٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


مستحق الدية

المستفيدون منها: الذين يأخذونها ويحصلون عليها، فالدية مال ينتقل إلى ملك الإنسان بكل سبب شرعي كسائر الأموال، فأول من يتملك مال الدية هو المجني عليه نفسه الذي تضرر من الجناية، وذلك إذا كان على قيد الحياة بأن كانت الجناية على عضو من أعضائه أو على معنًى من المعاني لديه فهو أول من يستفيد. وإذا قتل الجاني المجني عليه فإن أموال المجني عليه تنتقل إلى ورثته الشرعيين، وقد اتفق أئمة الاجتهاد وفقهاء المذاهب الإسلامية على أن الدية موروثة عن القتيل كسائر أمواله؛ لقوله تعالى: ((وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)) [النساء: ٩٢].
ولكن الجمهور على أن القاتل لا يرث من الدية، فإن لم يوجد للمقتول ورثة فديته لبيت المال فبيت المال من طائفة المستفيدين من الدية؛ وذلك لأن الإمام وارث من لا وارث له، وهو يؤدي دينه في حالة عدم وجود عاقلة له، بالإضافة إلى جهات البر والإحسان عند بعض الفقهاء.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


ما تجب منه الدية عند أبي حنيفة والصاحبين

الإمام أبو حنيفة يرى أن الدية تجب وتقضى من ثلاثة أجناس فقط: الإبل، والذهب، والفضة، واحتج أبو حنيفة على هذا القول بقوله -عليه الصلاة والسلام: ((في النفس المؤمنة مائة من الإبل)).
وأما عند الصاحبين -أبي يوسف، ومحمد- فالدية تجب من ستة أجناس، اتفقا فيها مع شيخهما -الإمام أبي حنيفة- فتجب في: الإبل، والذهب، والفضة، وزادا عليها: البقر، والغنم، والحلل، واحتجا بقضية سيدنا عمر -رضي الله عنه- بأنه روي عنه أنه قضى بالدية من هذه الأجناس بمحضر من الصحابة -رضي الله عنهم- يعني: ولم ينكر عليه أحد، فكأنه صار إجماعًا. وذهب السرخسي إلى جمع القولين، بأن ذلك هو نوع الأموال التي كانت عليهم، لا على سبيل التقدير والتعيين.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


ما تجب منه الدية عند مالك ومن وافقه

لا مدخل للدية عند المالكية لغير الذهب والفضة من ثياب أو طعام أو بقر، وحجة المالكية أيضًا: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قوَّم الدية بمحضر من الصحابة ذهبًا ووَرِقًا -أي: فضة- وكتب بهذا التقويم إلى الآفاق، ولا مخالف. وذهب أبو الوليد الباجي المالكي إلى أنه ينظر إلى أغلب أموال أهل هذا البلد.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


أصل تقدير قيمة الدية

الحنفية يرون الأصل ثمن مائة من الإبل، والشافعي يرى نحوه، وأما الحنابلة فظاهر كلام الخرقي أن الأصل في الدية الإبل لا غير، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وهو قول لطاوس، والشافعي، وابن المنذر. وقال القاضي أبو يعلى: لا يختلف المذهب -يعني: مذهب الحنابلة- أن أصول الدية: الإبل، والذهب، والورِق، والبقر، والغنم، وهو قول: عمر، وعطاء، وطاوس، وفقهاء المدينة السبعة.
ويمكن للحاكم تقديرها على أساس الإبل، أو على أساس الذهب بالقيمة، أو بالنقود المستعملة حاليًا، بحسب اختلاف الأحوال والأزمان والأماكن.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


وقت وجوب الدية

قال المالكية: دية العمد على الجاني حالة لا منجمة في قول، وسوى ذلك يؤجل مثل ما دون الثلث من أرش الجراحات الخطأ، ولا عقل حتى يبرأ المجروح.
وقال الجمهور: تجب الدية على العاقلة في ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها، ويجب في آخر كل حول ثلثها، ويعتبر ابتداء السنة من حين وجوب الدية، بهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: ابتداؤها من حين حكم الحاكم؛ لأنها مدة مختلف فيها، كان ابتداؤها من حين حكم الحاكم، وهذا هو الراجح، فكل دية تحملها العاقلة تجب مؤجلة، وما لا تحمله العاقلة يجب حالًّا؛ لأنه بدل متلف، فلزم المتلف حالًّا كقيم المتلفات.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


