٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


مشروعية اللعان
شرع اللعان بين الزوجين لقول الحق سبحانه وتعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ)) [النور: ٦- ٩] وسبب نزول هذه الآيات ما رواه الإمام البخاري وغيره -وهو حديث صحيح- ((أن هلال بن أمية قذف زوجته عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشريك بن سمحاء, فقال له -صلى الله عليه وسلم: البينة، أو حد في ظهرك، فقال: يا نبي الله، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلًا, ينطلق يلتمس البينة؟! فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يكرر ذلك: البينة، أو حد في ظهرك، فقال هلال: والذي بعثك بالحق نبيًّا إني لصادق, ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد, فنزلت هذه الآيات من سورة النور)). فكان أول لعان في الإسلام ما حدث بين هلال بن أمية وزوجته, وهذا رأي الجمهور.
وقد حكى الماوردي عن أكثر العلماء أن قصة هلال أسبق من قصة عويمر, وروى الجماعة إلا الترمذي: ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لعويمر العجلاني: قد نزل فيك وفي صاحبتك, فاذهب فأت بها، فتلاعنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم)) وهذا رأي الإمام النووي في (شرح مسلم) أن السبب في نزول آية اللعان كانت قصة عويمر العجلاني.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


وبهذا يختلف حكم الزوجين عن الأجانب في حال القذف, فإذا قذف إنسانٌ غيرَه أو اتهم رجلٌ امرأة ليست زوجة له بالزنا, وكانت عفيفة, ولم يأت بأربعة يشهدون بصحة اتهامه؛ فإنه يحد حدّ القذف, وهو ثمانون جلدة؛ زجرًا له ولأمثاله عند ارتكاب هذه المعصية, ودفعًا للعار عن المقذوف, أما إن اتهم الزوج زوجته بالزنا أو نفى نسب ولدها منه ولم يأت بأربعة يشهدون على ادعائه؛ فلا يحد حد القذف, وإنما يشرع في حقه اللعان.

الروايات في بيان نزول آيات اللعان
وقد اتفقت الروايات في بيان نزول آيات اللعان على أمور ثلاثة:
أن آيات اللعان نزلت بعد آية قذف المحصنات بتراخٍ عنها, وأنها منفصلة عنها.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


أركان اللعان وشروطه وشروط المتلاعنين
إن ركن أي شيء عند الحنفية واحد, وهو اللفظ –الصيغة- وهو شهادات مؤكدات بالأيمان, واللعن من كلا الزوجين.
وقال الجمهور: أركان اللعان أربعة, وهي: الملاعِن, ويقصد به الزوج. والملاعَنة، ويقصد بها الزوجة. وسببه وهو الزنا أو نفي الولد. ولفظه الذي سنعرفه -إن شاء الله- فهذه هي أركان اللعان عند غير الحنفية.
أما عن شروط اللعان: فشروطه نوعان: شروط وجوب اللعان, وشروط صحة إجراء اللعان.


٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


شروط وجوب اللعان
هي عند الحنفية ثلاثة شروط:
قيام الزوجية مع امرأة ولو غير مدخول بها, وكذا ولو في أثناء العدة من طلاق رجعي, لقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ)) فلا لعان بين غير الزوجين أو بقذف امرأة أجنبية, فإن قذفها ثم تزوجها فعليه حد القذف, ولا يلاعن؛ لأنه وجب في حال كونها أجنبية, ولا لعان بقذف زوجة صارت ميتة؛ لأن الميت لم تبق زوجة؛ ولأنه لا يتأتى اللعان منها, ولا لعانَ بقذف المرأة المطلقة طلاقًا بائنًا, ويحد زوجها الأصلي كالأجنبي. ووافق غيرُ الحنفيةِ الحنفيةَ في هذا الشرط, فمن الإمكان أن نقول: إن هذا الشرط شرط متفق عليه بين الفقهاء, ألا وهو قيام الزوجية مع امرأة, ولو غير مدخول بها. وخالف غير الحنفية الحنفيةَ في المطلقة طلاقًا بائنًا, فإنه عند الجمهور غير الحنفية يصح اللعان منها, ومِن ثَم يصح اللعان عند الجمهور من غير زوج في حالتين: البائن لنفي الولد, والموطوءة بنكاح فاسد أو شبهة, ولو ارتدّ زوج بعد وطء فقذف وأسلم في العدة لاعن, ولو لاعن ثم أسلم في العدة صح لعانه؛ لتبين وقوعه في صلب النكاح. فهذا هو الشرط الأول ألا وهو قيام الزوجية مع امرأة ولو غير مدخول بها, سواء كانت زوجة حقيقية أو زوجة حكمية مطلقة طلاقًا رجعيًًّا فقط عند الحنفية أو بائنًا عند غير الحنفية.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


