أن يكون بحضور القاضي أو نائبه, وهذا شرط اتفق فيه غير الحنابلة مع الحنابلة, فهو شرط متفق عليه: أن يحضر القاضي أو نائبه مجلس اللعان. والدليل على ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه, ولاعن بينهما؛ ولأنه يمين في دعوى, فلن يصح إلا بأمر الحاكم, كاليمين في سائر الدعوى, وهذا يتطلب رفع الأمر إلى الحاكم من أحد الزوجين, فإن تراضَ الزوجان بغير الحاكم, بإجراء اللعان بينهما لم يصح ذلك؛ لأن اللعان مبني على التغليظ والتأكيد, فلم يجز بغير حضور الحاكم أو من ينوبه الحاكم في ذلك؛ قياسًا على إقامة الحد, هذا هو الشرط الأول من شروط صحة اللعان.
أن يكون اللعان بعد طلب القاضي, وهذا شرط أيضًا اتفق عليه الفقهاء, بأن يأتي كل واحد منهما باللعان بعد إلقائه عليه, فإن بادر به قبل أن يطلب القاضي منه ذلك لم يصح, كما لو حلف قبل أن يحلِّفه القاضي, وهذا شرط متفق عليه أيضًا.
استعمال ألفاظ اللعان الخمسة, فإن نقص منها لفظة لم يصح, وهذا شرط أيضًا متفق عليه.
أن يأتي كل من الزوجين بصورة اللعان كما حددها القرآن, واختلف الفقهاء في إبدال لفظة بمعناها, كأن يبدل بقوله تعالى: ((وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ)) [يوسف: ٥١)] بقوله: لقد زنت، أو إني صادق، أو تقول المرأة بدل ((إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ)): لقد كذب, والظاهر عند الحنابلة أنه يجوز هذا الإبدال؛ لأن معناهما واحد, أما إن أبدل بلفظة "أشهد" لفظًا من ألفاظ اليمين فقال: أحلف أو أقسم؛ فلا يعتد به عند الشافعية والحنابلة على الصحيح؛ لأن ما اعتبر به لفظ الشهادة لم يقم غيره مقامه, كالشهادات في الحقوق؛ ولأن اللعان يقصد فيه التغليظ, واعتبر لفظ الشهادات أبلغ في التغليظ, فلم يجز تركه؛ ولهذا لم يجز أن يقسم بالله من غير كلمة تقوم مقام "أشهد" والظاهر أن هذا رأي المالكية والحنفية أيضًا؛ ومن ثم فإن الفقهاء يكونون قد اتفقوا على أنه لا يجوز إبدال لفظ "أشهد" بقوله: أحلف أو أقسم.
الترتيب بين ألفاظ اللعان, وذلك بأن يبدأ الرجل بالحلف على المرأة, ثم تحلف المرأة, فإن قدم لفظة اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة, أو قدمت المرأة لعانها على لعان الرجل؛ لم يعتد بذلك, وهذا شرط أيضًا متفق عليه: أن يبدأ الرجل أولًا باللعان ثم تليه المرأة بعد ذلك؛ لأن اللعان على رأي الحنفية شهادة -كما سنعرف- والمرأة بشهادتها تقدح في شهادة الزوج؛ فلم يصح قبل وجود شهادته.
الإشارة من كل واحد منهما إلى صاحبه إن كان حاضرًا, وتسميته ونسبته إن كان غائبًا, وهذا محل اتفاق بين الفقهاء, ولا يشترط عند الشافعية والحنابلة حضور الزوجين معًا بل لو كان أحدهما غائبًا عن صاحبه, جاز اللعان, كأن يلاعن الرجل في المسجد والمرأة على باب المسجد؛ لعدم إمكان دخولها لكونها حائضًا مثلًا.