المقصود بالمعاني: المنافع، والمقصود بها: العقل الذي يدرك الأمور غير الحسية والكلام والسمع والبصر.
وقد اختلف فقهاء المذاهب الإسلامية في محل العقل، فقال بعضهم: إن محله هو القلب، وقال الآخر: بل هو في الدماغ.
وإذا أصيب الإنسان بخرس وفقد القدرة على الكلام فعلى الجاني دية كاملة، سواء وجدت آلة هذه المنفعة أو لا، وفي تلف الآلة كاللسان والأذن دية أخرى.
فإذا زال العقل بالضرب على الرأس، أو بالسقي، أو بالتفزيع، أو زال بجراح من الجراحات، أو بقطعٍ، أو بأيّ نوعٍ من أنواع العدوان والاعتداء فإنه يلزم عنه دِيَة كاملة، أي: مائة من الإبل أو ما يعادل ذلك من الأصناف الأخرى؛ لأنه بذهاب عقل الإنسان ذهبت منفعة كبيرة من منافع النفس.
ومن ذلك منفعة الجماع بأن يصاب الرجل بما يسبب له العجز عن الجماع، فالحواس الخمس: السمع والبصر والذوق والشم واللمس، وكل حاسة فيها لها منفعة خلقها الله -سبحانه وتعالى- وكل منفعة فيها الدية بتلفها، والدليل قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((وفي السمع الديةُ)) وقضاء سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقياس ما لا نص فيه بما فيه نص بجامع المنفعة في الكل.
إن قطع كل طرفٍ يفوت به جنس منفعة على الكمال، أو يذهب جمالًا مقصودًا في الآدمي على الكمال أيضًا يوجب دِيَة كاملة، والعضو الذي يجب كمال الدِّيَة بتفويته بناءً على هذه القاعدة هو العضو الذي لا نظير له في البدن يفوت ذهابه جمالًا كاملًا، أو منفعة بها قِوام النفس.
لا يتبع مقدرٌ مقدرًا إلا في قتل النفس، يعني: كل عضو مقدر له خصوصيته وقائم بذاته لا يتبع غيره إلا في قتل النفس؛ لأن في قتل النفس تذهب النفس وينهدم البنيان الكلي للإنسان؛ فتذهب كل الأعضاء وعليه تكون هناك دِيَة واحدة، أما بغير النفس فكل عضو له حدوده وله حكمه وله ميزته.
إن كان جنس المنفعة أو الجمال قائمًا بعضوٍ يوجد واحد منه في بدن الإنسان، فعند إتلافه يجب كمال الدِّيَة، وإن كان قائمًا بعضوين ففي كل عضوٍ منهما نصف الدِّيَة، وإن كان قائمًا بأربعة أعضاء ففي كل واحدٍ منها ربع الدِّيَة، وإن كان قائمًا بعشرة أعضاء ففي كل واحدٍ منها عشر الدِّيَة.
الأنف إذا قطع مارن الأنف ففيه الدية، ومع القصبة ففيها حكومة عدل، وقيل: لا لأنها لا تفرد بحكم، وكذلك فالأنف يكون من قصبة ومنخرين، والعلماء اختلفوا في تقسيم الدية على ذلك.
وقد أجمع أئمة الاجتهاد وفقهاء المذاهب على وجوب الدِّيَة في قطع الحشفة من الذكر وحدها، ولكنهم اختلفوا في مقدار الدِّيَة في قطع ذكر العِنين، والعنين: هو الذي لا يتأتى له جماعٌ لصغرٍ أو عدم إنعاظ لكبرٍ أو مرضٍ ونحو ذلك؛ لذلك اختلفوا في قطع ذكر الخصيّ الذي فقد نسله، واختلفوا في ذكر الصبي الصغير الذي لم يبلغ بعد فقيل: دية، وقيل: حكومة.
