العتق وهو عتق رقبة سالمة من العيوب صغيرة أم كبيرة ذكر أم أنثى.
صيام شهرين متتابعين.
إطعام ستين مسكينًا، يومًا واحدًا غداءً وعشاءً عند الحنفية.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
هل هذه الأنواع الثلاث واجبة على الترتيب أو واجبة على التخيير؟
اختلف الفقهاء على أنها واجبة على الترتيب، فالعتق أولًا، فإن لم يكن بأن عجز عنه فالصيام، فإن لم يكن بسبب العجز عنه، فالإطعام والمعتبر في العجز عند الجمهور وقت الأداء، وعند الحنابلة وقت الحلف في اليمين.
وهذا تفصيل كل نوع على حدة: العتق
أما إعتاق الرقبة فهي الواجب الأول على المظاهر القادر على الإعتاق، لا يجزئه غيره باتفاق الفقهاء؛ لقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لأوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته في الحديث المتقدم، ورواه أبو داود: {{يعتق رقبة، قلت: لا يجد، قال: فيصوم}} وقوله -صلى الله عليه وسلم- لسلمة بن صخر من ذلك، فمن وجد رقبة يستغني عنها، أو وجد ثمنها فاضلًا عن حاجته، ووجدها به لم يجزئه إلا الإعتاق.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
واتفق الفقهاء على أنه: لا يجزئه إلا رقبة سالمة من العيوب الضارة بالعمل ضرارًا بينًا، لأن المقصود تمليك العبد منافع نفسه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررًا واضحًا، فلا يجزئ في العتق العبد الأعمى، ولا العبد المقعد، ولا مقطوع اليدين أو الرجلين؛ لفوات جنس المنفعة، فيكون المعتق هالكًا حكمًا؛ إذ لا يتهيأ له كثير من العمل مع تلف هذه الأعضاء، كما لا يجزئ أيضًا عتق العبد المجنون جنونًا مطبقًا؛ لأنه وجد فيه المعنيان، ذهاب منفعة الجنس وحصول الضرر بالعمل.
ويجزئ عند الحنفية المقطوع إحدى اليدين والرجلين، والمقطوع الأذنين والأنف والأصم إن سمع الصياح، والأعور والأعمش والخصي والمجبوب؛ لأنه ليس بفائت جنس المنفعة، وإنما يخل بكمالها وهو لا يمنع، أي: الإخلال بالكمال لا يمنع، ولا يجوز -عند الحنفية- مقطوع إبهام اليدين؛ لأن قوة البطش بهما، ولا يجزئ عندهم الأخرس، والأصم الذي لا يسمع الصياح؛ لزوال جنس المنفعة، فأشبه زائل العقل.
ولا يجزئ عند الجمهور -غير الحنفية- المقطوع إحدى اليدين أو الرجلين إلا أن الشافعية، أجازوا فاقد إحدى اليدين، لا فاقد رجل، ولا يجزئ عند المالكية مقطوع أصبع فأكثر أو أذن ولا الأعمى، ويجزئ الأعور، ولا يجزئ الأبكم الأخرس، ولا الأصم ولا المجنون، ولا المريض المشرف على الهلاك بسبب جذام أو برص أو عرج أو هرم شديدين.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
ولا يجزئ -عند الشافعية- المريض الزمن وفاقد رجل أو خنصر وبنصر من يد، أو أنملتين من غيرهما؛ لأن فقدهما مضر، وأنملة إبهام؛ لأن فقدها يضر لتعلق منفعتها، فأشبه قطعها، ولا يجزئ عندهم هرم عاجز، ومن أكثر وقته مجنون، ومريض لا يرجى برء علته، ويجزئ عندهم صغير وأقرع وأعرج يمكنه متابعة المشي، وأعور وأصم وأخرس وأخشم، أي: فاقد حاسة الشم، وفاقد أنفيه وأذنيه وأصابع رجليه، ولا يجزئ عندهم عتق عبد المغصوب؛ لأنه ممنوع من التصرف في نفسه، فهو كالمريض الزمن.
