١.٧ العقوبات


أساس العقوبة البدنية في الشرع

الأساس في اللغة
أصل البناء وقواعده، والعقوبة: أخذ الرجل بفعله وذنبه, والبدن: ما سوى الرأس والأطراف من الجسم, والشرع: هو الطريق المستقيم، وفي الاصطلاح: ما شرع الله لعباده من الأحكام التي جاء بها نبي من الأنبياء -عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام- وتسمى الشريعة شرعًا ودِينًا وملةً.

١.٧ العقوبات


أقسام الشريعة، وخصائصها، والفرق بين تشريع الله تعالى والتشريع الوضعي
تحتوي الشريعة الإسلامية على أقسام ثلاثة -إجمالًا:
الأحكام الاعتقادية، وهي التي تتعلق بما يجب الإيمان به، من الإيمان بـ: الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وموضوع ذلك علم التوحيد أو علم الكلام.

خصائص الشريعة الإسلامية
ربانية: تستمد وجودها وأحكامها من الله سبحانه، فهو المشرع الحاكم، قال تعالى: ((أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)) [الأعراف: ٥٤].
بشرية: تلائم طبيعة البشر، وتشبع مطالبهم الروحية والبدنية في سموّ ورقيّ.

١.٧ العقوبات


شمولية: لا تدع جانبًا من جوانب الحياة إلا عالجته في معية بقية الجوانب، غير معزولٍ عنها.
وسطية: فلا إفراط فيها ولا تفريط، بل كل شيء بحكمة ومقدار، والوسطية أيضًا من خصائص الأمة المحمدية، قال سبحانه وتعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)) [البقرة: ١٤٣].
واقعية: لا تحلق في دنيا الخيال، ولا تخدع بالأحلام الوردية بل ترتبط بالواقع وتعيشه وتنظمه.
إيجابية: فلا تقف من الحياة موقفًا سلبيًّا انهزاميًّا.
متوازنة: وذلك التوازن يلاحظ في كل المجالات التشريعية، إن ثوابًا وإن عقابًا.
واضحة: فلا غموض فيها ولا أسرار ولا كهنوت، تجمع بين الثبات والمرونة: ثبات في الأصول ومرونة في الفروع، تهدف إلى الخير والصلاح، وإلى التوحيد في خاتمة المطاف.

١.٧ العقوبات


الفرق بين تشريع الله، والتشريع الوضعي

ويتجلى ذلك فيما يلي:
أن تشريع الله مستمدّ من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- أما القانون الوضعي فأحكامه من وضع الناس، وعقولهم محدودة التفكير تتأثر بالأغراض والأهواء والتقاليد.
أن تشريع الله ينظم علاقة الناس بربهم، كما في العبادات، ويبين الحلال والحرام وعلاقتهم فيما بينهم، كما في المعاملات، بينما لا يتعرض القانون الوضعي إلا لتنظيم العلاقات بين الناس.
أن تشريع الله تعالى الحق فيه ما يثبت بالأحكام الشرعية، وإن حكم القاضي بخلافه، فحكم القاضي لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، أما في القانون الوضعي فالحق فيه هو ما يحكم به القاضي وإن كان في الواقع على خلافه.
أن القانون الوضعي ملزم دائمًا، فهو أمر جازم بفعل شيء أو نهي جازم عن فعل شيء، أما التشريع من الله تعالى فالأحكام فيه قد تكون ملزمة بواجب أو ناهية عن حرام، وقد تكون غير ملزمة إذا اشتملت على المندوب والمكروه والمباح.

١.٧ العقوبات


أن الأحكام في القانون الوضعي جزائية دائمًا، فيرتب على مخالفتها جزاء مادي كالعقوبات التأديبية، أو جزاء معنوي كبطلان التصرف في فعل ما، أما تشريع الله للأحكام ففيه الجزاء على الأحكام الملزمة وغير الجزاء على تلك المندوبة والمباحة والمكروهة، وإن كان الشارع يرغب في المندوب بالثواب وينفر عن المكروه باللوم والعتاب، ويمتاز تشريع الله بأن فيه الجزاء الأخروي وهو الثواب والعقاب في الآخرة.
أن الباعث على الامتثال في القانون الوضعي هو قوة السلطان، فمن استطاع التهرب من قوة السلطان ومعاملة الدولة أمكنه مخالفة القانون وعدم تنفيذ أحكامه، أما تشريع الله فالحامل على الامتثال فيه هو الوازع الديني والرغبة في تحقيق المصالح التي رتبها الله على الأحكام، فتشريع الله قانون إلهي ودين سماوي.

١.٧ العقوبات


الشريعة تعمل على منع الجريمة
وهذا يتضح فيما يلي:
التهذيب النفسي، فإن تربية الضمير هي الأساس الأول في منع وقوع الجريمة، وإن العبادات الإسلامية كلها لتربية الضمير، وتهذيب النفس، وتربية روح الائتلاف في قلب المؤمن.