واتفق الفقهاء على وجوب الدِّيَة الكاملة في قطع اللسان الناطق السليم الذي يتذوق به صاحبه، إذا قُطع من أصله، سواءٌ في ذلك الكبير الذي يحركه صاحبه بالبكاء والضحك ولسان الصغير، أو الألكن، أو الألثغ، أو المبرسم، أو ما في نطقه ثقل، أما لسان الأخرس فقد قال الجمهور: إن في قطعه من أصله حكومة العدل -يعني: فيه تقدير أهل الخبرة- سواءٌ كان الخرس أصليًّا أو لعارض إذا لم يذهب معه الذوق، فإذا ذهب الذوق مع لسان الأخرس ففيه دِيَة كاملة؛
لأن اللسان له أكثر من وظيفة وأكثر من منفعة، فإذا كانت منفعة النطق في الأخرس معدومة، ولكنه يتمتع بلسانه في التذوق، وبالجناية على هذا الأخرس ذهبت منفعة تذوقه ففيه الدِّيَة كاملة، وفي إذهاب بعض الكلام من اللسان بحساب ذلك -يعني: بعض الحروف تسقط بسبب هذا العدوان- تقدر هذه الحروف ويقدرها أهل الخبرة، ونعرف مقدارها بالنسبة للدية الكاملة، وهو ما نسميه دائمًا بحكومة العدل.
ولا تجب الدِّيَة في الأسنان أو في أية سِنة من الأسنان إلا بشروط، هذه الشروط على النحو الآتي -هي أربعة شروط:
أن تكون السِّنُ المقلوعة أصليةً، وإن كانت شاغبةً تجب حكومة العدل فقط.
أن تكون تامةً، فإن اعتدى شخصٌ على آخر فكسر أو قطع بعض السن من الظاهر لزمه القسط.
أن تكون مثغورةً -يعني: تغيّرت بعد سنِّ الصبا- فإن قطع سِن صغير لم يتغير وعاد فلا دِيَة وتجب حكومة العدل.
أن تكون ثابتةً، فإن كانت مضطربة وبطلت منفعتها من المضغ وغيرها بلا ألم ففيها حكومة العدل، وإذا لم تبطل بل نقصت لزم الأرش، وإن غلب على الظن سقوطها، أو كانت متحركة حركة يسيرة لا تنقص المنافع بسببها وجب الأرش.
في قلع أو قطع أو كسر سِن أصلية تامة مثغورة غير متقلقلة نصف عشر دِيَة صاحبها، فالسن فيه خمس من الإبل.
أما في مقدار دِيَة قلع جميع الأسنان، يعني: لو أن شخصًا اعتدى على شخص فأذهب جميع أسنانه، ما الحكم؟ الفقهاء اختلفوا في ذلك إلى عدة أقوال، فذهب بعضهم إلى التفرقة بين مقاديم الأسنان ومآخيرها، فإن مقدار أرش الأسنان لا يزيد عند أصحاب هذا الاتجاه عن دِيَة النفس، وهي مائة من الإبل أو ألف دينار.
وقال الإمام أحمد بن حنبل: في كل ضرسٍ بعيران، وفي مجموعهم دِيَة واحدة، لكن هناك اتجاه ثالث أن في كل سِن خمسًا من الإبل، وفي مجموعها بحسابها حتى وإن زادت على دِيَة النفس، وهذا الاتجاه الثالث هو اتجاه جمهور الفقهاء خصوصًا فقهاء أهل السُّنة: الحنفية والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وهذا هو الرأي الغالب وهو الرأي الصواب.
الشّجَاج هي الجروح التي تصيب الرأس والوجه، والأرش يعني الفارق الماليّ بين كون الشيء سليمًا وكونه معيبًا، وأما جروح البدن فليس لها أرش مقدر من الشارع إلا في الجائفة، وهذا الأَرْش يختلف عن الدِّيَة ويختلف أيضًا عن حكومة العدل، أما كونه مختلفًا عن الدِّيَة فإن الدِّيَة هي المقابل المالي لقتل النفس، وإزالة المعاني، وقطع الأطراف، وأما حكومة العدل فهي عبارة عن الأَرْش أيضًا، ولكنه أرش غير مقدر، متروك أمر تقديره لأهل الخبرة من العدول الثقات.
