![]() |
إنما خص الغضب وهو أشد من اللعن في جانب المرأة لأن النساء يتجاسرن باللعن فإنهن يستعملن اللعن في كلامهن كثيرًا, كما ورد في الحديث؛ فاختير الغضب لتتقي ولا تقْدم عليه, ولأن جريمتها وهي الزنا أعظم من جريمة الرجل وهي القذف, وإنما وجب بالرجل في اللعان لأنه المدعي, وفي الدعاوى دائمًا نبدأ بالمدعي, ودليل هذه الكيفية التي استمعنا إليها قول الحق سبحانه وتعالى في ... |
| ...سورة [النور]: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ)). | |
![]() |
وثبت في السنة النبوية الصحيحة تأكيد هذه الكيفية بأحاديث منها حديث ابن عمر قال: ((يا رسول الله، أرأيت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة, كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم, وإن سكت سكت على مثل ذلك؟ قال: فسكت النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يجبه, فلما كان بعد ذلك أتاه, فقال: إن الذي سألتك عنه ابتليت به, فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في سورة النور: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ)) فتلاهن عليه, ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. فقال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها. ثم دعاها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة, فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين, والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين, والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرّق بينهما)) والبدء بالزوج باللعان هو رأي الجمهور, وقال أبو حنيفة: يجزئ أن تبدأ المرأة باللعان, ولكن مع الكراهة. قال الكاساني في (البدائع): ينبغي أن تعيد بعد لعان الرجل؛ لأن اللعان شهادة المرأة وشهادتها تقدح في شهادة الزوج, فلا تصح إلا بعد وجود شهادته, فهذه هي كيفية اللعان ودليلها. |
![]() |
يسن أن يعظ القاضي المتلاعنين قبل اللعان, ويخوفهم بعذاب الله في الآخرة, كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مع عويمر وزوجته في الحديث السابق, قال -عليه السلام- لهلال: ((اتق الله إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة)) ويقرأ عليهما: ((إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ)) [آل عمران: ٧٧] ويقول لهما: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمتلاعنين: ((حسابكم على الله, يعلم أن أحدكما كاذب, فهل منكما من تائب؟)). |
![]() |
لا يحكم القاضي في اللعان حتى يثبت عنده نكاح الزوجين. |
![]() |
الذي يندب في حق القاضي الذي يحضر مجلس اللعان: أن يتلاعن الزوجان قائمين؛ ليراهما الناس ويشتهر أمرهما, فيقوم الرجل عند لعانه, والمرأة جالسة, ثم تقوم عند لعانها ويقعد الرجل, ويتكلم المتلاعن بألفاظ اللعان, وهي أربع شهادات. |
![]() |
أن يحضر اللعان جماعة من المسلمين, وأقلهم أربعة عدول, وأوجب هذا المالكية. |
![]() |
أن يغلّظ اللعان في الزمان والمكان في رأي المالكية والشافعية والحنابلة على الراجح, وذلك بأن يكون بعد صلاةٍ, لما فيه من الردع والرهبة أو بعد صلاة العصر؛ لأنها الصلاة الوسطى على الراجح أو بعد صلاة عصر الجمعة؛ لأن ساعة الإجابة تكون فيه, كما رواه أبو داود ... |
| ...والنسائي وصححه, ولأن اليمين الفاجرة بعد العصر أغلظ عقوبة؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة, ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)) وعد منهم رجلًا حلف يمينًا كاذبةً, بعد العصر, يقتطع بها مال امرئ مسلم. | |
![]() |