والحاصل أن الحنفية اشترطوا أهلية الشهادة في الزوج لأداء كلمات اللعان شهادات. واشترطوا أيضًا أن تكون الزوجة ممن يحد قاذفها, لأداء اللعان أو لقيام اللعان بدل عن حد القذف في الأجنبية, ولم يشترط الجمهور هذين الشرطين, لكن اشترط المالكية الإسلام في الزوج فقط, لا في الزوجة, فإن الذمية تدفع لرفع العار عنها, وقالوا: يشترط في المتلاعنين كونهما بالغين عاقلين سواء أكانا حرين أم مملوكين, عدلين أم فاسقين, ويقع اللعان في حال العصمة اتفاقًا المطلقة طلاقًا رجعيًّا, والبائنة خلافًا للحنفية.
وبعد العدة في نفي الحمل إلى أقصى مدة الحمل, وبعد العدة أيضًا يلاعِن في نفي الحمل إلى أقصى مدة الحمل, وهي عندهم تقدر بسنة, ويقع اللعان من الزوجين في النكاح الصحيح والفاسد, ولم يشترط الشافعية والحنابلة الإسلام في المتلاعنين, وقالوا: يصح اللعان من كل زوج يصح طلاقه, بأن يكون الزوجان مكلفين, أي بالغين عاقلين سواء أكانا مسلمين أم كافرين أم عدلين أم فاسقين أم محدودين في قذف أم كان أحدهما كذلك, ويصح اللعان أيضًا من الحر والعبد والرشيد والسفيه والسكران, ومن الناسي والأخرس والخرساء المعلوم الإشارة عند الشافعية, ومن المطلق طلاقًا رجعيًّا, ويصح من الزوج للمطلقة البائن لنفي الولد, وكذا عند الحنابلة إذا لم يكن هناك ولد.
ويصح عندهم لعان الموطوءة بنكاح فاسد أو شبهة, كأن ظنها زوجته ثم قذفها, ولاعن لنفي النسب, ولا يصح اللعان بالاتفاق من صبي ومجنون, فإن كان أحد الزوجين غير مكلّف فلا لعان بينهما؛ لأن اللعان قول تحصل به الفرقة, ولا يصح من غير مكلف كالطلاق أو اليمين. ولا لعان بين غير الزوجين, فإذا قذف الشخص أجنبية محصنة أي: عفيفة, أقيم عليه حد القذف ولم يلاعن.

والخلاصة أن الحنفية اشترطوا في المتلاعنين: الإسلام والنطق والحرية والعدالة, وكون اللعان في حال قيام الزوجية حقيقة أو حكمًا, كالرجعية, وليست البائنة, وخالفهم الجمهور فيما شرطوه, إلا أن المالكية اشترطوا إسلام الزوج فقط, واتفقوا جميعًا على اشتراط التكليف, البلوغ والعقل, ويصح اللعان من الأخرس عند الجمهور خلافًا للحنفية.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


