١.١ المذاهب الوضعية المختلفة، ونظرتها إلى الجريمة والعقاب


المقصود بالمذاهب الوضعية هي تلك الأفكار والنظريات المبنية على استنتاج العقل البشري القاصر، وهذه المذاهب الوضعية تتعدد وتختلف في نظرتها إلى الجريمة والعقاب، ومن هذه المذاهب الوضعية نذكر خمسة ونلقي الضوء على نظرتها للجريمة والعقوبة:

المذهب النفعي

يرتكز هذا المذهب على مبدأ اللذة والألم، فاللذة هي المنفعة، والألم هو العقوبة، وهذا المذهب النفعي أحد المذاهب الوضعية في التعامل مع الجريمة، وهذا المذهب يرى أن العقوبة شر لا بد منه، والمصلحة فيه حماية المجتمع وردع الجاني عن تكرار جنايته، بالإضافة إلى زجر غيره عن طريق الاعتبار.
ويرى هذا الاتجاه وجوب تطبيق العقوبة إذا ما عُلِمَ تأثيرها في ردع الجاني والتخلص من الشر الذي بداخله، وإلا فلا حاجة إلى عقوبته.
ويرى أيضًا ذلك الاتجاه أن العقوبة يجب ألا تتجاوز قدر الضروري، فيجب أن يتوقف التعزير عند الضروري فلا يتجاوزه إلى إيقاع عقوبات يُمكن الاستغناء عنها، كالتعذيب مثلًا أو الإعدام.

١.١ المذاهب الوضعية المختلفة، ونظرتها إلى الجريمة والعقاب


وأصحاب هذه النظرية لا يهتمون بالأسباب الدافعة للجريمة بقدر اهتمامهم بالمنع من وجود مثلها في المستقبل، فالجريمة وقعت وانتهت، إنما المهم أثر العقوبة لعدم تكرار مثل هذه الجريمة.
وهؤلاء يرون أن بعض العقوبات قد لا تلائم العصر الحديث، ومثال ذلك الإعدام، فهم يرون أن السجن المؤبد مثلًا يغني عن الإعدام؛ لأن القصد من العقوبة قد تحقق بالتخلص من سببها وهو نفي أو إبعاد هذا العضو الفاسد، ويرجحون قولهم بأن القصاص والإعدام فيه شر زائد بالإضافة إلى عدم إمكان تداركه لو تبين الخطأ في الحكم بخلاف السجن.
وانتقدت هذه النظرية من قِبل أصحاب الاتجاهات الأخرى؛ فالمثاليون يرون أن العقاب ينبغي أن يوقع على كل مخالف بصرف النظر عن كونه يردعه أو لا يردعه؛ لأن العدل يقتضي عقاب كل مخالف وكل مجرم وكل جانٍ، وأنه كلما زاد عدد المجرمين الذين تتم معاقبتهم أخذ الناس الأمر بجدية في تفادي الوقوع في نفس الفعل.
وانتقدت هذه النظرية بأنها تجاهلت أن بعض الناس قد يقع في الجناية أو الجريمة تحت وطأة ظروف اجتماعية أو ملابسات معينة، فهذه النظرية لا تلتفت إلى هذه الظروف المخففة.

١.١ المذاهب الوضعية المختلفة، ونظرتها إلى الجريمة والعقاب


نظرية العقد الاجتماعي

تقوم نظرية العقد الاجتماعي على أساس أن أفراد كل مجتمع اتفقوا فيما بينهم على التنازل عن بعض حقوقهم للمجتمع؛ بمعنى أن كل فرد يتنازل عن بعض من حقه الضروري للمجتمع مقابل الاستعاضة عما تنازل عنه بحقوق مدنية تقوم الدولة بحمايتها. وترى هذه النظرية أنه كما أن المجتمع لم يهب المرء الحياة فإنه لا يسلبها منه، فيرفضون لذلك عقوبة القصاص، وأن الجزء الذي تنازل عنه الأفراد لا يخوّل للسلطة أن تصل في عقوباتها للأجسام أو للفرد إلى درجة الإعدام.

وقد انتقدت هذه النظرية بمخالفتها العدل؛ فإن مَن سلب الحياة عن غيره فالعدل سلب حياته.
وانتقدت بتجويزها غير الإعدام من العقوبات مع أنه ينقض بالمنطق الذي به عللوا منع القتل، وهو مَنِ الذي أعطى المجتمع حق غير القتل من العقوبات؟ وعلى هذا تسقط جميع العقوبات مع أن علم الاجتماع يرى أن عقوبة القصاص هي عقوبة قديمة، وأن من حق المجتمع أن يوقع العقوبة بالشخص الذي يخرج على هذا النظام الذي ارتضاه المجتمع، وأنه إذا لم توجد عقوبة لاستسهل كثير من الجناة الوقوع في الاعتداء على حقوق الآخرين.

