٣.١ أثر العقوبة في حياة الفرد والأمة


شُرعت العقوبة لدعم الأمر الشرعي؛ لأنه وحده لا يكفي في ردع الكثيرين عن الجريمة والانتهاء عنها بمجرد اللفظ الشرعي والأمر به، والعقوبة وإن شرعت للمصلحة لكنها ليست بمصلحة في ذاتها، ولكنها من باب ارتكاب الضرر الأقل لدفع الضرر الأكبر، فالزنا، وشرب الخمر، والاحتيال، واختلاس أموال الناس، وهجر الأسرة، والامتناع عن إخراج الزكاة قد يكون في ذلك مصلحة للأفراد، ولكن الشرع نهى عن ذلك كله؛ لأن هذه المصالح الفردية لا اعتبار لها في نظر الشرع، وقد نهى الشرع عنها لا لكونها مصالح، بل لأنها تؤدي إلى فساد الجماعة، فهذه المصالح النسبية الفردية الخاصة بشخص الشارع لا يعتبرها، فالسارق مثلًا مصلحته ألا تقطع يده -يسرق وينهب ولكن لا تقطع يده- لكن مصلحته هذه تقابل بمصلحة الجماعة وهي أعم، فلا اعتبار لمصلحة هذا الشخص في فعل هذه الجريمة.
وإن الشريعة جاءت لكل الناس، فالناظر في تشريع العقوبات يجد أنها تصير في ثاني الأمر إلى مصلحة الأمة وتعود في النهاية على جميع الأفراد وحتى الأشخاص الذين كانوا يرون فيها المصلحة العاجلة لهم، وامتنعوا لأمر الله -عز وجل- أو خوفًا من العقاب تتحقق لهم المنافع والمصالح التي تعود على المجتمع ككل.

٣.١ أثر العقوبة في حياة الفرد والأمة


وهذا يتبين بإدراك الأصول التي تكون في العقوبات لتحقق الغاية من تشريعها، فمن ذلك أن تكون العقوبة كافية في الزجر والردع، وأن تكون العقوبة مقدرة للحد ومناسبة للجناية، بالإضافة إلى جواز إعمال المصلحة الغالبة باستئصال المجرم من المجتمع إذا لم يكفّ عن شره إلا بذلك.
وليعلم أن العقوبة ليس القصد منها مجرد الردع والزجر فقط، بل الغرض أيضًا استصلاحه رحمة من الله تعالى به، والعقوبات رغم ما فيها فهي تكفر الذنوب إذا تاب صاحبها وأناب، فهذا فيه رحمة به وخلاص له، وعلى من يقوم بإنزال مثل هذه العقوبات بالناس من أولياء الأمور أو القضاة أو غيرهم أن يقصدوا بإيقاع مثل هذه العقوبات الإحسان إلى هؤلاء الجناة، وأن يقصدوا الرحمة بهم كما يقصد الوالد تأديب ولده، وكما يقصد الطبيب معالجة المريض.
ولذلك وضعت العقوبة شاملة لأصلين، تقوم عليهما في الشريعة الإسلامية:
الأصل الأول: أن بعض العقوبات في الشريعة تستهدف محاربة الجريمة مع إهمال شخصية المسلم، يعني: عدم الالتفات إليها.
الأصل الثاني: أن بعض العقوبات في الشريعة الإسلامية تُعنَى بشخصية المجرم ولا تهمل جانب الجريمة، فهي تُعنَى بالاثنين معًا.
والشريعة قد سمحت بدخول العفو من صاحب الحق في هذا النوع من الجرائم دون الأول؛ لما في العفو في الثاني من المصلحة التي ترجع على المجتمع والجاني، بخلاف الأول فلا مصلحة فيه البتة.

