٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق


طلاق المريض مرض الموت

المريض مرض الموت هو الذي تحقق فيه أمران:
أن يكون الغالب فيه الهلاك عادةً.

٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق


حكم الطلاق في مرض الموت
يراد بالحكم هنا الآثار المترتبة على وجوب الطلاق في مرض الموت، وإذا نظرنا إلى تلك الآثار نراها كالآتي:
لا يصحّ تبرعُه إلا من ثلث أمواله فقط.
نفاذ طلاقه كالصحيح تمامًا، وتترتب عليه جميع آثاره الشرعية، فإن كان طلاقه رجعيًّا فله حكم الطلاق الرجعي تمامًا بتمام، وإذا مات الزوج في العِدّة فإن زوجته ترثه بالاتفاق، كما ترثه في حال طلاقها طلاقًا رجعيًّا في حال الصِّحَّة، لأن الرجعيةَ زوجة يلحقها طلاق الزوج وظهاره وإيلاؤه، ويملك إمساكها بالرجعة ولو بغير رضاها.

أما إن طلقها طلاقًا بائنًا في مرض الموت ثم ماتت، فإن الزوج لا يرثها بالاتفاق؛ حيث انقطاع الزوجية المثبتة للتوارث في هذه الحال. أما إن طلقها طلاقًا بائنًا ومات الزوج ولم تكن الميّتة هي الزوجة، ومات الزوج في أثناء العدّة من هذا الطلاق، فقد اختلف الفقهاء بالنسبة لميراث الزوجة منه كالآتي:
قال الجمهور: إنها ترث بشرط أن تكون في العدة.
وقال الشافعي في الجديد: لا ترث.
وقال الظاهرية: لا فرق بين الصحيح والمريض؛ فلا توارث مطلقًا، ولكلٍّ وجهة هو موليها.

فهذا هو رأي الجمهور الذي قال بإرث المطلقة البائن الذي طلّقها زوجها في مرض الموت، وشروط إرثها الخمسة. أما الشافعية في الجديد فإنهم قالوا: إنها لا ترث. واستدلوا على عدم التوارث بقولهم: إن المرأة المطلقة طلاقًا بائنًا لا ترث من زوجها الذي طلّقها؛ لانقطاع الزوجية بالطلاق البائن، والميراث لا يثبت بعد زوال سببها.

٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق


استدل الجمهور على التوارث بالأثر والمعقول:
فإن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ورّث زوجةَ عبد الرحمن بن عوف الذي كان قد طلّقها في مرضه فَبَتّها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة دون إنكار من أحد منهم.

٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق


وقت الإرث

الجمهور القائلون بثبوت إرث الزوجة من زوجها اختلفوا في وقت الإرث على النحو التالي:
قال الحنفية: إنها ترثه إذا مات وهي في العدة من هذا الطلاق البائن؛ لبقاء أحكام الزواج، فيبقى حقّ إرثها منه، فإذا مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها؛ لانقطاع العلاقة بينهما، وصارت كالأجنبية عنه.
وقال المالكية: إنها ترثه وإن انقضت عدتها منه وتزوّجت؛ لما روى أبو مسلمة بن عبد الرحمن أن أباه طلّق أمه وهو مريض، فمات، فورثته بعد انقضاء العدة؛ ولأن سبب توريثها هو فراره من ميراثها منه، وهذا المعنى لا يزول حتى بعد انقضاء العدة.
والمشهور عند الإمام أحمد والإمامية: أنها ترثه في العدة وبعدها، كما قال المالكية، إلا أنهم خالفوا المالكية في جزئيةِ بشرط ألا تتزوج.
فالفارق بين رأي المالكية ورأي الحنابلة والإمامية: أنها عند المالكية ترث في العدة أو بعد العدة حتى لو تزوجت، ورأي الحنابلة والإمامية ترثه في العدة وبعد العدة بشرط ألا تتزوج؛ لِمَا رُوِيَ عن الحسن البصري ما يفيد ذلك؛ ولأنها لتزوجها بآخر تكون قد فعلت باختيارها ما ينافي الزواج الأول فلا ترث.
الراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو رأي الحنفية؛ لسلامته وموافقته لروح الشريعة الإسلامية.


٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق


الفُرْقَةُ من جهة الزوجة المريضة

إذا حدثت الفُرْقَة من جهة الزوجة وهي مريضةٌ مرض الموت ونحوه مما يبلغ فيه الهلاك؛ فإنها تعدّ بذلك فارّة من ميراث زوجها، فتُعامل بنقيض مقصودها، ويرثها الزوج إذا ماتت وهي في العدة، ولا ترث هي منه إذا مات وهي في العدة. وعلى الراجح من أقوال أهل العلم -وهو رأي الحنفيّة كما أسلفنا.

الشك في الطلاق
المراد بالشك: التردّد بين الشيئين بدون ترجيح أحد الاحتمالين.
وحكمه باتفاق الفقهاء: أن اليقين لا يزول بالشك، فمن شكّ: هل طلّق زوجته أم لا؟ لم تُطَلّق زوجته؛ لأن الزواج ثابتٌ بيقينٍ، والطلاق حدث بالشك، واليقين لا يزول بالشك، ومن شكّ في صفة الطلاق: هل طلّق طلاقًا رجعيًّا أو طلاقًا بائنًا؟ فإنه يحكم بالرجعيّة؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقنةً.


٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق


أما بالنسبة للشك في عدد الطلاق، كمن شكّ هل طلق الطلقة الأولى أم الطلقة الثانية، أو طلّق الثانية أو الطلقة الثالثة، فإننا نبني على اليقين وهو الأقل، فمن شك أنه طلق الأولى أو الثانية اعتبرناها الأولى، ومن شك الثانية أو الثالثة اعتبرناها الثانية؛ لأن الأقل هو المتيقن، والزائد مشكوك فيه، واليقين لا يزوله الشك.
ومن شكّ في طلاق ثلاث فقال الجمهور -غير المالكية- بوقوع طلقة واحدة حتى يستيقن؛ لأن ما زاد على القدر الذي تيقنه طلاق مشكوك لا يلزمه، وتبقى أحكام دون الثلاث، وإباحة الرجعة، وإذا راجع وجبت النفقة وحقوق الزوجية.
وقال المالكية: إن تيقّن الطلاق وشك في العدد لم تحلّ له حتى تنكح زوجًا غيره؛ لأنها تحتمل طلّقها طلاقًا ثالثًا. وإن حلف بالطلاق ثم شكّ: هل حنث أم لا؟ والحَلِف بالطلاق -كما أوضحنا- أن يعلّق الطلاق على شرط فهذا يمينه الطلاق، أو يقول: "عليّ الطلاق" فإن حلف بالطلاق ثم شكّ: هل حنث أم لا؟ أُمِرَ عند المالكية بمفارقة زوجته، وعند الجمهور غير ذلك.
ومن طلّق إحدى امرأتيه بذاتها، ثم نسيها أو خفيت عليه ذاتها لسبب أو لآخر، نرجع في تعيين المطلقة إليه، ولا تحل له واحدة منهما أو منهن قبل أن يعيّن من طلقها، ولا يعتبر الوطء بيانًا ولا تعيينًا على الراجح من أقوال أهل العلم.


٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق


إثبات الطلاق والإشهاد عليه
جمهور الفقهاء على أن الطلاق يقع من غير حاجة إلى إشهاد، لأن حضور الشهود شرط في صحة الزواج وليس شرطًا في إنهائه؛ لأنه لم يؤثر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن أحدٍ من أصحابه -رضوان الله عليهم- اشتراط الشهود على وقوع الطلاق، فيكون اشتراطهم فيه زيادة من غير دليلٍ مثبتٍ.
ولكن إذا ادّعت المرأة أن زوجها طلّقها وأنكر هو:
فمذهب المالكية أنه إن أتت بشاهدين عدلين نَفَذ الطلاق، وإن أتت بشاهد واحد حلف الزوج وبرئ، وإن لم يحلف الزوج سُجِنَ حتى يقرّ بالطلاق ويحلف، وإن لم تأتِ بشاهدٍ فلا شيء على الزوج، وعليها منع نفسها منه بقدر جهدها.
وقال الشيعة الإمامية وابن حزم: الطلاق لا يقع من غير إشهاد؛ لقول الحق -سبحانه وتعالى- في أحكام الطلاق وإنشائه: ((وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)) [الطلاق: ٢، ٣] فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعًا إليهما، وتعليل الإشهاد بأنه: ((يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)) يرشِّح لذلك ويقوِّيه؛ لأن حضور الشهود العدل لا يخلو من موعظة حسنة ونصيحة صادقة يوجِّهونها إلى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله.


٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق


وأرى أن هذا القول قول معقول المعنى ومقبول، وبخاصة في وقتنا الحاضر الذي عمّت فيه بلوى الطلاق لأهون الأسباب وأضعفها، وهو قول يوجبه التنسيق بين إنشاء الزواج وإنهائه، فكما كان حضور الشاهدين شرطًا لصحة عقد النكاح، ينبغي أيضًا أن يكون حضورهما شرطًا في إنهائه، وبخاصة إذا كان الطلاق هو المكمِّل للثلاث، وسيترتّب عليه من المخاطر والأضرار ما لا يمكن تحمله، من تشتيت للأسرة، وضياع للأولاد، وخراب للبيوت؛ بناء على ما جاء في الحديث الصحيح: {{ما خُيِّرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا أو معصيةً}} وقد روى سفيان عن ابن جُرَيْج عن عطاء قال: الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة، وذلك أخذًا بالاحتياط الذي يترتب على التجاحد من أحد الزوجين.
هذا الرأي هو الذي أخذ به القانون رقم مائة لسنة ألف وتسعمائة وخمس وثمانين من الميلاد، وما طرأ عليه من تعديل حيث جاء فيه: "على المطلِّق أن يوثِّق إشهاد طلاقه لدى الموثِّق المختص خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الطلاق، وتعتبر الزوجة عالِمَةً بالطلاق بحضورها توثيقه، فإن لم تحضرْه كان على الموثِّق إعلان إيقاع الطلاق لشخصها على يد محضر، وتترتب آثار الطلاق من تاريخ إيقاعه، إلا إذا أخفاه الزوج عن الزوجة؛ فلا تترتب آثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها، ويتبقّى أن يُعْلَم بأن توثيق الطلاق ما هو إلا إجراء شكليٌّ، وليس له أثر على واقعة الطلاق، فهو واقعٌ من تاريخ نطاق الزوجة به أو علم الزوجة به، وتبدأ العِدّة فور الطلاق، ولا تتوقف على علم المرأة به.