٢.١٣ الآثار المترتبة على الظهار


الآثار المترتبة على الظهار
يترتب على الظهار الآثار الشرعية التالية:
تحريم الوطء بالإجماع قبل التكفير، أما مقدمات الجماع، فهي حرام عند الحنفية والمالكية والحنابلة، أما عند الشافعية فلا تحرم.
اتفق الفقهاء جميعًا على تحريم الوطء، وكذا عند الجمهور غير الشافعية تحريم جميع أنواع الاستمتاع غير الجماع كاللمس والتقبيل والنظر بلذة -ما عدا وجهها وكفيها ويديها- لسائر بدنها ومحاسنها، والمباشرة فيما دون الفرج؛ لقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) [المجادلة: ٣] أي: فليحرروا رقبة، كما في آية: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ)) [البقرة: ٢٣٣] أي: ليرضعن فالصيغة وإن كانت خبرية لفظًا فهي إنشائية المعنى، ولأن القول الذي حرم الوطء حرم مقدماته ودواعيه كي لا يقع فيه، كالطلاق والإحرام، ويستمر التحريم إلى أن يكفر كفارة الظهار؛ لأن ظهاره جناية، لأنه منكر من القول وزور، فيناسب مجازاة الجناية بالحرمة وارتفاعها بالكفارة.

٢.١٣ الآثار المترتبة على الظهار


ما الحكم إن ادعى أنه كفر عن ظهاره؟ هل يصدق أو لا يصدق؟
إن ادعى أنه كفر عن ظهاره صدق في دعواه ما لم يكن معروفًا بالكذب.
ونتساءل: إذا طلق الرجل امرأته بعد الظهار قبل أن يكفر عن ظهاره ثم راجعها، هل يعود عليها الظهار؛ ومن ثم فلا يحل له الوطء وتوابعه حتى يكفر؟
ذكر العلامة ابن رشد خلافًا في هذه المسألة، فقال: عند مالك: إن طلقها دون الثلاث ثم راجعها في العدة أو بعدها فعليه كفارة الظهار، وقال أبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأحمد: الظهار راجع عليها، سواء نكحها بعد الثلاث أو بعد طلقة واحدة، وهذه المسألة شبيهة بمن يحلف بالطلاق ثم يطلق ثم يراجع؛ هل تبقى تلك المدة عليه أم لا تبقى؟
وسبب الخلاف: هل الطلاق يرفع جميع أحكام الزوجية ويهدمها أو لا يهدمها؟ فمنهم من رأى: أن الطلاق البائن -الذي هو الثلاث- يهدم، وأن ما دون الثلاث لا يهدم. ومنهم من رأى: أن الطلاق كله -رجعيًّا أو بائنًا- لا يهدم.


٢.١٣ الآثار المترتبة على الظهار


هل يدخل الإيلاء على الظهار؟

ذكر ابن رشد -يرحمه الله- أيضًا خلافًا في هذه المسألة على ثلاثة آراء: فقال الجمهور: قال مالك: لا يتداخل حكم الإيلاء مع الظهار، فعند الإمام مالك: لا يتداخل حكم الإيلاء مع حكم الظهار، سواء أكان الزوج مضارًّا أم لم يكن مضارًّا، وقال بعض المالكية: وروا ذلك أيضًا عن الإمام مالك: يدخل الإيلاء على الظهار بشرط أن يكون الزوج مضارًّا. وقال سفيان الثوري: يدخل الإيلاء على الظهار مطلقًا، وتبين منه بانقضاء الأربعة أشهر ولو من غير مضارة. وسبب الخلاف مراعاة المعنى أو اعتبار الظاهر، فمن اعتبر الظاهر، قال: لا يتداخلان، ومن اعتبر المعنى قال: يتداخلان، إذا كان القصد الضرر.

كفارة الظهار

مشروعية الكفارة
شرعت كفارة الظهار بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ...)) إلى أن قال: ((فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)) [المجادلة: ٣، ٤] وأما السنة: فروى أبو داود بإسناده عن خولة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ...

٢.١٣ الآثار المترتبة على الظهار


... {{ظاهر مني أوس بن الصامت، فجئت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشكو إليه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجادلني فيه ويقول: اتقي الله، فإنه ابن عمك، فما برح حتى نزل القرآن: ((قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)) إلى الفرض فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا، قالت: ما عنده من شيء يتصدق به، قال: فأتي بعرق من تمر، أي: جزءٍ من تمر، قالت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت، اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا، وارجعي إلى ابن عمك}} والعرق من التمر يقدر بستين صاعًا، والصاع كيل من أكيال مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
متى تجب كفارة الظهار؟
يرى جمهور الفقهاء: أن كفارة الظهار لا تجب قبل العود، فلو مات أحد المظاهرين أو فارق المظاهر زوجته قبل العود فلا كفارة عليه؛ لقول الله تعالى: ((وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) وهو نص في وجوب تعلق الكفارة بالعود.
ومن طريق القياس: أن الظهار يشبه كفارة اليمين، فكما أن الكفارة إنما تلزم بالمخالفة، أو بإرادة المخالفة، كذلك الأمر في الظهار، والكفارة في الظهار كفارة يمين، فلا يحنث بغير الحنث كسائر الأيمان، والحنث فيها هو العود.
واختلفوا في تفسير العود على آراء ثلاث:

٢.١٣ الآثار المترتبة على الظهار


فقال الحنفية والمالكية -على المشهور-: العود: العزم على الوطء أو إرادة الوطء.
ويرى الحنابلة أن العود هو الوطء في الفرج؛ لقول الله تعالى: ((ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا)) فأوجب الكفارة عقب العود، وهو يقتضي تعلقها به، ولا تجب قبله، إلا أن الكفارة شرط لحل الوطء فيؤمر بها من أراده ليستحله بها، كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حلها؛ ولأن العود في القول هو فعل ضد ما قال، كما أن العود في الهبة هو استرجاع ما وهب، والعود هنا: هو فعل ما حلف على تركه وهو الجماع.
وذهب الشافعية إلى: أن العود في الظهار هو إمساكها بعد ظهاره زمنًا يمكنه طلاقها فيه؛ لأن ظهاره منها يقتضي إبانتها، فإمساكها عود فيما قال، ولأن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة فقد عاد فيما قال، لأن العود للقول مخالفته، يقال: قال فلان قولًا ثم عاد له، وعاد فيه، أي: خالفه ونقضه، وهو قريب من قولهم: عاد في هبته، وهذا في الظهار المؤبد أو المطلق، وفي غير الرجعية؛ لأنه في الظهار المؤقت إنما يسير عائدًا بالوطء في المدة لا بالإمساك، والعود في الرجعية إنما هو بالرجعة، ومحل العود بالإمساك بعد ظهاره زمن إمكان الفرقة، هو إذا لم يتصل بالظهار فرقة بسبب من الأسباب، فلو اتصل بالظهار فرقة بموت منهما، أو من أحدهما، أو فسخ للنكاح، أو فرقة بسبب طلاق بائن أو رجعي ولم يراجع، أو جن الزوج عقب ظهاره فلا عود ولا كفارة في جميع ذلك؛ لتعذر الفراق في حالتي الطلاق والجنون، وفوات الإمساك في الموت، وانتفائه في الفسخ.


٢.١٣ الآثار المترتبة على الظهار


تعدد الكفارة بتعدد المظاهر منهن أو بتعدد الظهار
إذا ظاهر الرجل من أربع نسوة له أو دونهما، فعليه عند الحنفية والشافعية في الجديد كما بينا: أربع كفارات، سواء ظاهر منهن، بأقوال مختلفة أو بقول واحد؛ لأن الظهار وإن كان بكلمة واحدة فإنه يتناول كل واحدة من النساء وحدها، فصار مظاهرًا من كل واحدة منهن، وبما أن الظهار تحريم لا يرتفع إلا بالكفارة، فإذا تعدد التحريم تعدد الكفارة، وليس عليه أكثر من كفارة واحدة، أو يجزئ كفارة واحدة إذا كان المظاهر بكلمة واحدة عند المالكية والحنابلة؛ لأن الظهار كالإيلاء في التحريم، وفي الإيلاء لا يجد إلا كفارة واحدة، ولأنه كاليمين بالله، والحنث باليمين على أمر المتعدد لا يوجب الكفارة إلا كفارة واحدة، ولأن الكفارة تمحو إثم الحنث، والكفارة الواحدة تحقق المراد.
أما إن ظاهر من نسائه بكلمات، فقال لكل واحدة في وجهها: أنت علي كظهر أمي، ثم انتقل إلى الثانية، وقال لها كذلك، وإلى الثالثة وقال لها كذلك، كل واحدة على انفراد؛ فإن كل كلمة تقتضي كفارة ترفعها وتكفر إثمها، فتتعدد الكفارة بتعدد الظهار من كل امرأة منهن على حدة؛ لأنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة، فكان لكل واحدة كفارة كما لو كفر، ثم ظاهر. والراجح هو ما ذهب إليه واختاره الحنفية والشافعية في الجديد؛ لأن محل الظهار تعدد، فتتعدد الكفارة.
وأما تعدد الكفارة بتعدد الظهار كأن ظاهر من زوجته مرارًا: هي زوجة واحدة، وقال لها في يوم: أنت علي كظهر أمي، ولم يكفر، وبعد أسبوع أو أكثر قال لها: أنت علي كظهر أمي، وبعده قال لها: أنت علي كظهر أمي، فتعدد الظهار والمظاهر منها واحدة، فهل تتعدد الكفارة أو لا تتعدد؟


٢.١٣ الآثار المترتبة على الظهار


اختلف الفقهاء في هذه المسألة أيضًا، فرأى الحنفية إن كرر الظهار في مجلس واحد في مجلس واحد، يعني قال لها: أنت علي كظهر أمي، وفي نفس المجلس قال لها: أنت علي كظهر أمي، وفي نفس المجلس قال لها كذلك: أنت علي كظهر أمي، فعند الحنفية تلزمه كفارة واحدة، أما إن كان في مجالس فإنه تلزمه كفارات كبقية الأيمان؛ ولأنه قول يوجب تحريم الزوجة فإذا نوى الاستئناف تعلق بكل مرة حكم حالها كالطلاق.
ورأى المالكية والحنابلة -في ظاهر المذهب- والأوزاعي: إذا ظاهر الرجل من زوجته مرارًا فلم يكفر فليس عليه إلا كفارة واحدة، سواء ظاهر في مجلس واحد أم في مجالس متعددة؛ لأن المرأة قد حرمت عليه بالقول الأول، فلم يزد القول الثاني في تحريمها شيئًا، ولأن الظهار لفظ يتعلق به كفارة، فإن كرره يكفيه كفارة واحدة كاليمين بالله.
وذهب الشافعية -في الجديد- إلى: أن من حلف أيمانًا كثيرة، فإن أراد تأكيد اليمين فكفارة واحدة، سواء تعدد المجلس أو لم يتعدد، وإن نوى الاستئناف، يعني: يمينًا جديدًا فكفارتان في الأظهر.