هل هناك فرق بين المدخول بها وغير المدخول بها؟

لا فرق بين كون الزوجة مدخولًا بها أو غير مدخول بها في أنه يلاعنها باتفاق الفقهاء؛ لقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ)) فإن كانت غير مدخول بها فلها نصف الصداق؛ لأنها فرقة من جهة الزوج, ونتسائل أيضًا كيف يلاعن الأخرس أو معتقل اللسان؟! يلاعن
الأخرس أو معتقل اللسان عند الحنابلة, ولا تلاعن الخرساء عندهم؛ لأنها لا تعلم مطالبتها, واتفقوا على أنه لا يصح
اللعان من الأخرس والخرساء غير معلوم الإشارة والكتابة, هذا محل اتفاق بين الفقهاء.


٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


شروطًا ثلاثة للعان عند الشافعية والحنابلة

وذكر الشافعية والحنابلة شروطًا ثلاثة للعان هي:
كونه بين زوجين ولو قبل الدخول.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


لغة اللعان

هل يشترط اللعان بالعربية أم يصح بغيرها؟

قال الحنفية والمالكية والشافعية: يصح اللعان بالعربية وبغير العربية؛ لأن اللعان يمين أو شهادة على خلاف -كما سنعرف- وهما في اللغات سواء, أي: اليمين أو الشهادة في اللغات سواء, ولكن إذا لاعن الأعجمي يجب عليه أن يراعي ترجمة الشهادة واللعن والغضب, بينما خالفهم الحنابلة فقالوا: إذا كان الزوجان يعرفان العربية فلم يجز بأي حال من الأحوال أن يتلاعنا بغيرها؛ لأن اللعان ورد في القرآن بلفظ العربية, ومن ثم فلا تجزئ غير العربية. هذا عن لغة اللعان, يصح عند غير الحنابلة بالعربية والعجمية, أما الحنابلة فقالوا: لا لعان إلا بالعربية.


٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


شروط صحة إجراء اللعان في ذاته

ذكر الحنابلة شروطًا ستة في إجراء اللعان بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه, وهي -كما ذكرها ابن قدامة في (المغني):
أن يكون بحضور القاضي أو نائبه, وهذا شرط اتفق فيه غير الحنابلة مع الحنابلة, فهو شرط متفق عليه: أن يحضر القاضي أو نائبه مجلس اللعان. والدليل على ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه, ولاعن بينهما؛ ولأنه يمين في دعوى, فلن يصح إلا بأمر الحاكم, كاليمين في سائر الدعوى, وهذا يتطلب رفع الأمر إلى الحاكم من أحد الزوجين, فإن تراضَ الزوجان بغير الحاكم, بإجراء اللعان بينهما لم يصح ذلك؛ لأن اللعان مبني على التغليظ والتأكيد, فلم يجز بغير حضور الحاكم أو من ينوبه الحاكم في ذلك؛ قياسًا على إقامة الحد, هذا هو الشرط الأول من شروط صحة اللعان.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


شروط اللعان عند المالكية

وقد اشترط المالكية شروط هي كلآتي:
حضور جماعة للعان, أقل هذه الجماعة أربعة عدول, وقال الشافعية والحنابلة: يستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين, واستدلوا على استحباب حضور جماعة من المسلمين بما روي أن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه على حداثة من سنّهم؛ فدلّ على أنه حضره جمع كثير من الناس؛ لأن الصبيان إنما يحضرون المجالس تبعًا للرجال, ولأن اللعان بني على التغليظ مبالغة في الردع به والزجر, وفعله في الجماعة أبلغ في الردع, ويستحب ألا ينقصوا عن أربعة؛ لأن بينة الزنا الذي شرع اللعان من أجل الرمي به أربعة, واشترط المالكية أيضًا لصحة اللعان عدم وطء الزوجة مطلقًا بعد رؤيتها تزني أو بعد علمه بحمل من غيره أو وضع, فإن وطئ المرأة الملاعَنة بعد علمه بحمل من غيره أو وضح أو رؤية لها تزني, امتنع اللعان لها, لا يمكن الزوج من ذلك.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