ولا يجزئ عند الحنابلة مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلها، ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها الوسطى؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة؛ لأن نفع اليدين يزول أكثره بقطعهما، وإن قطعت كل واحدة من يد جاز؛ لأن نفع الكفين باق، وقطع أنملة الإبهام كقطع جميعها، فهم كالشافعية فيما عدا مقطوع اليد.
ويجزئ عند الحنابلة: الأعور اتفاقًا مع غيرهم، ويجزئ عندهم مقطوع الأنف والأصم إذا فهم من الإشارة، ويجزئ الأخرس إذا فهمت إشارته وفهم بالإشارة، ويجزئ المريض مرض يرجى برؤه ولا يجزئ غير مرجو البرء ولا يجزئ عبد مغصوب؛ لأنه لا يقدر على تمكينه من منافعه ولا يجزئ غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره: لأنه لا يعلم حياته، فلا يعلم صحة عتقه.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
اشتراط الإيمان في الرقبة التي تعتق في كفارة الظهار
يرى الحنفية أنه: لا يشترط إيمان الرقبة في كفارة الظهار، وكذا في كفارة اليمين، ومن ثم فإنه يصح عندهم إعتاق العبد الكافر أو مباح الدم عملًا بإطلاق النص القرآني في قول الله تعالى: ((فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)) [المجادلة: ٣].
ويرى الجمهور: أنه يشترط إيمان الرقبة في هذه الكفارة، وكذلك في كفارة اليمين، فيجب أن تكون مسلمة، ولا يجزئ في الإعتاق إعتاق العبد الكافر؛ لأنه تكفير بعتق فلم يجز إلا مؤمنة، مثل: كفارة القتل، والمطلق يحمل على المقيد قياسًا إذا وجد المعنى فيه، ولأنه إذا كان لا يجوز إلا رقبة سليمة من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بينًا وقيدنا النص القرآني بهذا القيد فالقيد بالسلامة من الكفر أولى.
وسبب الخلاف "قضية حمل المطلق على المقيد" فقد قيد القرآن الرقبة بالإيمان في كفارة القتل وأطلقها في كفارة الظهار، فيجب عند الجمهور صرف المطلق إلى المقيد، ولا يجب ذلك عند الحنفية، ويعمل بكل نص على حدة؛ حتى لا يزاد على النص ما ليس منه، هذا عن العتق كأول نوع من أنواع كفارة الظهار.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
صيام شهرين متتابعين
أجمع العلماء على: أن المظاهر إذا لم يجد رقبة بأن عجز عن ثمنها أو وجدها بأكثر من ثمن المثل، وقدر على الصوم -أن فرضه صيام شهرين متتابعين ولو ثمانية وخمسين يومًا بالهلال وإلا فستين يومًا لقول الله تعالى: ((فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) [المجادلة: ٤] ولحديث أوس بن الصامت وسلمة بن صخر قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن واقع امرأته بعد الظهار وعجز عن الإعتاق: {{فصم شهرين متتابعين}}.
ورأى الحنفية والمالكية: أنه متى وجد رقبة لزمه إعتاقها ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، وإن كان محتاجًا إليه لخدمته، أو محتاجًا إلى ثمنها لقضاء دينه؛ لأنه واجد حقيقة.
وخالفهم الشافعية والحنابلة: فأجازوا له الانتقال إلى الصيام إن كان محتاجًا للرقبة لخدمة، أو محتاجًا لثمنها لقضاء دين، أو نفقة، أو أثاث لا بد منه، أو لم يجد رقبة يشتريها؛ لأن ما استغرقته حالة الإنسان فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل، كمن وجد ماءً يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم.
ويعتبر اليسار الذي يلزم به الإعتاق في أظهر الأقوال -عند الشافعية والمالكية- هو وقت الأداء والإخراج؛ لأنها عبادة لها بدل من جنسها فاعتبر حال أدائها كالصوم والتيمم والقيام والقعود في الصلاة، والمعتبر عند الحنابلة وقت وجوب الكفارة.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
التتابع في الصيام
أجمع أهل العلم أيضًا على وجوب التتبع في صيام كفارة الظهار للنص القرآني: ((فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ)) وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر ثم قطعه لغير عذر وأفطر أن عليه استئناف الشهرين؛ لورود الكتاب والسنة به، ومعنى التتابع: الموالاة بين صيام أيام الشهرين، فلا يفطر فيها، ولا يصوم صيامًا عن غير هذه الكفارة، ولا يحتاج التتابع عند الجمهور إلى نية، ويكفي فعله؛ لأنه -أي: التتابع- شرط، وشرائط العبادات لا تحتاج إلى نية، وإنما تجب النية لأفعال العبادة.