١.١ المذاهب الوضعية المختلفة، ونظرتها إلى الجريمة والعقاب


نظرية الإنسان والجبرية

الجبرية قديمًا وحديثًا يرون أن الإنسان غير مسئول عن أفعاله، فهو موجود في بيئة وظروف وأحوال، وتحكمت فيه أمور وراثية وتكوينات عقلية وفكرية وثقافية جعلته كالريشة في مهب الريح، فهم يرون أن الإنسان لا إرادة له في إيجاد أفعاله، وأن مسئوليته عن أفعاله منعدمة تمامًا، وعلى ذلك فنظرية العقوبة عند هؤلاء ليس لها محل؛ لأن الإنسان لا يعاقب على شيء لم يفعله، ولا يسأل عن شيء لم يخطط له ولم يفكر فيه.

والجبرية بقولهم هذا يعدون من المشركين الذين قال الله تعالى فيهم: ((سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ)) [الأنعام: ١٤٨]. والمعاصرون منهم الجبرية المعاصرون يؤيدون ذلك ببحوثهم عن أثر الوراثة والبيئة في تشكيل سلوك الإنسان، ويرون أن المسئولية الجنائية مصطلح مخالف للعقل؛ لأن المسئولية تعني القدرة على الاختيار، والإنسان عندهم مسلوب الإرادة والاختيار فلا يحسن معاقبته.

وقد انتقدت هذه النظرية أيضًا بانتقادات عديدة ولاذعة؛ للاتفاق على ثبوت الأفعال الاختيارية للإنسان، وأن استئصال غير الأسوياء بالعقوبة أمر طبيعي، بالإضافة إلى ظهور ما يسمى بالمجرم بالوراثة كما هو عند الغرب في بعض البحوث؛ وعليه فإن حماية المجتمع من مثله تحتم وجود العقوبة التي تحفظ المجتمع من شروره.

١.١ المذاهب الوضعية المختلفة، ونظرتها إلى الجريمة والعقاب


نظرية التأهيل الاجتماعي

يرى هذا الاتجاه أن الهدف الأساسي من العقاب هو إحداث التوبة والندم في نفس الجاني ومنعه من العودة إلى ارتكاب جريمته التي فعلها من قبل مرة أخرى، وأن القصد من العقوبة تهذيبه لا استئصاله. وأصحاب هذه الفكرة قد بنوها أيضًا على أساس أن المجرم هو نتاج ظروف اجتماعية، وأنه يجب دراسة أحوال المجرمين، ويجب تقرير العلاج المناسب لهم والكفيل بإعادتهم إلى صفوف المجتمع مواطنين صالحين، لا إيلامهم بالعقوبات.

وانتقد على هذه المدرسة المثالية غير الواقعية، وعدم اعتبارها أن هناك من لا يريد أن يستجيب لإصلاح وكذلك كأن هذه المدرسة تبحث عن مبررات لمرتكبي الجرائم، مما يعدّ تهاونًا في حفظ المجتمع والردع عن الإقدام على الجرائم. وتنطوي هذه النظرية على المخاطرة؛ لأن محاولة استقطاب المجرمين إلى صفّ المجتمع لا يخلو من مخاطرة؛ لأن محاولة تخفيف العقوبات عن المجرمين يمكن أن يكون سببًا في زيادة حجم هؤلاء المجرمين، وزيادة حجم إجرامهم؛ فيتمادى كثيرٌ منهم في جرمه وإيقاع الشرّ بأفراد المجتمع.

١.١ المذاهب الوضعية المختلفة، ونظرتها إلى الجريمة والعقاب


نظرية العدالة بالقصاص

أصحاب هذه النظرية بنوها على أسس أخلاقية وعقلية، ومن هذه الأسس أن الهدف من العقاب هو القصاص بحيث تشرع العقوبة العادلة لردع الذين تسوّل لهم أنفسهم الاعتداء على الآخرين، واغتصاب حقوقهم.

ولا تُعنى هذه النظرية بالفوائد الاجتماعية أو غيرها، بل المقصود تحقيق العدالة بمعاقبة المجرم، ولأن العقوبة تعتبر نفيًا للجريمة كما يعتبر بعض المفكرين أن الجريمة نفي للقانون. وقد انتقدت هذه النظرية بعدم اعتبارها الأحوال المخففة كالظروف والملابسات المحيطة بالجريمة، كمن مثلًا وجد زوجته في وضع لا يليق فقتلها، أو قتل من معها فهو في ظرف خاصّ، فهذه النظرية -نظرية العدالة بالقصاص- تقول: من قتل يُقتل، ومن ضرب يُضرب، فلا تأخذ في اعتبارها الظروف الطارئة أو المخففة.

١.١ المذاهب الوضعية المختلفة، ونظرتها إلى الجريمة والعقاب