وبأن يكون لعان المسلم في المسجد, هذا بالنسبة لتغليظ المكان, بأن يكون اللعان في المسجد؛ لأنه أشرف الأماكن, وأوجب هذا المالكية؛ لأن فيه تأثيرًا في الزجر عن اليمين الفاجرة, وأشرف الأماكن هو في مكة بين الركن الذي فيه الحجر الأسود وبين مقام إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم- ويسمى ما بينهما بالحطيم, وفي المدينة عند المنبر مما يلي القبر الشريف؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على منبري هذا يمينًا آثمة تبوء مقعده من النار)) وقوله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يحلف عند هذا المنبر عبد ولا أمة يمينًا آثمة ولو على سواكٍ رطب إلا وجبت له النار)). |
![]() |
واللعان في بيت المقدس في المسجد عند الصخرة المشرفة؛ لأنه أشرف بقاعه؛ لأنها قبلة الأنبياء -عليهم الصلاة وأزكى السلام- وفي صحيح ابن حبان: ((أنها من الجنة)) واللعان في غير المساجد الثلاثة يكون عند منبر الجامع؛ لأنه المعظّم منه, وتلاعن امرأة حائض أو نفساء أو متحيرة مسلمة عند باب المسجد الجامع, ويلاعن ذمي أو كتابي في بيعته وهو معبد النصارى, وفي كنيسته وهو معبد اليهود؛ لأن معابدهم كالمساجد عندنا, ويلاعن مجوسي في بيت نارٍ؛ لأنهم يعظمونه, والمقصود الزجر عن الكذب, فيحضره القاضي رعاية لاعتقادهم شبهة الكتاب التي يدعونها, ولا يلاعن في بيت أصنامٍ وثني؛ لأنه لا حرمة له, واعتقادهم فيه غير شرعي. |
![]() |
ولا يغلظ اللعان في رأي القاضي أبي يعلى من الحنابلة والحنفية بمكانٍ ولا زمان, فالتغليظ عند غير الحنفية, وعند غير أبي يعلى من الحنابلة؛ لأن الله تعالى أطلق الأمر فيه, ولم يقيده بزمانٍ ولا مكان فلا يجوز تقييده, إلا بدليل, ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر الرجل بإحضار امرأته ولم يخصه بزمان, ولو خصه به لنقل إلينا, ولم يهمل. |
![]() |
ما الذي يجب عند نكول أحد الزوجين عن اللعان أو رجوعه عنه؟ قد يمتنع أحد الزوجين عن اللعان بعد طلبه من القاضي, وقد يرجع عنه ويكذب نفسه, فماذا يفعل القاضي به؟ |
![]() |
أما في حال نكول أحد الزوجين عن اللعان بعد طلبه منه, فقد اختلف الفقهاء في الحكم على رأيين: |
![]() |
الجواب: سبب اختلافهم في حال امتناع الزوج عن اللعان هو اختلافهم في الموجب الأصلي لقذف الزوجة, أهو اللعان، أم الحد؟ قرر الحنفية بأن الموجب الأصلي هو اللعان, واللعان واجب؛ لقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ)) [النور: ٦] أي: فليشهد أحدهم أربع شهادات بالله, فإنه تعالى جعل موجب قذف الزوجات هو اللعان, فمن أوجب الحد فقد خالف النص, فصارت آية حد القذف بالنسبة إلى الزوجات منسوخة في حق الأزواج, وأصبح الواجب بقذف الزوجة هو اللعان, فإن امتنع عنه حبس حتى يلاعن, كالمدين إذا امتنع عن إيفاء دينه فإنه يحبس حتى يوفي ما عليه. |
![]() |
وقرر الجمهور أن الموجب الأصلي هو حد القذف واللعان مسقط له؛ لعموم قول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً)) [النور: ٤] فإنه عام في الأجنبي والزوج, ويجب الحد على كل قارف سواء أكان زوجًا أم غيره, ثم جعل الالتعان بالزوج مقام الشهود الأربعة, الذين يثبت بشهادتهم الزنا, فوجب عليه إذا امتنع عن اللعان الموجب الأصلي وهو حد القذف؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لهلال بن أمية لما قذف زوجته بالزنا: ((البينة، أو حَدٌّ في ظهرك)) ورأي الجمهور أرجح لقوة أدلتهم من القرآن والسنة, وبناءً عليه: إذا قذف الزوج زوجته المحصنة العفيفة, وجب عليه حد القذف, وحكم بفسقه, ورد شهادته, إلا أن يأتي ببينة أو يلاعن, فإن لم يأت بأربعة شهداء أو امتنع عن اللعان لزمه ذلك كله. |
![]() |
قد يجب على الزوج في حال امتناعه عن اللعان التعزير فقط, كما في حال قذف غير المحصنة كالمرأة الكتابية والأمة والمجنونة والطفلة, فإنه يجب عليه التعزير به, لإلحاقه العار بها بالقذف ولا يحد لهن حدًّا كاملًا, لنقصانهن بما ذكر, ولا يتعلق به فسق, ولا رد لشهادته؛ لأن القذف لهؤلاء لا يوجب الحد, وله أن يلاعن لدرء التعزير عنه؛ لأنه تعزير قذفٍ, وبه تكون القاعدة: كل موضعٍ لا لعان فيه فالنسب لاحق بالزوج, ويجب بالقذف موجبه من الحد أو التعزير, إلا أن يكون القاذف صغيرًا أو مجنونًا فلا تعزير -أي: ضرب فيه- ولا لعان بالاتفاق. |