دِيَة المرأة في رأي جماهير الفقهاء

لقد ذهب جماهير الفقهاء إلى أن دِيَة المرأة الحُرّة المسلمةِ نصفُ دِيَة الرجل الحرِّ المسلم، وهذا أمر يكاد يكون موضع اتِّفاق بين الفقهاء، واستدلّ أصحاب هذا الاتِّجاه على وجهة نظرهم بالسُّنّة، وبأقوال الصحابة، وبالقياس، وبالإجماع. قال ابن المنذر, وابن عبد البر -رحمهما الله: أجمع أهل العلم على أن دِيَة المرأة نصف دِيَة الرجل.
أما استدلالهم بالسُّنّة، فقد رووا أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((دِيَة المرأة على النصف من دِيَة الرج)). وهكذا هو مرويّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجهة نظرهم، وعن عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم جميعًا.
واستدلوا كذلك بالقياس؛ وذلك أنهم قاسوا دِيَة المرأة على ميراثها، فكما أنها ترث النصف من الرجل، أو على النصف من الرجل، حيث قال الله تعالى: ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)) [النساء: ١١]، فكذلك ديتها.
والواقع أن الفقهاء لهم كلام آخر بالنسبة لِدِيَة الأطراف، فإنهم اختلفوا في ذلك إلى قولين:
القول الأول هو قول الحنفية والشافعية: وهذا القول مفاده أنها على النصف من دِيَة أطراف وجراح الرجل أيضًا، واستدلوا على وجهة نظرهم بما رُوي عن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- قال: "عَقْلُ المرأة على النصف من الرجل".

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


والقول الثاني: قال المالكية، والحنابلة: إن دِيَة المرأة بالنسبة للأطراف، والجراحات تساوي دِيَة الرجل إلى الثلث، إلى أن نصل إلى درجة الثلث، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى عَقلها هي. ورُوي ذلك عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- وبه قال سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعروة، والزهري، وهو قول فقهاء المدينة السبعة؛ وذلك لما روى عمرُو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى يبلغ الثلث من ديتها)).
وخالف الجمهورَ بعضُ العلماء منهم: أبو بكر بن الأصم، وابن عُلَيّة، وهذان العالمان ذهبا إلى أن دِيَة المرأة تساوي دِيَة الرجل تمامًا في النفس أو في غير النفس، وأما دليلهم من الكتاب فالظاهر من الآيات؛ ومن ذلك قوله تعالى في دِيَة القتل الخطأِ: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ)) [النساء: ٩٢]، وقالا بقياس دِيَة المرأة على القِصاص، فكما أن من قَتَل امرأةً يُقتَصّ منه، فكذلك من قتلها خطأً ينبغي أن يدفع الدِّيَة تمامًا كالرجل.
وبعض الفقهاء المعاصرين لم يعجبهم هذا الاتجاه، فردّوا عليه ونقضوه، ومما عابوا به هذا القول أنه قول مخالف للإجماع، وأن ابن عُلَيّة والأصم مجروحان عند العلماء، لا يعتمد عليهما، ولا يعتد بخلافهما.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


والمتأمل في آيات القرآن الكريم يجد أن ظاهرها التسوية في القِصاص، والتسوية أيضًا في الدِّيَة، وليس في القرآن ما يفيد -لا من قريب ولا من بعيد- التفرقة بين الرجل والمرأة في الدِّيَة، وبالنسبة للسنة فلم يرد بكتب السنة ما يميز بين دية الرجل والمرأة إلا ما ورد في سنن البيهقي، فقد روى في سننه حديثًا عن معاذ بن جبل، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((دية المرأة على النصف من دِيَة الرجل))، رواه البيهقي -رحمه الله- من طريق عبادةَ بن نسي، وقال: فيه ضعف، وفي الباب الذي يليه مباشرةً أشار إلى إسناد هذا الحديث، وقال: لا يثبت مثله.
وأخرج النسائي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها)) وهذه الرواية فيها كلام عند العلماء، والمنصف إذا تأمل في هذا كله وجد أن الدليل الذي استند إليه جماهير العلماء في التفرقة بين دِيَة الرجل ودِيَة المرأة، وأنها على النصف منه دليل فيه كلام.
وأما ما قاله ابن قدامة عن حديث عمرو بن حزم، وأن فيه دِيَة المرأة على النصف من دِيَة الرجل إلى آخره، فنقول: قال الحافظ ابن حجر في (التلخيص الكبير): حديث عمرو بن حزم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((دية المرأة نصف دِيَة الرجل)) هذه الجملة ليست في حديث عمرو بن حزم الطويل، وإنما أخرجها البيهقي من حديث معاذ بن جبل، وقال: إسناده لا يثبت مثله، وكان ينبغي ألا يأخذوا به، أو أن يبحثوا، أو كان عليهم أن يبحثوا عن أدلة أقوى من هذا، والإجماع الذي نقله ابن المنذر وغيره منتقض بمخالفة ابن علية والأصم.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