وقال المالكية: لا بد من نية التتابع ونية الكفارة، فإن بدأ الصيام في أثناء شهر حُسِب الشهر الذي بعده عند الشافعية والمالكية والحنابلة بالأهلة، أما عند الحنفية: إن لم يكن صومه في أول الشهر برؤية الهلال بأن غم الهلال أو صام في أثناء شهر فإنه يصوم ستين يومًا. ولتحقيق التتابع قال الحنفية: ويختار صوم شهرين متتابعين ليس فيهما شهر رمضان، ولا يوم عيد الفطر، ولا يوم عيد النحر، ولا أيام التشريق.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
إن جامع الرجل المظاهر في خلال فترة الصيام ليلًا عامدًا أو نهارًا ناسيًا؟
إن جامع الرجل المرأة التي ظاهر منها في خلال الشهرين ليلًا عامدًا أو نهارًا ناسيًا استأنف الصوم عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الشرط في الصوم أن يكون قبل المسيس، وهذا الشرط يزول بالجماع في خلال الصوم فيستأنف، ولا يستأنف في الإطعام إن وطئها في خلاله لإطلاق النص في الإطعام وتقييده بكونه: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) في تحرير الرقبة والصيام.
واتفق الحنفية على: أن المظاهر إن أفطر يومًا من الشهرين بعذر كسفر ومرض أو بغير عذر استأنف فبدأ الصوم من جديد أيضًا لفوات التتابع وهو قادر عليه.
ومذهب المالكية قريب من رأي الحنفية: إن قطع التتابع ولو في اليوم الآخر من الشهر وجب الاستئناف، وينقطع تتابع الصوم بوطء المظاهر امرأته المظاهر منها ليلًا أو نهارًا، ناسيًا أو عامدًا، كما يبطل الإطعام بوطء المظاهر منها في أثنائه، ولو لم يبقَ عليه إلا مد واحد، فإنه يبطل ويبتدئه، وهذا بخلاف رأي الحنفية، وينقطع التتابع بالفطر في السفر من غير ضرورة، وبمجيء العيد في أثناء الشهرين -إن علم أنه يأتي في أثناء صومه- أما إن جهل إتيان العيد في أثناء صومه فلا يبطل التتابع وصام بعد العيد بيومين، ...
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
... بناءً على المعتمد عندهم أن المسلم لا يصوم يوم العيد وما بعده فقط، وكذا لا ينقطع التتابع إذا جهل وقت مجيء رمضان، ولا ينقطع التتابع بالمرض، وبالفطر سهوًا وبالإكراه على الفطر أو بظن غروب شمس أو بقاء ليل فأكل أو شرب، وينقطع التتابع لدى الشافعية مثل المالكية بإفطار يوم بلا عذر، أو بعذر كمرض مصوغ للفطر في المذهب الجديد، ولا ينقطع التتابع في الصوم بحيض أو نفاس على الصحيح أو جنون على المذهب.
ويلاحظ أن طروء الحيض والنفاس إنما يتصور في كفارة قتل لا ظهار، إذًا لا يجب على النساء، وإن جامع المظاهر بالليل قبل أن يكفر أثم؛ لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل التتابع بالجماع؛ لأن جماعه لم يؤثر في صوم رمضان فلم يقطع التتابع كالآكل بالليل.