فالدامغة وهي الشجة التي تخرق الخريطة الجامعة للدماغ وتفتقها، قد أجمع العلماء على أن الإنسان لا يعيش بعدها إلا نادرًا، بالطبع إذا مات ففيها الدِّيَةُ، لكن لو فرضنا أنه نجا من هذه الدامغة وعاش واندمل جرحه، على فرض السلامة فإن البعض قال بوجوب ثلث الدِّيَة؛ لأنها أولى من المأمومة، وقال بعض الفقهاء: يجب فيها أرش المأمومة وحكومة العدل لقطع الخريطة.
وأما مقدار أرش المأمومة، فالمأمومة هي الشجّة التي تصل إلى أم الدماغ أو خريطة الدماغ، ويجب في المأمومة ثلث الدِّيَة بعد البرء؛ لأنه قد لا يبرأ فإذا مات ففيه الدِّيَة، لكن إذا شفي واندمل جرحه ففي هذه الحالة ثلث الدية، وقد نصّ على ذلك رسول الله -
صلى الله عليه وسلم- في الكتاب الذي بعثه إلى عمرو بن حزم قال: ((في المأمومة ثلث الدية)) وقد اتفق الفقهاء على ذلك.
ثم المنقلة وهي الشجة التي تنقل العظم بعد الكسر فيطير فراشها من العظم ولا تخترق الدماغ فثابت فيها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهو الذي قال: ((في المنقلة خمس عشرة من الإبل)) وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا، مثل ذلك، وهو موضع اتفاق من الفقهاء.
فالهاشمة هي الشجة التي تهشم العظم وتكسره بعد إيضاح له، وقول جمهور الفقهاء على أن أرشها مقدر بعشرة أبعرة، روى ذلك قبيصة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- ولا يعرف غير ذلك عن أحد من الصحابة، ولم يعرف لسيدنا زيد بن ثابت مخالف في ذلك، يعني كأنه قام مقام الإجماع السكوتيّ، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، أما مالك فقد اختلفت الرواية عنه حيث قال بعض فقهاء المالكية: إن في الهاشمة لا دِيَة فيها، بل فيها حكومة؛ على أساس أنها جراح ليس لها أرش مقدر. وقال ابن رشد: أما الهاشمة فلم يعرفها مالك، وديتها عند من عرفها من العلماء -وهم جمهور العلماء- عشر من الإبل.
ثم الموضحة تكون في الرأس والوجه على السواء، وفي قول أكثر العلماء وإن كانت الموضحة في الوجه ففيها خمس من الإبل عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى روايتيه إن كانت في الرأس، وفي الرواية الثانية عند الإمام أحمد إن كانت في الوجه ففيها عشر من الإبل، وقال مالك: فيها خمس من الإبل إلا أن تكون في الوجه فتشينه، فيزاد فيها.
الشجاج التي ليس لها أرش مقدر من الشارع خمسة أنواع، وكلها أقل خطرًا من الموضحة، أما الجروح فهي ليست محصورةً في عدد معين، والفرق بين الشّجَاج والجروح أن الشّجَاج جراحةٌ خاصّةٌ بالرأس والوجه، أما الجراح فهي خاصّة بسائر البدن، وهذه الشّجَاج الخمس التي ليس لها أرش مقدّر فيها حكومة العدل، يعني: فيها تقدير أهل الخبرة.
فالسمحاق هي الشجة الأولى التي ليس لها أرش مقدر بعد الموضحة، وتجب فيها حكومة العدل في قول أئمة الاجتهاد، إلا ما روي عن الإمام أحمد -رحمه الله- أن زيد بن ثابت حكم فيها بأربعة أبعرة.