١.٧ العقوبات


سبل الوقاية من الإجرام والغاية من العقاب

سبل الوقاية
العمل على تهيئة الإنسان ليكون عضو خير وإنتاج في سعادة الجماعة الإنسانية, فطالب الإسلام الناس بالعمل وألزم أولياء الأمر بالهيمنة عليهم وسد حاجاتهم عن هذا الطريق الذي يزيل عنهم وصمة التقاعد عن الأعمال النافعة، وبذلك يشتغل كل امرئ بشأنه، ولا يجد مجالًا للتفكير في سلب أو نهب أو قتل أو في شيء من أنواع الإجرام التي تغري بها البطالة، ويدفع إليها التعطيل.
ضمن الإسلام للإنسان فوق حياته المادية بالعمل حياة أخرى نفسية سعيدة ترجع إلى كفالة حقوقه الشخصية والاجتماعية بتقرير العدل في أدق صوره، وتقرير التواصي بالخير والتناهي عن الشر، وتقرير معونة الفقراء الذين لا يجدون عملًا أو لا يستطيعون، وبذلك تصل الحقوق إلى أربابها التي يستوجبونها بأعمالهم وكفاياتهم دون تحكيم لأي اعتبار آخر من حسب أو نسب، أو التي يستوجبونها بمقتضى التضامن الاجتماعي والتكافل الإنساني الذي وضع الإسلام مبدأه، وقرره كأصل من أصول التكافل الاجتماعي.

١.٧ العقوبات


الغاية من العقوبة أمران

أحدهما: حماية الفضيلة، وحماية المجتمع من أن تتحكم الرذيلة فيه.
الثاني: المنفعة العامة أو المصلحة، وما من حكم في الإسلام إلا كان فيه مصلحة مشروعة معتبرة للناس لا المصالح الذاتية التابعة للأهواء والرغبات, وهذه المصالح في الإسلام قد أثبت الاستقراء أنها ترجع إلى أصول خمسة هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.

١.٧ العقوبات


العقوبة، وأقسامها إجمالًا

العقوبة هي: الجزاء لمن خالف أوامر الله ونواهيه، والعقوبة شرعت داعية إلى فعل الواجبات وترك المحرمات، فالعقوبات زواجر وضعها الله تعالى عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر.
فالغاية منها إصلاح حال البشر وحمايتهم من المفاسد، واستنقاذهم من الجهالة وإرشادهم من الضلالة، وكفهم عن المعاصي وبعثهم على الطاعة، ولم يرسل الله رسوله للناس ليسيطر عليهم أو ليكون عليهم جبارًا، إنما أمره رحمة للعالمين، وذلك قوله تعالى: ((لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)) [الغاشية: ٢٢]، وقوله: ((وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار)) [ق: ٤٥]، وقوله: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: ١٠٧]. فالله أنزل شريعته للناس وبعث رسوله فيهم لتعليم الناس وإرشادهم، وقد فرض العقاب على مخالفة أمره لحمل الناس على ما يكرهون ما دام أنه يحقق مصالحهم ولصرفهم عما يشتهون ما دام أنه يؤدي لفسادهم.

١.٧ العقوبات


أقسام العقوبة إجمالًا
الحدود: وهي المقدرة حقًّا لله سبحانه، وعقوبات الحدود هي: جريمة الزنا، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، وجريمة الحرابة، والردة، وجريمة البغي.
القصاص: وهي عقوبات على: القتل العمد وشبهه والخطأ والجراحات والشجاج.
عقوبات تعزيرية: وهي على كل جناية، واعتداء خرج عن القسمين السابقين.
ومن حيث محل إيقاع العقوبة، فتنقسم إلى:
عقوبات بدنية، مثل: قطع يد السارق، والجلد.
عقوبات مالية، مثل: الديات، والغرامات.
عقوبات حاجزة للحرية، مثل: الحبس، والنفي.
عقوبات معنوية، مثل: التوبيخ، والنصح.

١.٧ العقوبات


الأسس والأصول التي تقوم عليها العقوبة

بأن تكون مبنية على الشرع ونصوصه والأدلة الشرعية، وهذا في الحدود والقصاص وما سوى ذلك كالتعزير، وما لا نص فيه فمرده لاجتهاد الحاكم.

١.٧ العقوبات


الأصول التي تقوم عليها العقوبة

كون العقوبة رادعة وزاجرة عن الجرائم مع مناسبتها لحاجة المجتمع والمصلحة العامة، بالإضافة إلى مراعاة حال الجاني بإصلاحه وتهذيبه، مع مراعاة جانب الرحمة الإلهية في ذلك؛ لهذا قال الإمام ابن تيمية عن العقوبات بأنها: شرعت رحمة من الله تعالى بعباده، فهي صادرة عن رحمة الخالق بالخلق، وإرادة الإحسان إليهم؛ ولهذا ينبغي لمن يعاقب الناس على ذنوبهم أن يقصد بذلك الإحسان إليهم كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض.