وأيسر المذاهب وأولاها مذهب الحنابلة القائلين: إن أفطر في الشهرين بعذر بنى على ما مضى، وإن أفطر من غير عذر ابتدأ من جديد، فينقطع التتابع بفطر بلا عذر أو لجهل، أو لأنه نسي وجوب التتابع، أو ظن أنه أتم الشهر فبان بخلافه، أو صام أثناء الشهرين تطوعًا أو قضاءً عن رمضان، أو صام عن نذر، أو كفارة أخرى؛ لأنه أطاعه بشيء يمكنه التحرز منه، فأشبه ما لو أفطر من غير عذر وينقطع التتابع أيضًا إذا وطئ المظاهر منها ليلًا أو نهارًا، عامدًا أو ناسيًا فيفسد ما مضى من صيامه، وابتدأ صوم الشهرين، لكن لو وطئ في أثناء الإطعام لم تلزمه إعادة ما مضى كما قال بذلك الحنفية والشافعية.
والخلاصة: أنه ينقطع التتابع بوطء المظاهر امرأته قبل إتمام الصيام ناسيًا في النهار أو متعمدًا في الليل في رأي الحنفية والمالكية؛ لأن الشرط في الصوم أن يكون قبل المسيس، وأن يكون خاليًا عنه بالضرورة بالنص القرآني، ولا ينقطع التتابع بالوطء نهارًا ناسيًا أو عامدًا في الليل في رأي الشافعية والحنابلة، فلا يوجب الاستئناف بسبب العذر.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
ولا ينقطع التتابع بصوم رمضان، أو فطر، ويجب، كعيد وحيض ونفاس وجنون ومرض مخيف وحامل ومرضع أفطرتا خوفًا على أنفسهما، أو فطر لعذر يبيحه، كمرض وسفر غير مخيف، وحامل ومرضع لضرر ولدهما، ومكره ومخطئ كمن أظن أن الفجر لم يطلع أو الشمس لم تغرب فبان بخلافه.
إطعام ستين مسكينًا
وأما إطعام ستين مسكينًا فقد أجمع أهل العلم على أن المظاهر إذا لم يجد الرقبة، ولم يستطع الصيام، أن فرضه إطعام ستين
مسكينًا على ما أمر الله تعالى في كتابه، وجاء في سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- سواء عجز عن الصيام لهرم أو مرض يخاف
بالصوم تباطؤ الشفاء، أو زيادة المرض، أو لحوق مشقة شديدة، أو لشبق فلا يصبر فيه عن الجماع، فإن أوس بن الصامت لما أمره
الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالصيام، قالت امرأته: {{يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا}} ولما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- سلمة بنت صخر بالصيام قال: {{وهل أصبت الذي أصبته إلا من الصيام؟ قال: فأطعم}} فنقله إلى الإطعام، عندما أخبر أن به من الشبق والشهوة ما يمنعه من الصيام، وقس على هذين ما يشبهما في معنانهما.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
ولا يجوز أن ينتقل عن الصوم لأجل السفر؛ لأن السفر لا يعجزه عن الصيام، وله نهاية ينتهي إليها، وهو -أي: السفر- من أفعاله الاختيارية، والمرض الذي يبيح الانتقال عن الصيام إلا الإطعام هو عند الجمهور، الذي لا يرجى برؤه، وعند الحنابلة هو الذي لا يرجى برؤه أو يرجى الزوال، أي: يرجى الشفاء؛ لدخوله في قول الله تعالى: ((فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)) ولأنه لا يعلم أن له نهاية أم لا؟ فأشبه الشبق.
ما يتعلق بالإطعام من أحكام قدر الإطعام، للفقهاء آراء ثلاثة في مقدار الطعام في الكفارات كلها وهي:
رأي الحنفية: يعطى لكل مسكين مدان -أي: نصف صاع- من القمح، وصاع من تمر أو شعير، كزكاة الفطر قدرًا ومصرفًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث سلمة بن صخر: {{فأطعم وسقًا من تمر}} وفي رواية أخرى: {{فأطعم عرقًا من تمر ستين مسكينًا}} والعرق والوسق ستون صاعًا كما في رواية أبي داود والعرق ستون صاعًا، والصاع يعادل بالكيلو جرام في عصرنا الحاضر [٢] كيلو و[٧٥١] جرامًا هذا رأي الحنفية.