٣.١ أثر العقوبة في حياة الفرد والأمة


ولا تعارض بينهما؛ لأن الأول القصد منه حماية مصلحة المجتمع ومنع الجريمة التي تمس كيانه، وهي على قسمين:
جرائم تمس كيان المجتمع بصورة مباشرة، وهي نوعان:
جرائم الحدود التامة: وهي بالتحديد سبع
جرائم: الزنا، والقذف، وشرب الخمر أو المسكر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي، وقد وضعت الشريعة الإسلامية
لهذه النوعية من الجرائم عقوبات مقدرة محددة، ليس للقاضي أن يزيد عليها، أو أن ينتقص منها،
أو يعفو من باب أولى.
والشريعة شددت في هذا النوع لشدة خطورته وجعلت فيه أنصبة مقدرة من العقوبات، ولم تسمح بدخول العفو فيه لعظيم مفسدته
التي يستلزم الحد منها، ومنعها بتطبيق هذه العقوبات.
القصاص والدية، وهي جرائم سببها القتل والجرح سواء أكان ذلك القتل أو ذلك الجرح عمدًا أم خطأ، وهي بالتحديد خمس جرائم: القتل العمد، والقتل شبه العمد، والقتل الخطأ، والجرح المتعمد، والجرح الخطأ.
وفي هذا كله حماية للأمة، وحماية للمجتمع، ثم في النهاية إصلاح للأفراد الجناة حتى يكونوا مواطنين أو أفرادًا صالحين.

٣.١ أثر العقوبة في حياة الفرد والأمة


هذا هو النوع الثاني من الجرائم، وهي أيضًا تمس مصلحة المجتمع من قريب، وأيضًا في غاية الخطورة، والشريعة الإسلامية وضعت لهذا النوع من الجرائم عقوبتين محددتين هما: القصاص أو الدية، في حالة العمد القصاص أو الدية، والدية فقط في حالة الخطأ، وحرّمت على القاضي أن يقضي بشيء غير هاتين العقوبتين.
جرائم تمس كيان المجتمع بصورة غير مباشرة، وهي ما تسمى بـ «عقوبات التعزير»:
وهذه الجرائم هي الجرائم غير المقدرة التي ترك أمر تحديدها وتقديرها للقاضي، فهذه الجرائم يختار فيها القاضي العقوبة
المناسبة التي تلائم كل جانٍ، وفي هذا النوع من الجرائم تطبق الشريعة الإسلامية الأصول التي تقوم عليها نظرية العقوبة منفردة
ومجتمعة معًا، فالقاضي عليه أن يُراعي مصلحة المجتمع، ويراعي مصلحة الجاني في نفس الوقت، وهذا يتبين بالآتي:
إذا لم يكن ظرف الجاني يقتضي التخفيف، والجناية جناية تقتضي عقوبة، فالقاضي عليه أن يختار من العقوبات ما يحمي
الجماعة من الجريمة، ولا يراعي غير هذا الاعتبار.
كون ظروف الجاني تقتضي التخفيف، وفي هذه الحالة يراعي القاضي تقدير العقوبة، وهو اختيار نوعها المناسب لشخصية الجاني.

٣.١ أثر العقوبة في حياة الفرد والأمة


إذا كانت ظروف الجريمة تقتضي التشديد، وظروف الجاني تقتضي التخفيف، فهنا يحتاج القاضي إلى براعة وإلى اجتهاد؛ فيراعي بقدر الإمكان اختيار العقوبة المناسبة للجاني مع حرصه على مصلحة المجتمع.
وهذا النوع من العقوبات وإن كان يدخله مراعاة مصلحة الجاني بالعفو والتخفيف المبني على مراعاة ظروفه وتنازل المجني عليه عن حقه، فإن من حق ولي الأمر حتى بعد العفو أن يعاقب الجاني عقوبة تردّ للمجتمع اعتباره، وتزجر هذا الشخص الجاني وتردع أمثاله من مجرد التفكير في تقليده، أو فعل مثل ما فعل.

٣.١ أثر العقوبة في حياة الفرد والأمة