غير المؤلم؛ لإفضاء الأول إلى الهلاك، وخلو الثاني عن المقصود وهو الانزجار.

٢.٩ كيفية تنفيذ حد الزنا


مكان إقامة الحد، وحضور طائفة من المؤمنين

لا يقام شيء من ذلك في المسجد؛ لما رُوي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تقام الحدود في المساجد)) ويخرج به إلى ساحة يراها الناس ليحصل الزجر، ويستحب أن يحضر حد الزنا طائفة من المؤمنين، وأقلهم أربعة، وقال ابن حنبل: اثنان، وقيل: واحد، وقيل: عشرة، ولا يجب أن يحضر الإمام ولا الشهود، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر. وقال أبو حنيفة: إن ثبت الحد ببينة فعليها الحضور والبداءة بالرجم، وإن ثبت باعتراف وجب على الإمام الحضور والبداءة بالرجم.

٢.٩ كيفية تنفيذ حد الزنا


حال المحدود وقت الحد

إذا كان الزاني رجلًا أقيم قائمًا ولم يوثق بشيء ولم يحفر له، سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار، فلا نعلم فيه خلافًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحفر لماعز، قال أبو سعيد: ((لما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- برجم ماعز خرجنا به إلى البقيع، فوالله ما حفرنا له ولا أوثقناه ولكنه قام لنا)) وكذلك المرأة في الراجح عند العلماء ويستر عورة الرجل وجميع بدن الحرة عند الرجم، والسنة أن يدور الناس حول المرجوم، ويستحب لكل من رجم أن يقصد قتله؛ لأنه المقصود ولأنه يتيسر عليه، إلا أن يكون ذا رحم محرم منه فلا يقصده، ويكتفى بغيره فيه.
وفي الجلد يفرق الضرب في جميع البدن؛ ليأخذ كل عضو حظه من الألم كما أخذ حظه من اللذة، إلا عضوين يكف عن ضربهما ويؤمر باتقائهما؛
أحدهما: الوجه؛ لرواية أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا ضربتم فاتقوا الوجه)) أخرجه الإمام مسلم في البر والصلة.
والثاني: الفرج؛ لأن المذاكير قاتلة. أما الرأس فلا يلزم اتقاءه، وقال أبو حنيفة: يلزم أن يتقى -أي الرأس- وهو أشبه؛ لأن الضرب عليه أخوف.

٢.٩ كيفية تنفيذ حد الزنا


ما يفعل بالمحدود بعد الحد

المرجوم يغسّل ويكفن ويدفن، وأكثر أهل العلم يرون الصلاة عليه؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين في حديث الجهنية: ((فأمر بها النبي -صلى الله عليه وسلم- فرجمت، ثم أمرهم فصلوا عليها. فقال عمر: يا رسول الله، أتصلي عليها وقد زنت؟! فقال: والذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها؟))، ورواه الترمذي وفيه: ((فرجمت، وصلى عليها)) وقال -أي الترمذي: هو حديث حسن صحيح.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ((صلوا على من قال: لا إله إلا الله))، والحديث أخرجه الدارقطني في باب "صفة من تجوز الصلاة معه وعليه" من كتاب "الصلاة" خلافًا لمن قال: لا يصلي الإمام وأهل الفضل؛ لأن جابرًا قال في حديث ماعز: ((فرجم حتى مات، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- خيرًا، ولم يصل عليه)) والحديث متفق عليه.