ثم المتلاحمة وهي الشجة التي تذهب في اللّحم أكثر وتغوص فيه أقوى, وقال الإمام محمد بن الحسن الشيباني: إن المتلاحمة بعد الباضعة في الترتيب. وقال البعض الآخر من الفقهاء: إن المتلاحمة هي الباضعة، ولا فرق بينهما.
ثم الباضعة -وهي الجراحة التي تبضع اللحم- مأخوذة من البضع وهو الشق والقطع، والباضعة شجّة ليس لها أرش مقدر من الشارع عند الأئمة الأربعة، إلا ما روي عن الإمام أحمد أن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- حكم فيها ببعيرين.
ثم الدامية وهي الشجة التي يخرج منها الدم، وقال البعض: هي التي تدمي من غير أن يسيل منها دم، والدامية شجة ليس لها مقدار معلوم عند الأئمة الأربعة إلا ما روي ذلك عن الإمام أحمد أن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- حكم فيها ببعير واحد.
ثم الحارصة وهي شجّة ليس فيها أرش مقدر عند الأئمة الأربعة، وتجب فيها حكومة العدل.
وأما الجراح التي ليس لها أرش مقدر فستكون فيها حكومة عدل وكذلك الاعتداءات غير المقدرة كاللطم واللكم ونحوهما، وهي جميع الجراح في البدن ما عدا الجائفة، فرأي جمهور فقهاء أهل السنة أن فيها حكومة العدل، والرأي الآخر: أن فيها ثلث الدِّيَة أو الخمس إذا برأت، وهذا مخالف لما عليه جمهور العلماء.
لا خلاف بين الفقهاء في أن الدِّيَة تسقط بالعفو عنها، فإذا عفا المجني عليه عن دِيَة الجناية بالعفو عنها فإنها تسقط؛ لأنها حقّه، وهي من حقوق العباد التي تسقط بعفو من له حقّ العفو، والمجني عليه هو المستحقّ الوحيد في دِيَة الأطراف والمعاني؛ لأنه على قيد الحياة، واتفقوا على أن دِيَة النفس تسقط بعفو أو إبراء جميع الورثة المستحقين لها بعد موت المجني عليه، وإذا عفا أو أبرأ بعضهم دون البعض يسقط حقّ من عفا، وتبقى حصّة الآخرين في مال الجاني إن كانت الجناية عمدًا، وعلى العاقلة إن كانت خطأ.
واتفقوا في الجملة على أن المجني عليه له العفو عن دم نفسه بعدما وجب له الدم، وإذا صار الأمر إلى الدِّيَة يكون العفو بمنزلة الوصية فتكون من الثلث.
أما إذا عفا المجني عليه عن دِيَة قطع عضو، فسرت الجناية إلى عضو آخر أو مات من ذلك فمن الفقهاء من رأى أنه إذا عفا عن القطع بلفظ الجناية، يعني يقول: "عفوت عن جنايته عليّ" أو "عفوت عن جنايتك" أو "عفوت عن القطع وما يترتب عليه" شمل العفو ما يحدث من القطع من إتلاف عضو آخر، أو حتى الموت، وإن عفا عن القطع مطلقًا فقال:
"عفوت عن قطعك كذا مني" بأن لم يقيده بقود ولا دية، ولم يكن بلفظ الجناية، ولم يذكر ما يترتب على هذا فهذا العفو يخصّ القطع، ولا يتناول ما يسري منه من إتلاف أعضاء أخرى أو إتلاف النفس ذاتها، وذلك عند أكثر الفقهاء والمالكية والشافعية، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن الحنابلة، وعلى ذلك فالجاني ضامن للجناية وما تسري إليه من نفس أو عضو حتى إن المالكية قالوا بالقصاص بعد القسامة، إن كانت الجناية عمدًا من واحد تعين لها، وفي رواية عند الحنابلة -وهو قول أبي يوسف ومحمد: يصحّ العفو مطلقًا، حتى لو سرى ذلك إلى النفس فأتى عليها.
