![]() |
الجناية في اللغة تتضمن معنى الذنب والجُرم، وما يفعله الإنسان من التعدي الذي يستحق به العقاب، أما في العرف الفقهي فهي اسم لما يجنيه الإنسان من شرّ يكتسبه، وإن كان الكسب قد يرد لتحصيل الخير كما في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) [البقرة: ٢٢٦]، وقد يَرِد مرادًا به الشرّ كما في قوله تعالى: ((بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)) [البقرة: ٨١]. |
![]() |
والعقوبة في اللغة مأخوذة من مادة "ع ق ب"، وهذه المادة تفيد أن فعلًا أتى بعد فعل، وفي العرف الفقهي هي: إيلام متعمد شرعًا مناسب لحال الجناية، مقصود به جبر آثارها والزجر عن تكرارها للمجتمع المسلم. |
![]() |
فهي إيلام متعمد ليخرج الإيلام العبثي الخالي عن الحكمة، وهي شرعية لأن مردّ العقوبات إلى الشرع ولا عقوبة إلا بنص شرعي، وهي مناسبة لحال الجناية لأن العقاب من جنس العمل كما في قوله تعالى: ((لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِه)) [المائدة: ٩٤]، وهي جبر لآثار هذه الجناية؛ لأن المجني عليه يبتغي القصاص من الجاني بسبب الاعتداء، وكذلك هي زاجرة مانعة من تكرار مثلها في المجتمع المسلم. |
![]() |
ومن عِظَمِ الشريعة الإسلامية أنها لم تترك الناس يستوجبون العقوبات لوقوعهم في الجنايات إلا بعدما كَفَلَت لهم التدابير الواقية من الوقوع في الجرائم من خلال مسائل متعددة، نذكر منها: |
![]() |
تهذيب النفس بتربية الضمير الذي يراقب الله -عز وجل- فالإنسان إذا راقب الله، وعلم أن الله تعالى يراه فسيستحي منه، ولن يقع في ذنب أو جُرم يؤدي به إلى العقوبة. |
![]() |
الحثّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإشاعة الخير، والتمسك بالفضائل بين أبناء المجتمع كله وتنفيرهم من الشر والآثام، قال تعالى: ((وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنَ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)) [آل عمران: ١٠ ٤]. |
![]() |
تشريع العقوبات المناسبة التي ينبغي أن تجتثّ جذور الجريمة، وما في نفس صاحبها من ميل إلى الرذائل والشرور والآثام، وهي مناسبة للجُرم لأن الهدف جبر الجناية وردع وزجر الجاني، ومَن تسول له نفسه تقليده. |
![]() |
ولم يكن تشريع العقوبات في الإسلام عبثًا، بل كان لِحِكَم وغايات بالغة متمثلة فيما يلي: |
![]() |
حماية الفضيلة؛ لأنه إذا تحكمت الرذيلة ضاع المجتمع وفسد، لكن لو تحكمت الفضيلة لانتشرت فيه المصالح وعمّت وتقدم وارتقى. |
![]() |
تحقيق المصلحة العامة المشروعة للناس، فبالاستقراء تبين أن جميع أحكام الشريعة الإسلامية في مصادرها ومواردها، وفي جميع الأبواب؛ في المعاملات وفي العبادات وفي الزواج والطلاق إلى آخره، إنما تستهدف تحقيق مصلحة الناس؛ ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ))[يونس: ٥٧] وهدى ورحمة للمؤمنين الذين يطبقون أحكام هذه الشريعة، وقد أجمع فقهاء الشريعة على أن الشريعة الإسلامية جاءت لحماية المصالح الإنسانية الحقيقية المقررة الثابتة بالكتاب أو بالسنة، أو بتقدير ولي الأمر العادل الذي يستمد سلطانه من القرآن والسنة، وينفذ أحكامهما. |
![]() |
ولكن هذه المصالح التي أتت بها الشريعة بكل فروعها وأحكامها قد تخفى على بعض الناس، وهذا يمكن أن يكون سببه ما يلي: |
![]() |
تحكم الهوى في نفوس بعض الأشخاص، بتقديمهم مصالحهم الذاتية على غيرها. |
![]() |
نظرة المفكر إلى حالة وقتية قد سيطرت عليها نظرية مالية أو اجتماعية معينة، والتخلص منها لا يكون سهلًا كأولئك الذين يستحلّون الفائدة الربوية مثلًا، ويزعمون أن فيها المصلحة العامة، والحقيقة أنه لا مصلحة فيها بل فيها الضياع وفيها الضلال والأزمات. |
![]() |
التقليد الأعمى لأمم تبيح بعض المنكرات التي أنكرها الإسلام. |