ثمرة تطبيق العقوبة في الإسلام
محافظة الإنسان على دينه، وفيه صلاح معتقده وسلامته له.
المحافظة على النفس، وفيه أمنه على نفسه وصلاح كرامته.
المحافظة على العقل، وفيه الاستفادة بعقله السليم فيما ينفعه ويعود عليه بالخير ويدفع عنه الضر.
المحافظة على العرض، وفيه الأمن على عرضه وشرفه وتحقيق أمنه.

١.٧ العقوبات


المحافظة على المال، وفيه حماية أمواله وممتلكاته؛ وفي ذلك راحة لنفسه وطمأنينة وهدوء لباله.
وإذا أمن الفرد على دينه ونفسه وسلم له عقله وعرضه، وحفظ له ماله فقد جمع ذلك له أطراف الأمن كلها.
يتهيأ المناخ الصالح الذي يتنفس فيه الأفراد بحريتهم.
ينعم الجميع بالطمأنينة فتنطلق الطاقات في ميادين العمل والإنتاج، حيث تحرر الجميع من جميع المخاوف التي يسببها حدوث الجرائم، ولقد كان من أول ما امتنّ الله به على من دعاهم لدينه أن أطعمهم من بعد جوع وآمنهم من بعد خوف، فقال تعالى لقريش: ((فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)) [قريش: ٣، ٤].
تحقيق المساواة بين الجميع، حيث لا تفرقة في إقامة الحدود بين غني وفقير، أو بين شريف ووضيع.

١.٧ العقوبات


شيوع الصدق حين يعترف من اقترف حدًّا بجريمته، انطلاقًا من طاقة الإيمان الكاملة والكامنة فيه.
ويضاف إلى ذلك: أن في تطبيق القصاص على القاتل المتعمد شفاء لغيظ المجني عليه، كما أن تطبيق الحلول فيه كفارة لمن طبقت عليه لقوله -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم: ((ومن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له)) باب "الحدود كفارة لأهلها".
سقوط المعاصي الكبائر بالتوبة، كما قال النووي تعليقًا على أحاديث باب "من اعترف على نفسه بالزنا": والله تعالى من فضله، وكرمه لا يجمع على عبده عقوبتين.
الردع للفرد الجاني، والزجر لغيره من الأفراد الذين تسول لهم أنفسهم فعلًا مثل جرم الجاني.

١.٧ العقوبات


الشبهات التي أثيرت حول العقوبات، والرد عليها

الشبهات
يقولون: العقوبة قديمة وجامدة، وتتسم بالقسوة ولا تتناسب مع روح العصر، وتهمل تأثير البيئة في تشكيل شخصية المجرم، وتجعل مسئوليته عن جريمته فردية، وكون القصاص لا يعين على التهذيب بل هو انتقام وتشفٍّ، وكون حد الردة يصادم حرية العقيدة والتي يقررها القرآن.

الرد على هذه الشبهات
العقوبات شرعت ثابتة على جرائم ثابتة، ولأن العقوبات شرعت لتناسب الأزمان والبقاع المختلفة والتغيير فيها يعود عليها بالإبطال والخلل، وكذلك فلو تنزلنا وقلنا بلزوم مناسبة العقوبة للواقع المعاصر لاستحق الواقع المعاصر جرائم أشد تتناسب مع زيادة الجرائم وبشاعتها.
ولا يصح أن العقوبة توسم بالقسوة ابتداء، بل بناء على مقابلة الجريمة القاسية من قتل وسرقة وزنا وغير ذلك مما فعله المجرم، مما يعود بالشر على المجتمع كله، كان يلزم تشريع عقوبات تردع وتزجر الناس من جنس عمل الجاني؛ ليتحقق الأمن للمجتمع.

١.٧ العقوبات


ولما كان الإنسان هو الجاني لا المجتمع، مع كونه مخيرًا في أفعاله غير مجبر عليها؛ كان هو وحده المسئول عن آثار جنايته لا غيره.
وأما كون الردة حرية فهذا مردود؛ لأن الحرية مقيدة بعدم الضرر بأديان الآخرين وعقيدتهم، والمرتد يشكك الناس في عقيدتهم، وكذلك الردة تمنع من النفاق؛ لأن المنافق إذا علم أنه يقتل فإنه لا يدخل الإسلام من أصله ويحمى الإسلام من شره، والإسلام دين عظيم يحقق للإنسان خيري الدنيا والآخرة، فمن هجره وتركه مكذبًا بذلك الخير والفضل كان مستحقًّا لعقوبة الخروج على نظام الإنسان والخيانة العظمى.

١.٧ العقوبات