وهو رأي المالكية: يملك المكفر ستين مسكينًا لكل واحد مد وثلثان، بمده -صلى الله عليه وسلم- إذن: الحنفية مدان والمالكية مد وثلثا مد بمد النبي -صلى الله عليه وسلم- من القمح إن اقتاتوه، يعني: إن كان القمح هو القوت فلا يجزئ غيره من شعير أو ذرة أو غيرهما، فإن اقتاتوا غير القمح فما يعد له شبعًا لا كيلًا.
رأي الشافعية والحنابلة: إن قدر الطعام في الكفارات كلها وفي فدية الصوم والفطرة -أي: وزكاة الفطر- مد من قمح لكل مسكين عند الشافعية والحنابلة، ومد وثلثا مد عند المالكية، ومدان عند الحنفية، لما روى أبو داود بإسناده عن أوس بن الصامت: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطى -يعني: المظاهر- خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا" لكنه حديث مرسل عن عطاء ابن أبي أوس.
وهو مذهب الحنفية: الضابط عندهم أن ما شرع بلفظ إطعام وطعام جاز فيه الإباحة، وما شرع بلفظ إيتاء وأداء شرع فيه التمليك؛ وبناء عليه يكون الإطعام في الكفارات، إما بالتمليك أو بالإباحة غداء وعشاء، أو غداء وقيمة عشاء، أو بالعكس، بشرط إدام مع خبز شعير وذرة لا مع خبز قمح، فيجوز الجمع بين الإباحة والتمليك لأنه جمع بين شيئين جائزين على الانفراد، سواء أكلوا قليلًا أو كثيرًا، فإن أعطى مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه، وإن أعطاه في يوم واحد لم يجزئه إلا عن يومه، ويجوز عندهم دفع القيمة، أي: قيمة الإطعام المالية في الزكاة، والعشر، والخراج، وزكاة الفطر، والنذر؛ والكفارة غير الإعتاق، وتعتبر عندهم القيمة يوم الوجوب عند الإمام أبي حنيفة، وقال الصاحبان: يوم الأداء، وفي السوائم يوم الأداء باتفاقهم، ويقوم في البلد الذي فيه المال، أما المفازة، أي: الصحراء، فيقوم في أقرب الأمصار إليه، وسبب جواز دفع القيمة أن المقصود سد الخلة ودفع الحاجة، ويوجد ذلك في القيمة كما يوجد في نفس الإطعام، هذا عن كيفية الإطعام في مذهب الحنفية.
XXXXXXXXXXXXXX
وهو ما ذهب إليه الجمهور -وهم غير الحنفية: فالواجب عندهم تمليك كل إنسان من المساكين القدر الواجب له من الكفارة ولا يجزئ الغداء والعشاء بالقدر الواجب أو أقل أو أكثر، إلا أن المالكية قالوا: يجزئ الغداء والعشاء إن تحقق غلوهم مدًّا وثلثين، ودليلهم: أن المنقول عن الصحابة إعطاء المساكين، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لكعب في فدية الأذى بالحج: {{أطعم ثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين}} ولأنه مال وجب للفقراء شرعًا فوجب تملكيهم إياه كالزكاة.
ويشترط العدد عند الفقهاء لآية الظهار، فلو أطعم ثلاثين مسكينًا طعام مسكين لم يجزئه، وقال الشافعية والحنابلة: لو أعطى مسكينًا مدين من كفارتين في يوم واحد أجزأه؛ لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب، فأجزأه ذلك، كما لو دفع إليه المدين في يومين، واشترط الحنفية أن يكون الإعطاء متكررًا، فلو أطعم ستين مسكينًا كل واحد صاعًا من قمح بدفعة واحدة عن ظهارين، صح عن ظهار واحد، فإن كان بدفعات جاز عن الظهارين؛ لأنه في المرة الثانية كمسكين آخر، ولا تجزئ القيمة عند الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة في الكفارة عملًا بالنصوص الآمرة بالإطعام.
ولا يجب التتابع في الإطعام عند الحنفية والشافعية والحنابلة، فلو وطئ في أثناء الإطعام لم تلزمه إعادة ما مضى منه؛ لأنه وطئ في أثناء ما لا يشترط التتابع فيه فلم يوجوب الاستئناف كوطء غير المظاهر منها، أو كالوطء في كفارة اليمين، فيختلف الإطعام عن الصيام.