لكن الذي يترجح لدينا هو عدم اعتبار التكافؤ بين القاتل والمقتول في الحرابة؛ لكونها حدًّا من حدود الله تعالى التي لا تقبل عفوًا من الأولياء، وذلك ما صدر به القاضي ابن العربي قول المالكية في المسألة، وهو الظاهر من ترجيح الماوردي الشافعي للقول بعدم اعتبار التكافؤ وابن قدامة في المغني.
عدم اعتبار التكافؤ بينهما لتغليب معنى الحد، وعلى هذا يؤخذ الحر بالعبد، والمسلم بالذمي، والأب بابنه، وهو قول المالكية والحنابلة في إحدى الروايتين عنهم، وكذا الحنفية في الظاهر من قولهم، وهو القول الثاني عند الشافعية.
اعتبار التكافؤ بينهما، وهو قول الشافعية والحنابلة في الرواية الثانية عنهم، وجملة ذلك أنه إذا تحتم القتل في الحرابة، اجتمع فيها معنى الحد ومعنى القصاص، فيغلب معنى القصاص؛ لأن الأصل فيما اجتمع فيه حق الله، وحق العباد أن يغلب حق العباد.
وهم من خرجوا على الإمام وجماعة المسلمين، فإن حاربوا الإمام وقدر الإمام على واحد منهم؛ لم يقتل إلَّا إذا كانت الحرب قائمةً، فإن مالكًا قال: إن للإمام أن يقتله إذا رأى ذلك؛ لما يخاف من عونه لأصحابه على المسلمين، وأما إذا أسر بعد انقضاء الحرب، فإن حكمه حكم البدعيِّ، الذي لا يدعو إلَّا بدعته فهو يستتاب، فإن تاب -أي فبها ونعمت- وإلَّا قتل، وقيل: يستتاب فإن لم يتب يؤدب ولا يقتل.
واختلف قول مالك في التكفير بالمآل، ومعنى التكفير بالمآل: أنهم لا يصرحون بقول هو كفر، ولكن يصرحون بأقوال يلزم عنها الكفر، وهم لا يعتقدون ذلك اللزوم، وأما ما يلزم هؤلاء من الحقوق إذا ظُفِرَ بهم فحكمهم إذا تابوا ألا يقام عليهم حد الحرابة، ولا يؤخذ منهم ما أخذوا من المال، إلا أن يوجد بيده فيرد إلى ربه، وإنما اختلفوا: هل يقتل قصاصًا بمن قتل أم لا يقتل؟ فقيل: يقتل وهو قول عطاء وأصبغ. وقال مطرف وابن الماجشون عن مالك: لا يقتل، وبه قال الجمهور؛ لأن كل من قاتل على التأويل، فليس بكافر بتةً، أصله قتال الصحابة، وكذلك الكافر بالحقيقة هو المكذب لا المتأول.
والذي يترجح لديَّ: إن عاجل الصائل بالقتال فليعاجله المصول عليه، وإن لم يعاجل وأمكنت المناشدة، ناشده بالله ودعاه للتقوى، فإن أبى قاتله دفاعًا عن نفسه وماله وعرضه.
حكم فعل الصائل حرام كتحريم فعل المحارب سواء بسواء؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه)).
من الأصول في هذا الباب ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال صلى الله عليه وسلم: فلا تعطه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال صلى الله عليه وسلم: فقاتله، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال صلى الله عليه وسلم: فأنت شهيد، قال: فإن قتلته؟ قال صلى الله عليه وسلم: هو في النار)).
قال ابن المنذر: وروينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص، ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم. هذا مذهب ابن عمر، والحسن البصري، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق والنعمان. وبهذا يقول عوام أهل العلم.
وللفائدة، فإنه يرجى مراجعة كلام ابن قدامة في المغني في هذا المبحث؛ لعظيم النفع فيه.