شروط نفي الولد

اشترط الحنفية ستة شروط لنفي الولد وعدم لحوق النسب, وهي ما يأتي:
حكم القاضي بالتفريق بين الزوجين؛ لأن الزواج قبل التفريق قائم, فلا يجب النفي.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


شروط لنفي الولد عند المالكية

أما المالكية فإنهم اشترطوا لنفي الولد شرطين:
أن يدعي أنه لم يطأ الزوجة أصلًا بعد العقد أو لأمد, يلحق به الولد، أو أنه وطئها ولكنه استبرأها بحيضة واحدة, فإن لم يطأها أصلًا بعد العقد أو وطئها وأتت بالولد بعد الوطء في مدة لا يلتحق الولد فيها بالزوج, إما لقصر المدة كأن تلد ولدًا كاملًا بعد شهر, أو شهرين أو خمسة بعد الدخول أو الوطء؛ لأن أقل الحمل شرعًا ستة أشهر, وإما لطول المدة كخمس سنين؛ لأن أقصى مدة الحمل عندهم أربع سنين بعد الوطء, ففي هذه الحالتين يعتمد على ذلك, ويعلم أن الولد ليس من الزوج قطعًا ويلاعن لنفيه, وكذلك يلاعن لنفي الولد لو وطئها واستبرأها بحيضة واحدة بعد الوطء, ثم أتت بولد بعد ستة أشهر من يوم الاستبراء بحيضة, إذ هو ليس منه قطعًا.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


الشافعية في نفي الولد

أما الشافعية فأجازوا نفي الولد أثناء الحمل أو بعد الولادة مباشرة, فإن أخر بلا عذر أو قبل التهنئة بالمولود سقط حقه في النفي؛ لأن التأخر يتضمن الإقرار به, فإن ادعى أنه لم يعلم بالولادة, فإن كان في موضع قريب منها كدار أو محلة لم يقبل قوله؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر, وإن كان في موضع يجوز أن يخفى عليه كالبلد الكبير؛ فالقول قوله مع يمينه؛ لأن ما يدعيه ظاهر, وقال الشافعية: لا يصح نفي أحد توأمين, فإن أتت المرأة بولدين توأمين فنفى الزوج أحدهما وأقر بالآخر, أو ترك نفيه من غير عذر لحقه الولدان؛ لأنهما حمل واحد؛ لأن الله تعالى لم يجر العادة بأن يجتمع في الرحم ولدان من ماء رجلين, فإذا اشتمل الرحم على المني انسد فمه فلا يتأتى منه قبول مني آخر, فلا يجوز بأي حال من الأحوال أن يلحق أحد الولدين دون الآخر. ويلزم الزوج نفي ولد أتت به زوجته وعلم أنه ليس منه, بأن وطئها وولدته لدون ستة أشهر من الدخول أو فوق أربع سنين, أقصى مدة الحمل عند الشافعية, فلو ولدته فيما بين ستة أشهر من الدخول وأربع سنين منه, ولم يستبرئها بعد الدخول بحيضة حرم نفي الولد باللعان رعاية للزوجية. وإن ولدته بعد ستة أشهر من الاستبراء بحيضة, ولستة أشهر فأكثر من الزنا حل نفي الولد باللعان في الأصح, ولكن الأولى ألا ينفيه؛ لأن الحامل قد ترى الدم على رأي غير صحيح عند الشافعية.


٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه


شروط الحابلة لنفي الولد باللعان

وقال الحنابلة يشترط لنفي الولد باللعان ما يأتي:
ألا يتقدمه إقرار به أو بتوأمه أو ما يدل عليه كما لو نفى أحد التوأمين وسكت عن الآخر, وهذا موافق للشافعية.

٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه



٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه



٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه



٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه



٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه



٢.١٤ مشروعية اللعان وشروطه