وسوى المالكية بين الإطعام والصيام فاشترطوا التتابع فيهما، فلو وطئ في أثناء كفارة الظهار بهما وجب الاستئناف فيهما.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
جنس الطعام
المجزئ في الإطعام عند الجمهور -غير المالكية- كل ما يجزئ في زكاة الفطر وهو: البر، أو الشعير، ودقيقهما، التمر، والزبيب، سواء أكان قوت المظاهر أو لم يكن، ولا يجزئ عند الحنابلة في الراجح غير ما ذكر، ولو كان قوت بلده، إلا إذا عدمت تلك الأقوات فيجوز إخراج نحو ذرة ودخن ولا يجزئ أن يغدي المساكين أو يعشيهم أو يدفع لهم القيمة -هذا عند الحنابلة- لأن الخبر ورد بإخراج هذه الأصناف على ما جاء في الأحاديث السابقة، فلم يجو غيرها، كما لو لم يكن قوت بلده، ويجب عند الشافعية على المذهب الإطعام من الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة؛ لأن الأبدان بها تقوم، ويجب من غالب قوت بلد المظاهر؛ لأن المعتبر في الزكاة بماله، ولقوله تعالى: ((فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)) [المائدة: ٨٩] والأوسط الأعدل، وأعدل ما يطعم أهله قوت البلد، وأوجب المالكية الإطعام من القمح إن اقتاتوا، فلا يجزئ غيره من شعير أو ذرة أو غيرهما، فإن اقتاتوا غير البر القمح فما يعدله شبعًا لا كيلًا، ولا يجزئ الغداء والعشاء إلا أن يتحقق بلوغهما مدًّا وثلثين، والواجب عند الحنفية ما يجب في زكاة الفطر، وهو البر أو التمر أو الشعير ودقيق كل واحد كأصله كيلًا، أي: نصف صاع من دقيق الحنطة، وصاع من دقيق الشعير. وقيل: المعتبر في الدقيق القيمة لا الكيل، ويجوز عندهم إخراج القيمة من غير هذه الأصناف كما بينا.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
مستحق الإطعام
مستحق الإطعام هو كل مستحق للزكاة عند الجمهور من المساكين والفقراء، لقول الحق سبحانه وتعالى: ((فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)) فلا يجوز دفعها لكافر، وإنما يشترط أن يكون مسلمًا كالزكاة، ويجوز صرفها إلى الصغير والكبير، ولو لم يأكل الطعام عند الحنابلة؛ لأنه مسلم محتاج أشبه الكبير، لكن يقبضها ولي الصغير؛ لأن الصغير لا يصح منه القبض. ومستحق كفارة الظهار في رأي الحنفية هو مستحق الزكاة الفطر، فلا يجوز إطعام أصله، وفرعه، وأحد الزوجين، ويجوز إطعام الذمي لا الحربي، ولو مستأمنًا.
شروط الكفارة
اتفق فقهاء المذاهب الفقهية الأربعة على أن النية شرط لصحة الكفارة، بأن ينوي العتق أو الصوم أو الإطعام الواجب عليه عن الكفارة، أي: بنية مقارنة للتكفير أو قبله بيسير؛ لأن الكفارة حق مالي يجب تطهيرًا كالزكاة والأعمال بالنيات.
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
من وطئ قبل أن يكفر
اتفق الفقهاء على أن من وطئ قبل أن يكفر عصى ربه وأثم؛ لمخالفته أمر الله تعالى، وتستقر الكفارة في ذمته، فلا تسقط بعدئذٍ بموت ولا طلاق ولا غيره إلا بعد الطلاق الثلاث عند المالكية كما سبق بيانه، ويظل تحريم زوجته عليه باقيًا حتى يكفر، لكن اختلفوا في تأثير الوطء أثناء التكفير، فأطلق المالكية القول في أنواع الكفارة، فمن وطء قبل أن يكفر عن ظهاره -سواء بالعتق أو بالصوم أو بالإطعام، وسواء أكان الوطء ليلًا أم نهارًا، عامدًا أم ناسيًا، ولو في أثناء الإطعام ولو لم يبقَ عليه إلا مد واحد- فإنه يحرم، ويبطل، ويبتدئ الكفارة من جديد. أما وطء غير المظاهر منها، كأن كان له زوجتان وظاهر من إحداهما ولم يظاهر من الأخرى فإنه لا يضر في صيام إن وقع ليلًا، ولا في إطعام ولا في عتق.