وقولهم بالقياس، فبالتأمل والتدبر نجد أن القياس في هذه المسألة قياس مع الفارق؛ لأن القياس هنا قياس مسألة في الجنايات على أخرى في الماليات، وفي التركات، وكان الأولى قياس دِيَة المرأة على ما يشبهها، وهو القِصاص؛ لأنها أقرب إلى القِصاص، وقد اتفق العلماء بالإجماع على أن القِصاص واحد: من قتل امرأةً؛ فوجب القِصاص، سواء أكان القاتل رجلًا أو امرأةً؛ يقتصّ منه، كمن قتل رجلًا بالضبط؛ يقتصّ منه، كان الأقرب هو قياس الدِّيَة على القِصاص؛ فنقول: تقاس دِيَة المرأة بِدِيَة الرجل -كما يلحق تلحق المرأة- في القِصاص بالرجل، فكما أنهما متساويان في القِصاص؛ فيجب أن يكونا متساويين في الدِّيَة.
وما روي عن الصحابة في أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، فما نقل عن علي -رضي الله عنه- لم يثبت؛ ولهذا قال ابن قدامةَ في (المغني) بعد أن ذكر هذا الأثر عن سيدنا عليّ: ولا نعلم ثبوت ذلك عنه، ونحو ذلك ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وكذلك ما روي عن عثمان -رضي الله عنه- وكل هذه الآثار أخرجها البيهقي وتكلم عليها، وما قد يثبت فيرد عليه أنه اجتهاد حاكم كما ثبت عن عثمان -رضي الله عنه.
ومن المعاصرين الذين قالوا بمساواة دية المرأة لدية الرجل الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره عن آية القتل الخطأ من سورة النساء، وكذلك محمود شلتوت في كتابه (الإسلام عقيدة وشريعة)، وكذلك محمد أبو زهرة في كتابه (الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي).

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


دية الكافر

الفقهاء متفقون على أن الحربي -الكافر الحربيّ- لا دِيَة له؛ لأن دمه غير معصوم، وأما الذمي والمستأمن فللعلماء فيهما قولان:
هو مذهب المالكية، والحنابلة، وهو أيضًا مرويّ عن عمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، وعمرو بن شعيب: أن دِيَة الكتابيّ الذميّ والمعاهد نصف دِيَة الحر المسلم -على النصف- لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((دِيَة المعاهد نصف دِيَة الحر))، وفي لفظ: ((دية عقل الكافر نصف دِيَة عقل المؤمن)).
وبالنسبة للجراحات وما دون النفس فهي كالدية عن النفس عند المالكية على التنصيف، وعند الحنابلة فعندهم جراحات أهل الكتاب من دياتهم -يعني بالنسبة لدياتهم- كجراح المسلم من دياتهم، وتغلظ دياتهم لاجتماع الحرمات عند من يرى تغليظ ديات المسلمين.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


دِيَة الجنين

اتفق الفقهاء على أن الواجب في الجناية التي ترتب عليها انفصال الجنين عن أمه ميتًا، هو الغرة نصف عشر الدية الكاملة، وهي: عبد أو وليدة، يعني: على الجاني أن يعطي أهل المجني عليه غرة -عبارة عن عبد، أو وليدة- وأما تقديرها بالمال؛ فهي حوالي خمسة جِمال فقط، لا فرق بين كون الجنين ولدًا أو أنثى، وسواء كانت الجناية بالضرب، أم بالتخويف، أم بالصياح، أم غير ذلك، وسواء أكانت الجناية عمدًا، أم خطأ، ولو من الحامل نفسها -يعني لو الحامل أجهضت نفسها- عليها أيضًا الدِّيَة، أو من زوجها -لو أن الزوج هو الذي ضربها- فأجهضت عليه الدِّيَة؛ لما ثبت عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي هريرةَ -رضي الله عنه((أن امرأتين من هذيل، رمت إحداهما الأخرى فطرحت جنينها -يعني أجهضت وألقت ما في بطنها- فقضى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بغرة عبد أو وليدة)).
وأما جنين الكتابية والمجوسية ممن لهن أمانٌ، إذا كان محكومًا بكفره، ففيه عشر دِيَة أُمّه وقال الشافعية والحنابلة: تجب فيه غرة أيضًا؛ لأنه جنين تلف بجناية، وعلم ذلك بخروجه؛ فوجب ضمانه كما لو سقط في حياتها، ولأنه آدميّ موروث، فلا يدخل في ضمان أمّه، كما لو خرج حيًّا.

٢.٦ مستحقو الدّية، ونوعها، ووقتها، والدِّية النّاقصة: دية المرأة والكافر والجنين


وإن ألقت جنينين ميتين، أو أكثر؛ ففي كل واحد غرة باتفاق الفقهاء؛ لأنه ضمان آدميّ؛ فتتعدد الغرة بتعدده كالديات سواء بسواء، وإن ألقتهم أحياءً ثم ماتوا؛ ففي كل واحد دِيَة كاملة، وإن كان بعضهم حيًّا فمات، وبعضهم ميتًا؛ ففي الحي دِيَة كاملة، وفي الميت غرة، وإن ظهر بعض خلقه من بطن أمه ميتًا، ولم يخرج باقيه؛ ففيه غرة أيضًا، وهو الأصح عند الشافعية، وقول عند الحنابلة، وقال مالك -وهو مقابل الأصح عند الشافعية: لا تجب الغرة؛ حتى تلقيه كاملًا.
وأما الآن بعد تطور وسائل الطب الحديثة، ووسائل الكشف خصوصًا الطب الشرعي، من الممكن حسم مثل هذه القضايا؛ فالطب الشرعي ممكن أن يبين إذا ما كان هناك جنين مات داخل بطن الأم، أو مات بعد ولادته، أو لم يكن هناك جنين، إنما في مراحله الأولى، إلى آخره، كل هذه الكشوفات العلمية الطبية الحديثة يستفاد منها في تقرير الحكم الشرعي.