١.٦ أصل تحمل العاقلة الدية، وكيفيتها، وتحمل بيت المال الدية


الأصل الشرعي لوجوب الدية على العاقلة

أصل وجوب الدية على العاقلة هو الحديث المشهور الصحيح، بل إن بعض العلماء ذكر أنه متواتر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقضى أن دية جنينها غرة أو وليدة، وقضى دية المرأة على عاقلتها))، وقد أجمع فقهاء المذاهب الإسلامية على أن هذا الحديث هو الأصل في وجوب الدية على العاقلة.
وكذلك ما روي من كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إن المؤمنين لا يتركون شخصًا مفرحًا بينهم أن يُعطوه بالمعروف في فداءٍ أو عقل)) يعني: أنهم لا يتركون من يحتاج إلى مساعدة دون أن يساعدوه.
أما علة وجوب دية الخطأ على العاقلة، فقد أجمع فقهاء المذاهب الإسلامية على أنها النُّصرة والتخفيف عن الجاني والمخطئ معذورٌ فرفع عنه الخطأ، وفي إيجاب كل الدية عليه عقوبة إجحافٌ به واستئصالٌ لماله، فشرع الإسلام أن تضم إليه العاقلة تخفيفًا للعبء عنه.

١.٦ أصل تحمل العاقلة الدية، وكيفيتها، وتحمل بيت المال الدية


كيفية تحمل العاقلة الدية

أجمع فقهاء المذاهب الإسلامية على أن دية الخطأ تجب على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين تخفيفًا، تبدأ من بداية وقت تحديد الدية عن المالكية والحنفية، وعند الحنابلة والشافعية من يوم زهوق روح المجني عليه، أما دية الشجاج والجروح فيبدأ الاستحقاق من يوم اندمال الجرح؛ لأنه وقت استقرار الوجوب، وقيل في قول ضعيف: إنه وقت الجناية.
كل واحد يجب عليه أن يدفع في رأي الإمام أبي حنيفة أربعة دراهم من الدية كلها تقسط عليه، يكون كل سنة درهم وثلث، وقال الإمام الشافعي -رحمه الله: هي على الغني من العاقلة نصف دينار؛ لأنه أقل ما وجب من الزكاة.
أما المالكية والحنابلة فيقولون: إنما يتم تحديد مقدار ما يتحمله كل شخصٍ من العاقلة باجتهاد الحاكم، يعني: الحاكم بعد أن يحصر أفراد العاقلة الذين يسهمون في تحمل هذه الدية، يوزعها عليهم بالكيفية التي لا تجحف بواحد منهم، ولا تحمله أقل مما يمكن أن يطيق، وهو يتحمل هذا دون عبء كبير؛ لأنه لا نص في هذا التوزيع الذي قال به أبو حنيفة ولا ما قال به الشافعية.

١.٦ أصل تحمل العاقلة الدية، وكيفيتها، وتحمل بيت المال الدية


ما لا تتحمله العاقلة

روى ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا تحمل العاقلة عمدًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا)).
فلا تحمل العاقلة العمد ذلك سواءٌ كان مما يجب القصاص فيه أو لا يجب، ولا خلاف في أنها -أي: العاقلة- لا تحمل دية ما يجب فيه القصاص، وأكثر أهل العلم على أن العاقلة لا تحمل العمد بكل حالٍ من الأحوال، وحكي عن مالك أنها تحمل الجنايات التي لا قصاص فيها كالمأمومة والجائفة، وعمد الصبي والمجنون خطأ تحمله العاقلة، وقال الإمام الشافعي في أحد قوليه: لا تحمل العاقلة عن الصبي ولا عن المجنون؛ لأن عمد كل منهما عمدٌ إذ يجوز تأديبهما.
ولا تحمل العاقلة العبد، يعني: إذا قتل العبد قاتلٌ وجبت قيمته في مال القاتل، ولا شيء على عاقلة هذا القاتل خطأً كان أو عمدًا، وهذا قول ابن عباس، والشعبي، والثوري، ومكحول، والنخعي، ومالك، والليث، وابن أبي ليلى. وقال عطاء، والزهري، وحماد، وأبو حنيفة: تحمله العاقلة؛ لأنه -أي: العبد- آدمي يجب بقتله القصاص النفس بالنفس والكفارة أيضًا، فحملت العاقلة بدله كالحر.

١.٦ أصل تحمل العاقلة الدية، وكيفيتها، وتحمل بيت المال الدية


لا تحمل العاقلة الصلح، وسمي هذا الأمر صلحًا؛ لأن معناه أن يُدعى عليه القتل -يدعي شخص على شخص أنه قتل- فالمدعى عليه ينكر ويصالح المدعي على مال فلا تحمله العاقلة؛ لأنه مالٌ ثبت بمصالحته واختياره، فلم تحمله العاقلة كالذي ثبت باعترافه، ولو حملته العاقلة لأدى هذا إلى أن يصالح بمال غيره. وذهب أبو يعلى من الحنابلة إلى أن الصلح أن يصالح الأولياء عن القود إلى الدية.
لا تحمل العاقلة الاعتراف -والاعتراف معناه: أن يقر الشخص على نفسه بقتلٍ خطأ أو شبه عمد- كما لا تحمل العاقلة ما كان دون الثلث. وحجة القائلين بهذا الرأي ما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قضى في الدية ألا يُحمل منها شيءٌ حتى تبلغ عقل المأمومة.

١.٦ أصل تحمل العاقلة الدية، وكيفيتها، وتحمل بيت المال الدية


إذا لم تكن للجاني عاقلة

وفي هذه الحال تكون على بيت المال في ظاهر الرواية عند الإمام أبي حنيفة، ووجه هذا القول: أن الوجوب على العاقلة لمكان التناصر فالعاقلة هي التي تنصره، فإذا لم يكن له عاقلة كان استنصاره بعامة المسلمين وبيت المال مالهم. وقال محمد بن الحسن: على الجاني لا على بيت المال؛ لأن وجوبها عليه هو الأصل. وذهب الشافعي والزهري إلى التفصيل؛ فإن كان لا عاقلة له فعلى بيت المال.

١.٦ أصل تحمل العاقلة الدية، وكيفيتها، وتحمل بيت المال الدية


تحمل بيت المال للدية

يتحمل بيت المال الدية إذا كان القاتل لا عاقلة له؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه))، أو كان له عاقلة وعجزت عن الدية، أو كان القتل ناتجًا عن خطأ الحاكم، أو وجد القتيل في مكان عام كالأسواق والطرقات والزحام ولا يعلم من الجاني.

١.٦ أصل تحمل العاقلة الدية، وكيفيتها، وتحمل بيت المال الدية