ورأى الشافعية: أن المظاهر إن جامع أثناء الصيام ليلًا قبل أن يكفر أثم؛ لأنه جامع قبل التكفير، ولا يبطل تتابع الصيام؛ لأن جماعه هذا لم يؤثر في صيام رمضان فلم يقطع التتابع في صيام كفارة الظهار، كالآكل بالليل، وكذا إن جامع أثناء الإطعام لا يبطل ما مضى.
وفصل الحنفية والحنابلة في الأمر فقالوا: إن وطئ المظاهِر امرأته المظاهَر منها في أثناء الصوم أفسد ما مضى من صيامه، واستأنف الصوم، أي: ابتدأ صيام الشهرين من جديد، موافقين في ذلك المالكية، أما إن وطئ أثناء الإطعام فإنهم خالفوا في هذه المسالة، إن وطئ في أثناء الإطعام فلا تلزمه إعادة ما مضى، وسبب التفرقة بين الصوم والإطعام إطلاق النص القرآني في الإطعام، ((فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)) بدون تقييد بكونه قبل التماس، وتقييده في تحرير الرقبة والصيام بكونهما قبل التماس في قوله -عز من قائل- في الحالتين: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)).
٣.١٣ أنواع كفارة الظهار وانتهاء حكمه
انتهاء حكم الظهار الظهار: إما مؤقت أو مطلق مؤبد، ويختلف حكم انتهاء أحدهما عن الآخر:
إن كان الظهار مؤقتًا كأن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي يومًا أو شهرًا، أو سنة ينتهي بانتهاء الوقت بدون كفارة عند الجمهور، لأن الظهار كاليمين يتوقت وينتهي بانتهاء أجله، بعكس الطلاق لا يحله شيء فلا يتوقت.
وقال المالكية: يقتل التأقيت ويتأبد الظهار، ولا ينحل إلا بالكفارة قياسًا على الطلاق، وإن كان تحريم الطلاق لا يحتمل التأقيت فكذا تحريم الظهار مثله.
XXXXXXXXXXXXXX
إن كان الظهار مؤبدًا أو مطلقًا فينتهي حكم الظهار أو يبطل بالاتفاق بموت أحد الزوجين؛ لزوال محل حكم الظهار، ولا يتصور بقاء الشيء في محله، ولا يبطل حكم الظهار عند الجمهور غير المالكية بالطلاق الرجعي أو البائن أو الثلاث، ولا بالردة عن الإسلام في قول أبي حنيفة، حتى لو تزوجت بزوج آخر ثم عادت إلى الأول فلا يحل له وطئها بدون تقديم كفارة الظهار؛ لأن الظهار قد انعقد موجبًا حكمه، وهو الحرمة، فيبقى على ما انعقد عليه وهو ثبوت حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة، أما عدم المطالبة بالكفارة فيتم بالموت، أو بالفراق عند الجمهور غير الشافعية، فلو مات أحد المظاهرين أو فارق الزوج زوجته قبل العقد فلا كفارة عليه، لقول الحق سبحانه: ((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) فأوجب الكفارة بالأمرين ظهار وعود فلا تثبت بأحدهما، ولأن الكفارة في الظهار كفارة يمين، فلا تجب كفارة يمين فلا تجب الكفارة قبل الحنث كسائر الأيمان والحنث فيها هو العود، أي: العزم على الوطء.
وقال الشافعي -يرحمه الله: متى أمسك الرجل المظاهر منها بعد ظاهره زمن يمكن طلاقها فيها فلم يطلقها فعليه الكفارة؛ لأن ذلك هو العود عنده هذا كل ما يتعلق بالظهار من أحكام.