٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق
طلاق المريض مرض الموت
المريض مرض الموت هو الذي تحقق فيه أمران:
أن يكون الغالب فيه الهلاك عادةً.
أن يتّصل بهذا المرضِ الموتُ، وقد اختُلف في أماراته -في أمارات مرض الموت- فقيل: إن أمارات مرض الموت أن يلازم المريض الفراش، أو ألا يقدر على الصلاة قائمًا، أو ألا يستطيع المشي إلا بمعين، أو ألا يخرج من الدار إن كان رجلًا، أو يستطيع القيام بأعمال البيت إن كانت امرأة. وقد أُلْحِق بالمريض مرض الموت في الحكم كلُّ من يكون في حال يُخشى فيها الهلاك ويتوقعه، ويموت موتًا متصلًا بما توقع فيه، كمن يحكم عليه بالإعدام ويعدم، أو من يكون في سفينة تلاطمت بها الأمواج فأغرقتها.
فهذا هو رأي الجمهور الذي قال بإرث المطلقة البائن الذي طلّقها زوجها في مرض الموت، وشروط إرثها الخمسة. أما الشافعية في الجديد فإنهم قالوا: إنها لا ترث.
واستدلوا على عدم التوارث بقولهم: إن المرأة المطلقة طلاقًا بائنًا لا ترث من زوجها الذي طلّقها؛ لانقطاع الزوجية بالطلاق البائن، والميراث لا يثبت بعد زوال سببها.
٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق
استدل الجمهور على التوارث بالأثر والمعقول:
فإن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- ورّث زوجةَ عبد الرحمن بن عوف الذي كان قد طلّقها في مرضه فَبَتّها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة دون إنكار من أحد منهم.
٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق
الفُرْقَةُ من جهة الزوجة المريضة
إذا حدثت الفُرْقَة من جهة الزوجة وهي مريضةٌ مرض الموت ونحوه مما يبلغ فيه الهلاك؛ فإنها تعدّ بذلك فارّة من ميراث زوجها، فتُعامل بنقيض مقصودها، ويرثها الزوج إذا ماتت وهي في العدة، ولا ترث هي منه إذا مات وهي في العدة. وعلى الراجح من أقوال أهل العلم -وهو رأي الحنفيّة كما أسلفنا.
الشك في الطلاق
 |
المراد بالشك: التردّد بين الشيئين بدون ترجيح أحد الاحتمالين. |
 |
وحكمه باتفاق الفقهاء: أن اليقين لا يزول بالشك، فمن شكّ: هل طلّق زوجته أم لا؟ لم تُطَلّق زوجته؛ لأن الزواج ثابتٌ بيقينٍ، والطلاق حدث بالشك، واليقين لا يزول بالشك، ومن شكّ في صفة الطلاق: هل طلّق طلاقًا رجعيًّا أو طلاقًا بائنًا؟ فإنه يحكم بالرجعيّة؛ لأنها أضعف الطلاقين، فكانت متيقنةً. |
٢.١٢ طلاق المريض مرض الموت والشك والإشهاد في الطلاق
|
 |
وأرى أن هذا القول قول معقول المعنى ومقبول، وبخاصة في وقتنا الحاضر الذي عمّت فيه بلوى الطلاق لأهون الأسباب وأضعفها، وهو قول يوجبه التنسيق بين إنشاء الزواج وإنهائه، فكما كان حضور الشاهدين شرطًا لصحة عقد النكاح، ينبغي أيضًا أن يكون حضورهما شرطًا في إنهائه، وبخاصة إذا كان الطلاق هو المكمِّل للثلاث، وسيترتّب عليه من المخاطر والأضرار ما لا يمكن تحمله، من تشتيت للأسرة، وضياع للأولاد، وخراب للبيوت؛ بناء على ما جاء في الحديث الصحيح: {{ما خُيِّرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا أو معصيةً}} وقد روى سفيان عن ابن جُرَيْج عن عطاء قال: الطلاق والنكاح والرجعة بالبينة، وذلك أخذًا بالاحتياط الذي يترتب على التجاحد من أحد الزوجين. |
|
 |
هذا الرأي هو الذي أخذ به القانون رقم مائة لسنة ألف وتسعمائة وخمس وثمانين من الميلاد، وما طرأ عليه من تعديل حيث جاء فيه: "على المطلِّق أن يوثِّق إشهاد طلاقه لدى الموثِّق المختص خلال ثلاثين يومًا من تاريخ الطلاق، وتعتبر الزوجة عالِمَةً بالطلاق بحضورها توثيقه، فإن لم تحضرْه كان على الموثِّق إعلان إيقاع الطلاق لشخصها على يد محضر، وتترتب آثار الطلاق من تاريخ إيقاعه، إلا إذا أخفاه الزوج عن الزوجة؛ فلا تترتب آثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها، ويتبقّى أن يُعْلَم بأن توثيق الطلاق ما هو إلا إجراء شكليٌّ، وليس له أثر على واقعة الطلاق، فهو واقعٌ من تاريخ نطاق الزوجة به أو علم الزوجة به، وتبدأ العِدّة فور الطلاق، ولا تتوقف على علم المرأة به. |