![]() |
وأما إذا كذب الزوج نفسه بعد اللعان فقد اتفق أئمة المذاهب الأربعة على أنه يُحد حد القذف, ويكون للزوجة الحق في مطالبة القاضي بالحد, سواء كذب نفسه قبل لعانها أو بعده؛ لأن اللعان أقيم مقام البينة في حق الزوج, فإن أكذب نفسه بأن قال: كذبت عليها, قد زاد في هتك حرمتها, وكرر قذفها, فلا أقل من أن يجب عليه الحد الذي كان واجبًا من القذف المجرد, فإن عاد عن إكذاب نفسه, وقال: لي بينة أقيمها بزناها أو أراد إسقاط الحد عنه باللعان. لم يسمع منه؛ لأن البينة واللعان لتحقيق ما قاله, وقد أقر بكذب نفسه, فلا يسمع منه خلافه, وهذا كله فيما إذا كانت المقذوفة محصنة أي: عفيفة, فإن كانت غير محصنة, فعليه التعزير. |
![]() |
وإن أكذب الملاعن نفسه قبل لعان المرأة أقيم عليه حد القذف, وبقيت الزوجية فتبقى له زوجة, لكن لا تبقى زوجة بعد لعانها, ومتى أكذب نافي الولد نفسَه بعد نفيه الولد, وبعد اللعان لحقه نسب الولد حيًّا كان الولد أو ميتًا, غنيًّا كان الولد أو فقيرًا؛ لأن اللعان يمين أو شهادة بينة, فإذا أقرّ بما يخالفها أخذ بإقراره, وسقط حكم اللعان, ثم إن النسب يحتاط لثبوته قدر الإمكان -كما سنعرف إن شاء الله- ويتم التوارث بين الأب والولد؛ لأن الإرث تابع للنسب, وقد ثبت فتبعه الإرث. |
![]() |
رأى الحنفية أن اللعان شهادات مؤكدة بالأيمان مقرونة باللعن وبالغضب, وإنه -أي: اللعان- في جانب الزوج قائم مقام حد القذف, وفي جانب الزوجة قائم مقام حد الزنى, ودليلهم على ذلك آيةُ اللعان الذي يقول الله تعالى فيها: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ)) فقد سمى القرآن الأزواج ((شُهَدَاءُ)) وسمى اللعان "شهادة" في النص: ((فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ))، وجعل عددها كعدد شهادات الزنا, وإذا كان اللعان شهادة فيشترط فيها ما يشترط في الشهادة على المسلم. |
![]() |
وقال الجمهور غير الحنفية: سميت ألفاظ اللعان شهادات, وهي في الحقيقة أيمان, واللعان يمين, وإن كان يُسمى شهادة لقوله -صلى الله عليه وسلم- في قصة لعان هلال بن أمية: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)) ولأنه لا بد في اللعان ... |
| ...من ذكر اسم الله تعالى, وذكر جواب القسم, ولو كان شهادة لما احتاج إليه, ولأنه يستوي فيه الرجل والمرأة, ولو كان شهادة لكانت المرأة على النصف من الرجل فيه, ولأنه يجب تكراره أربعة, والمعهود في الشهادة عدم التكرار, أما اليمين فتكرر كما في أيمان القسامة؛ ولأن اللعان يكون من الطرفين والشهادة لا تكون إلا من طرفٍ واحد وهو المدعي. | |
![]() |
أما تسمية اللعان شهادة فلقول الملاعن في يمينه: أشهد بالله, فسمي اللعان شهادة وإن كان يمينًا، فقد يعبر عن الشهادة باليمن كما في قوله تعالى: ((إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)) [المنافقون: ١] ثم قال: ((اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)) [المنافقون: ٢]. |
![]() |
وأجمعوا على جواز لعان الأعمى, ولو كان شهادة لما جاز لعانه, وإذا كان اللعان يمينًا, فلا يشترط فيه ما يشترط في الشهادة, وتفرع عن هذا الخلاف اختلافهم في الأخرس, فقال الجمهور: يلاعن الأخرس إذا فهم عنه إشارته, وقال الحنفية: لا يلاعن؛ لأنه ليس من أهل الشهادة. |
![]() |
فرأينا أن الحنفية قد اختلفوا مع الجمهور في تسمية اللعان, فالحنفية يرون أن اللعان شهادات مؤكدة بالأيمان, بينما يرى الجمهور أن اللعان أيمان, وليست شهادات, والراجح هو رأي الجمهور؛ لقوة ما استدلوا به من السنة والمعقول؛ ولأن اللعان شرع للحاجة, والحاجة تتسع لأناس, ولو لم يكونوا أهلًا للشهادة. |