![]() |
الزنا لغة: التضييق، وفي اصطلاح الفقهاء قال الموصلي من الحنفية: الزنا: وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهته، وقال الكاساني: اسم للوطء الحرام في قبل المرأة الحية في حالة الاختيار، في دار العدل ممّن التزم أحكام الإسلام، العاري عن حقيقة الملك وعن شبهته، وعن حق الملك، وعن حقيقة النكاح وشبهته، وعن شبهة الاشتباه في موضع الاشتباه في الملك والنكاح جميعًا. |
![]() |
وتعريفات الفقهاء تدور حول أنه وطء رجلٍ عالمٍ امرأةً حيةً لا تحل له في قُبُلها، أو دُبُرها عن بعضهم، مع انتفاء الشبهة وتكليفهما. |
![]() |
قال تعالى: ((وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)) [الإسراء: ٣٢]، وقال سبحانه: ((وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)) [الفرقان: ٦٨، ٦٩]. |
![]() |
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني العبد حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن))، وقد نقل ابن المنذر والزركشي الحنبلي والشربيني الشافعي الإجماع، وكون الزنا محرمًا ضرورة في الشرع. |
![]() |
أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بالغضّ من الأبصار، وذلك بقوله تعالى في سورة "النور": ((قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)) [النور: ٣٠]. |
![]() |
وفي الآية التالية: ((وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ)) [النور: ٣١] والغضّ: الكفّ والخفض. |
![]() |
وقال صلى الله عليه وسلم: ((فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: غض البصر، وكفّ الأذى)) والحديث متفق عليه. |
![]() |
وفي الصحيح أيضًا: ((لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى وليست لك الثانية)). |
![]() |
حرم الشارع الحكيم الزنا؛ محافظةً على الأعراض والأنساب، ويترتب عليه ضياع الأنساب من انتشار أولاد الزنا الذين لا يعرفون لهم أبًا ولا يجدون لهم مأوى، وبهذا تزول العصبية التي يكون بها التناصر ويكثر الفساد في الأرض، فضلًا عمّا ينتج عن مباشرة هذه الفاحشة من أمراض فاتكة وعلل قاتلة، وعواقب وخيمة تعرض الأمة لأخطار جسيمة ويحل بها عذاب الله وغضبه. |
![]() |
وفي الزنا قتلٌ من نواحٍ شتى: إنه قتل ابتداء؛ لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها يتبعه غالبًا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق، قبل مولده أو بعده كما كان عليه كفار العرب، فإذا تُرِكَ الجنين للحياة تُرِكَ في الغالب لحياة شريرة أو حياة مهينة، فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحوٍ من الأنحاء، وهو قتلٌ في صورة أخرى للجماعة التي يفشو فيها فتضيع الأنساب، وتختلط الدماء، وتذهب الثقة في العرض والولد، وتتحلل الجماعة، وتتفكك روابطها؛ فتنتهي إلى ما يُشبه الموت بين الجماعات. |
![]() |
أجمع العلماء على أنه يرجم حتى الموت؛ لما رواه البخاري في كتاب: الحدود، باب: الاعتراف بالزنا من قوله -صلى الله عليه وسلم: ((واغدُ يا أُنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها)) وما رواه البخاري أيضًا في ذات الباب، وباب: رجم الحُبلى من الزنا، ورواه مسلم في باب: رجم الثيب في الزنا، عن ابن عباس قال عمر بن الخطاب، وهو جالسٌ على منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد بعث محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان ممّا أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها؛ فرجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله؛ فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حقٌّ على من زنى إذا أُحصن من الرجال والنساء؛ إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف". |
![]() |
ولقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة)). |
![]() |
وبالنسبة للجلد قبل الرجم، فجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية، والرواية المشهورة عن رواية أحمد بعدم الجلد، حيث ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- رجم ولم يجلد واحدًا ممّن رجمهم، كما أن الحد الأصغر وهو الجلد ينطوي في الحد الأكبر. |
![]() |
نقل ابن المنذر وابن رشد في بداية المجتهد الإجماع على أن عليه الجلد والتغريب؛ لآية سورة النور: ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)) [النور: ٢]، وما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر فيمن زنى، ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام)). |
![]() |
والعلماء في التغريب على أقوال ثلاثة: الحنابلة والشافعية قالوا بالتغريب للذكر والأنثى، والمالكية قالوا: لا تغريب على الأنثى؛ حتى لا تعرض المرأة للغربة والفتنة, وأما الحنفية فقالوا: لا تغريب أصلًا، وقدموا ظاهر القرآن على السنة؛ لأن السنة لو جاءت بزائد عن القرآن عندهم فهو نسخ، ولا يكون إلا بقرآن مثله في زعمهم. |
![]() |
أما الذكر من العبيد ففقهاء الأمصار على أن حده نصف حد الحر قياسًا على الأمة، وقال الظاهرية: حده مائة جلدة؛ نظرًا إلى عموم قوله تعالى: ((فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)) [النور: ٢]، فلم يخصص سبحانه حرًّا من عبد. |
![]() |
وأما الإناث فإن العلماء أجمعوا على أن الأمة إذا تزوجت وزنت فحدها خمسون جلدة؛ لقوله تعالى: ((فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِن أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ)) [النساء: ٢٥]. |
![]() |
واختلفوا فيما إذا لم تتزوج؛ فقال جمهور فقهاء الأمصار: حدها خمسون جلدة، وقالت طائفة: لا حد عليها وإنما عليها تعزيرٌ فقط، ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب. |