إذا طبق الحد على المحاربين؛ فهذا يكفي عند الحنفية؛ ولا يضمن المحاربون ما أتلفوه من أنفس أو أموال بعد ذلك؛ حيث لا يجمع في المذهب الحنفي بين الحد والضمان, بينما يرى المالكية تضمينهم كما ذكر ذلك ابن عبد البر في الكافي وغيره من المالكية، وهو قول الشافعي والنووي من الشافعية، وأشار ابن قدامة إلى أن توبتهم قبل القدرة عليهم تسقط حد الحرابة لا الجراحات والإتلافات، فإذا أخذ المحاربون
المال وأقيمت فيهم حدود الله تعالى، فإن كانت الأموال موجودةً ردت إلى مالكها، وإن كانت تالفة أو معدومة؛ وجب ضمانها
على آخذها. فهذه المسألة عند العلماء على قولان:
أحدهما: عدم الضمان إذا أقيمت حدود الله تعالى، وهو مذهب الحنفية.
والآخر: الضمان في الأنفس والأموال، إلَّا أن يعفو أصحابها، وهو مذهب الجمهور وهو الراجح، فلا تسقط حقوق الآدميين إلَّا بإسقاطهم وعفوهم، وانفرد المالكية بالقول بتضامن المحاربين فيما بينهم، وهو قول له وجاهته وحكمته.
أحدهما: أن يكون فيها قتل، مثل أن يسرق، ويزني وهو محصن، ويشرب الخمر، ويقتل في المحاربة؛ فهذا يقتل، ويسقط سائرها، وهذا قول ابن مسعود، وعطاء، ومالك، وأبي حنيفة. وقال الشافعي: يستوفى جميعها؛ لأن ما وجب مع غير القتل، وجب مع القتل.
النوع الثاني: ألا يكون فيها قتل؛ فإن جميعها يستوفى من غير خلاف نعلمه، ويبدأ بالأخف فالأخف خلافًا لأبي حنيفة في التخيير بين ما ورد في القرآن من الحدود وتقديمها على غيرها.
الحدود الخالصة للآدميين، وهو القصاص، وحد القذف، فهذه تستوفى كلها، ويبدأ بأخفها، فيحد للقذف، ثم يقطع، أي: إن كان ثَمّ قطع في طرف مثلًا، ثم يقتل لأنها حقوقٌ لآدميين أمكن استيفاؤها؛ فوجبت كسائر حقوقهم، وهذا قول الأوزاعي، والشافعي.
وقال أبو حنيفة: يدخل ما دون القتل فيه؛ احتجاجًا بقول ابن مسعود -رضي الله عنه: إذا اجتمع حدان؛ أحدهما القتل؛ أحاط القتل بذلك.
أن تجتمع حدود لله تعالى، وحدود لآدميين، فهذه ثلاثة أنواع:
أحدها: ألا يكون فيها قتل فهذه تستوفى كلها، وبهذا قال أبو حنيفة، والشافعي، وعن مالك أن حدي الشرب والقذف يتداخلان لاستوائهما؛ فهما كالقتلان والقطعان.
النوع الثاني: أن تجتمع حدود لله تعالى، وحقوق لآدمي، وفيها قتل، فإن حدود الله تعالى تدخل في القتل، وأما حقوق الآدميين فتستوفى كلها.
النوع الثالث: أن يتفق الحقَّانِ في محل واحد، ويكون تفويتًا كالقتل والقطع قصاصًا وحدًّا، فأما القتل، فإن كان فيه فهو خالص لحق الله تعالى؛ كالرجم في الزنا، وما هو حق لآدمي كالقصاص قدم القصاص لتأكد حق الآدمي، وإن اجتمع القتل للقتل في المحاربة بالقصاص بدأ بأسبقهما؛ لأن القتل في المحاربة فيه حق لآدمي أيضًا، فإن سبق القتل في المحاربة استوفي ووجب لولي المقتول الآخر ديته في مال الجاني.